سليم الديب وداعًا

single

شهر الحصاد شهر الحر، بينما معظم النساء تعاني من حر الشمس وتعب العمل في الحقول في بداية فصل الصيف، كانت والدة سليم تعاني آلام المخاض.
فكانت فرحة والده كبيرة عندما قالت "الداية" مبروك ولد وعيونه زرق، على الرغم من انه جاء بعد اخواته واخوته عرسان وسعيد وحسني ومحسن وبعده ولد خليل، فجاءت الفرحة  لان المولود يضيف قوة عاملة في العائلة في الحقل، انقطع هذا الحلم بعد احداث نكبة شعبنا الفلسطيني في سنة 1948، أي بعد اربع سنوات على ولادته، فلم تبق ارض ليفلحها ويساهم في زراعتها وجني محصولها ولم يبق بيت يؤويهم، فكان نصيبهم مثل الأكثرية الساحقة من أبناء شعبنا وكل أبناء معلول جميعا الذين تم تهجيرهم وهدم بيوتهم. فلجأوا الى يافة الناصرة  حيث تم استقبالهم المؤقت في بيوت اهل القرية من معارف وذوي قدرة الى ان تم بناء البراكيات في حي الجبل الذي اصبح يحمل اسم جبل معلول، ترعرع سليم على واقع هذه المأساة ورضع مرها وتغذى بها روحيا، فليس صدفة ان يخرج منها كالمارد لينتفض ويقاوم  سياسة الهزيمة والذل التي سعت الصهيونية مرتكزة على معاونيها من بيننا الى زرعها في نفوسنا للتعايش معها وقبولها كأنها قدر لنا مكتوب على جباهنا، التقيت مع سليم في المدرسة الابتدائية (الحديقة) منذ الصف الخامس حتى الثامن، حيث جمعتنا سوية روح الثورة على الواقع المرير وأفكار مقاومة الظلم والتدجين، ليس غريبا على سليم أن يتربى على هذه الخصال، لأنه نشأ في بيت دافع عن الحق وقاوم الظلم وعشق الحرية والكرامة، كان أخوه حسني مع غسان أبو النصر ينقلون لنا جريدة الاتحاد لنوصلها الى احد المعلمين فكان يتلقفها منا سرا  (لأنه لو كشفوا معه الاتحاد لفصلوه من العمل فورا) لذا كان يسترها داخل ثيابه في عبه الى حين الفرصة ليخرج الى الحرش المجاور للمدرسة ويقرأها هناك..
على الرغم من ان سليم كان صغير السن الا أنه منذ نعومة أظفاره حمل هموم شعبه  فكانت خطوتنا الأولى، الاحتجاج على العدوان الثلاثي على مصر سنة1956 الا ان الاحتجاج لم يخرج الى النور وبقي محصورا بين ثلاثتنا، اما الاحتجاج على فصل المربي ابن المجيدل والساكن في يافة الناصرة (عيسى اسعد لوباني) الذي كتب قصائد يفضح فيها سياسة التهجير وهدم البيوت واخفاء معالم قرانا المدمرة، فقمنا، عايدة أبو النصر (التي هاجرت الى لبنان فيما بعد) وانا وسليم الديب بتوجيه من حسني الديب وغسان أبو النصر بجمع تواقيع من الطلاب مطالبين بإعادة المربي الى سلك التعليم، وقفنا هذه المرة بقوة ورفضنا سحب التواقيع على الرغم من تهديدنا بالفصل من المدرسة وكان سليم في مقدمتنا. كان سليم (أبو الديب) فعالا ونشيطا في كل المجالات، المجالات الثقافية والرياضية، فكان فعالا في دعم وتقوية فريق الشبيبة لكرة القدم وكان ركنا من اركانه وترجم حبه هذا عندما عمل مسؤولا عن ملعب القرية مؤخرا. مع انغماسه في قضايا شعبه ومشاكل الحياة المتشعبة الا ان حبه لمسقط رأسه ولملعب طفولته، غرس فيه الرغبة الدائمة والانخراط في الدفاع عن حق العودة والتواصل مع ذاكرة الوطن والمحافظة على التراث لتعشش في الذاكرة والمحافظة على معالمها وآثارها.
قمنا أعضاء الشبيبة الشيوعية بنشاطات عديدة وبأعمال تطوعية اعد لها سليم مع اترابه من أبناء معلول، أزلنا الأعشاب واعدنا هيكلة قبور الآباء والاجداد ونظفنا الأماكن المقدسة من الاوساخ المتراكمة، لأن السلطات سمحت لأصحاب المواشي باستعمالها مراعي ومبيتا لمواشيهم وحددنا معالم البيوت اعتمادا على إرشادات حافظ ذاكرة معلول، جاد سابا سالم (أبو سابا) الذي يحفظ الأرض شبرا شبرا. كنت يا سليم الوفي والمخلص لأفكارك ومبادئك  فأحببت الاتحاد السوفييتي بلد الاشتراكية كما احبك السوفييت انفسهم فكنت النشيط في حركة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي برفقة رفيقيك زهير قاسم مغامسة ونواف ديب سرحان، وواظبت سنويا علي احياء يوم النصر على النازية في غابة الجيش الأحمر صانع النصر، كما أصبحت وفيا للشعب الكوبي البطل ولم تترك مناسبة الا وحملت العلم الكوبي، تقديرا منك لهذا الشعب الذي صمد وتحرر والذي ارتقى من الظلمات وغياهب القهر الى شمس الحرية، وبنى صرح الحضارة والعدالة والتطور وسط قارة حالكة مظلمة، كنت صادقا مع مبادئك الأممية حيث بنيت صداقات وعلاقات عديدة، ففي كل بلد لك محبون وأصدقاء ومعارف يهودا وعربا فكان لك في كل بلد صديق وفي كل بقعة معارف وفي كل ميدان اثر.
تنقلت في اعمال كثيرة لتوفر الغذاء والمسكن والكساء لعائلتك وكنت نشيطا ومحبوبا عند كل من تعاملت معهم لصدقك واخلاصك حتى استقر بك المطاف لتعمل في قسم الرياضة في المجلس المحلي هذا المجال الذي ابدعت فيه وبرزت اكثر عندما انتقلت الى قسم الخدمات فهناك جسدت ايمانك العميق بمبادئك وطريقك، فبعملك الدؤوب المتواصل لتحقيق الكرامة والخدمات لبلدك فلم تترك مكانا يمكنك من خلاله مساعدة الناس الا وكنت سباقا لتلبية حاجاتهم ، لذا يشهد لك عملك حيث كنت تستقبل الناس  ولا ترد سائلا خائبا، بل تلبي طلبات الجميع من خلال اقتناعك العميق بان لهم الحق، وصاحب الحق يجب ان يحصل عليه. كما يشهد الناس بتواصلك معهم واهتمامك بقضاياهم، والسعي المتواصل لحل كل مشاكلهم، ولا يهدأ لك بال ولا يستكين لك حال الا اذا تحقق هذا المطلب أو ذاك، والا اذا وفيت بوعدك وبررت بعهد قطعته على نفسك. بهذا كنت يا أبا الديب وتكون ابدا قدوة ورمزا لكل موظف وعامل ومسؤول او مؤتمن على مقدرات الناس حيث من واجبه ان يكون مثلك. كنت تقوم بواجبك خير قيام وتهتم بشؤون شعبك وتحقق المطالب التي في المستطاع ولم تتوانَ للحظة عن القيام بواجبك فكنت الصادق الأمين لذا بادلك الناس الحب وخلدوا ذكراك لتكون عطرة وتبقى في عقول وقلوب أبناء شعبنا ومحفورة على صدر الزمن.



(يافة الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

والله جماعتنا ملاح يابا عملولي لفتة نظر

featured

الفضائيات الدينية بين تشدّد الخطاب وخدمة الأنظمة

featured

"روحية ادريس"

featured

من السجن إلى المعتقل، بلا محاكمة أو تفسير

featured

كفر كنّا / قانا الجليل - أبو سنان

featured

نحب الكرمل ونكره مغتصبيه

featured

مهما راوغتم .. لن يمرّ!

featured

فلسطين والشرق الأوسط في الانتخابات الرئاسية في فرنسا