- منذ أكثر من شهر وبالتحديد منذ بداية شهر آذار من هذا العام ، بدأت الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا. والسؤال هو: ما هي القوى السياسية على الساحة ومن يقودها؟ ما هي مواقف أهم هذه القوى السياسية وماذا تقترح فيما يخص القضية الفلسطينية
//
تكمن أهمية الانتخابات في فرنسا بعلاقة فرنسا ودورها الهام في أوروبا ونفوذ سياسة فرنسا على القارة الأوروبية. وأيضًا لأن فرنسا منذ عدة عقود في موقع قيادي وهي المبادر في القضايا الاقتصادية والسياسية.
رغم الدور الألماني والذي أصبح أساسيًا منذ عدة سنوات في أوروبا فما زالت فرنسا تتمتع بدور ونفوذ كبيرين في الاتحاد الأوروبي. ومن المعروف أيضًا ان الاتحاد الأوروبي له كلمة وموقف يختلف عن المواقف الأمريكية بشكل عام بخصوص الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية.
وخلافًا لأمريكا فالاتحاد الأوروبي – بشكل عام – ليس له دعم غير مشروط تجاه إسرائيل. ضمن هذا الإطار الأوروبي تلعب فرنسا دورًا هامًا متميزًا في السياسة الأوروبية الخارجية.. هذا ما كان خلال عدة عقود مضت باستثناء الحكومة الحالية والرئيس ساركوزي وذلك منذ وصوله إلى الحكم عام 2007. وقد تميز ساركوزي بسياسة الدعم غير المشروط لإسرائيل.
منذ أكثر من شهر وبالتحديد منذ بداية شهر آذار من هذا العام ، بدأت الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا. والسؤال هو: ما هي القوى السياسية على الساحة ومن يقودها؟ ما هي مواقف أهم هذه القوى السياسية وماذا تقترح فيما يخص القضية الفلسطينية.
كيف تتميز هذه الأحزاب والقوى السياسية عن بعضها وهل لها موقف واضح ومتميز تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي؟
- *الأحزاب السياسة الرئيسية في فرنسا*
* أحزاب اليمين:
توحدت هذه الأحزاب كلها – تقريبا - تحت اسم u.m.p. أي اتحاد الأغلبية الرئاسية والذي تأسس في عام 2007 بقيادة نيكولا ساركوزي وهذه القوى اليمينية (خمسة أحزاب) كسبت الانتخابات الرئاسية عام 2007 ولا زالت تحكم حتى الآن.
علينا ان نتوقف لحظة لنذكَّر ان السياسة الخارجية الفرنسية منذ عهد شارك ديغول كانت مغايرة للسياسة الأمريكية وكانت مواقفها العامة مستقلة.
عند وصول نيكولا ساركوزي إلى الحكم وتولِّيه السلطة بعد جاك شيراك، جعل سياسة فرنسا مرتبطة بسياسة أمريكا. وهذا يعتبر تحولا حاسما في سياسة فرنسا.
ومثالا على ذلك انه خلال حكم شيراك الديغولي كانت سياسة فرنسا عدم المشاركة في الاتحاد الأطلسي والذي تقوده أمريكا من ناحية، ومن ناحية أخرى أكد شيراك على إبقاء فرنسا بعيدة عن التذيّل الأمريكي وذلك بدعمه للبلدان العربية وخاصة القضية الفلسطينية. بينما جاءت مواقف ساركوزي على العكس تمامًا.
حتى الآن – لا يوجد لهذه الاحزاب برنامج رسمي. برامجها تُصاغ – تقريبًا – كل يوم وتتغير حسب الظروف الداخلية والخارجية. لكن ما وجدناه على موقع المرشح – الرئيس ساركوزي هو كالتالي: "الاعتراف بدولة فلسطين قابلة للعيش مع إسرائيل"، "تعزيز التعاون في إطار شراكة متميزة بين أوروبا والبلدان المتوسطية وبلدان المنطقة وفي الدرجة الأولى إسرائيل". اليمين يدخل الانتخابات الرئاسية "بدون برنامج" لكن عنده فقط مرشح وهذا الأخير يقرر ما يريد.
* أحزاب اليسار:
لمحة تاريخية: منذ بداية القرن العشرين الماضي وفي العشرينيات منه – انقسم اليسار الفرنسي إلى فرعين رئيسيين. الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي. وقع هذا الانقسام في عام 1920 في مؤتمر تور وهي المدينة التي أقيم فيها منذ سنين عديدة. كان سبب هذا الانقسام هو الموقف من سياسة لينين في روسيا والتي دعمها الشيوعيون وانفصلوا عن الأمميّة الاشتراكية التي كانت – في تلك الفترة – غير راضية عن لينين.
* الحزب الاشتراكي: مرشح هذا الحزب هو فرانسوا هولند . في برنامجه بعنوان "التغيير الآن" جاء: "سأتخذ مبادرات من اجل مفاوضات جديدة لدعم السلام والأمن بين إسرائيل وفلسطين. سأدعم الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية".
هذه هي المرة الأولى التي نجد فيها موقفًا واضحًا للحزب الاشتراكي. فقد كان سابقًا الموقف الرسمي لهذا الحزب هو الدعم اللامشروط لإسرائيل بشكل أساسي، وثانويًا كان دعم القضية العادلة لفلسطين، وكان الحرص على امن إسرائيل أهم النقاط التي كانت تُطرح سابقًا.
إذًا هناك تطور جديد وتفسيره هو التالي: ان عددًا من النواب الاشتراكيين والعدد كان مهمًا، وقعوا على عريضة تدعم الاعتراف بدولة فلسطينية في الفترة السابقة، أي منذ عدة شهور عندما طُرحت قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الاونيسكو والأمم المتحدة.
على الرغم من ذلك ينقص الموقف الاشتراكي لفرنسوا هولاند هو انه لم يحدد ويقل ضمن أي حدود ستكون هذه الدولة الفلسطينية؟ وهل ستكون هذه الدولة خالية من المستوطنات؟ ماذا يعني بتلك المفاوضات الجديدة والكل يعرف فشل المفاوضات السابقة وأسبابها. حتى ان الرئيس اوباما لم يكن أكثر حظًا من كلينتون. فهل يعتقد هولاند بأنه اقدر وأقوى من اوباما.
* جبهة اليسار: يقودها السيناتور جان لوك ميلتشون. هذه الجبهة مشكلة من حزبين، الحزب الشيوعي الفرنسي "وحزب اليسار". لكن الأكثرية هي من الحزب الشيوعي، لكن جان لوك ميلتشون كان سابقًا في الحزب الاشتراكي وانفصل عنه مع العديد من الاشخاص وأسس مع الحزب الشيوعي جبهة اليسار وكان قد أسس قبل ذلك "حزب اليسار". في برنامج جبهة اليسار يمكن قراءة ما يلي فيما يخص القضية الفلسطينية:
"سنناضل من اجل تكريس الحق الدولي وخاصة من اجل سيادة الشعب الفلسطيني وحقه بدولة قابلة للعيش ضمن حدود 1967، مع القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين واحترام حق العودة للاجئين. دولة فلسطينية بجانب إسرائيل متعايشة بشكل سلمي حسب قرارات الأمم المتحدة".
يمكننا ان نعتبر هذا الموقف من أكثر المواقف الجريئة والمتطورة وأكثرها وضوحًا في الرؤية والتي تتناسب مع مطالب الشعب الفلسطيني.
* أحزاب الوسط:
ممثلة في الـ Modem وتعني الحركة الديمقراطية ويمثلها حاليًا فرانسوا بايرو. ماذا يقول فرانسوا بايرو عن فلسطين وقضية الصراع الإسرائيلي – العربي... لا شيء حتى الآن. القراءة في برنامجه بالنسبة إلى السياسة الخارجية هي كالتالي: "سنناضل من اجل ان تكون إفريقيا لها الأولوية وذلك عبر الاستثمار الأوروبي".
* أحزاب أقصى اليسار:
وهي متعددة وتقريبًا هامشية. نذكر منها "العصبة الشيوعية الثورية" ويقود اللائحة فيليب بوتو. وهو تنظيم تروتسكي وليس الوحيد.. فهناك أيضًا تنظيم آخر اسمه "نضال العمال" وتقود حملته امرأة اسمها نتالي ارتو.هذان الحزبان لهما مواقف أيضًا متقدمة وداعية لدعم الشعب الفلسطيني. لكن ليس لها وزن سياسي في فرنسا.
* حزب الخضر:
ومرشحته هي ايفا جولي. وهو حزب يجمع الكثير من أعضائه فكرة تغيير المجتمع وبشكل جذري. نمط الإنتاج، نمط العلاقات الاجتماعية وذلك عبر الإيقاف التدريجي للطاقة النووية واستبدالها بطاقة أخرى غير مضرة وهي الطاقة الطبيعية.
أتوا بأفكار جديدة أعجب بها الجمهور الفرنسي والأوروبي في السنوات الأخيرة حيث أصبح لهم ممثلون في البرلمان الأوروبي وممثلون في المحافظات في فرنسا.
أما الآن فهم في تراجع بالنسبة للرأي العام والذي لم يعد يجد فيهم حلولا يتحمسون لها.
بشكل عام موقفهم من الشعب الفلسطيني كان موقفًا داعمًا لكن في برنامجهم الحالي لا يتطرقون لهذه القضية. البرنامج يتطرق للسياسة الخارجية في جملة واحدة يقول فيها: "نقترح ان تكون السياسة الخارجية مرتبطة بالبرلمان وليس برئيس الدولة" كما هو الحال الآن.
* حزب "الجبهة الوطنية":
تقوده منذ عام تقريبًا مارين لوبين وقبلها كان يقوده منذ السبعينيات من القرن الماضي والدها جان ماري لوبين. هذا الحزب يعتبر من أقصى اليمين وهو حزب عنصري معاد للأجانب وخاصة العرب المقيمين في فرنسا.
والأمثلة على ذلك عديدة ففي حالة انتخابها لرئاسة فرنسا فهي تقترح طرد الأجانب الذين لا يعملون وطرد آخرين ولو كان عندهم الجنسية الفرنسية إذا ثبت أنهم ارتكبوا جنحة أو جريمة ما. هل يطرد فرنسي من بلده في حال ارتكاب جنحة؟ وهذا يعتبر مخالفا للقانون. الفرنسي يحاكم كفرنسي وليس حسب جنسيته السابقة وبالمختصر المفيد تقترح مارين لوبين تغيير القوانين الحالية لتصبح قوانين مجحفة بحق الأجانب أو الفرنسيين من أصل أجنبي.
* مرشحون آخرون:
هناك أيضًا مرشحون آخرون مثلا: جاك شميناد، نيكولا سانت انيان وهما مرشحان هامشيان جدًا. وكل واحد منهما لا يمثل أكثر من 0,5% من الأصوات. ولقلة الوزن لا نستطيع التصدي لهؤلاء ويبدو انه ليس هناك تطرق لهذا الموضوع - اقصد السياسة الخارجية.
- *ميكانيكية الانتخابات الفرنسية*
الشرط الرئيسي للترشح هو ان يحصل كل مرشح على 500 توقيع من محافظي المدن صغيرة كانت أم كبيرة، وهذا ليس سهلا. وذلك انه حين الحصول على التواقيع يجب ان تسجل في المجلس المؤسسي للدولة، وبناء على ذلك يحصل على ميزانية من الدولة لخوض الانتخابات. وتدور الانتخابات في دورتين: الأولى في 22 نيسان والثانية في 6 أيار.
الجولة الأولى: يدخلها 10 مرشحين صغارًا وكبارًا وذكرنا أهم هؤلاء سابقًا.
في نهاية الجولة الأولى المرشحان الحاصلان على اكبر عدد من الأصوات سيدخلان الجولة الثانية.
الجولة الثانية: فيها اثنان فقط والذي يحصل على اكبر عدد من الأصوات أي الأغلبية أكثر من 50% سيكون هو الرئيس القادم لفرنسا ولمدة خمس سنوات.
- *القضايا الرئيسية والأساسية التي تشغل فكر الجميع في فرنسا *
1. البطالة: وعدد العاطلين عن العمل يتجاوز الـ 4 ملايين.
2. القدرة الشرائية: وهي نتيجة للعامل الأول ونتيجة لقلة المال وارتفاع مستوى المعيشة.
3. المساواة: هناك عدم مساواة في الرواتب، في العمل الخ...
4. الصحة العامة: نسبة الفرنسيين الذين لا يتعالجون ولا يذهبون إلى الطبيب تقدر بأكثر من 20% والسبب هو ارتفاع ثمن الأدوية وأجرة الأطباء المختصين والسبب الآخر هو انهيار قيمة ونسبة التعويض في مجال التأمين الصحي في السنوات الأخيرة.
ضمن هذا السياق كان من المفروض ان تحمل الحملة الانتخابية هموم الناس وتطرح لهم حلولا واضحة. ما يحدث الآن ومنذ البداية "الحملة الانتخابية تبدو كمعركة أرقام وخبراء". كما تقول صحيفة اللوموند في 19/3 وتضيف: "لم يعرف تاريخ الانتخابات الرئاسية الفرنسية برامج تحمل أرقاما بهذه الدقة". أغلبية المرشحين يبحثون بالدرجة الأولى عن حل أزمة الرأسمالية وكيفية سد الديون التي تتراكم كل شهر وبشكل مخيف. وكمثال على ذلك تدفع فرنسا كل سنة ما لا يقل عن 49 مليارًا للفوائد المتراكمة.
في هذا الوضع المتأزم لا يستطيع أي مرشح طرح برنامج "إصلاحات" وبكلفة كبيرة. وهذا يعني ان الإصلاحات تبدو شبه مستحيلة وذلك بسبب الديون الباهظة، والاستثناء الوحيد بين كل المرشحين هو "جبهة اليسار" وتطرح بشكل واضح حلولا مكلفة وجريئة وذلك بإجبار المصانع الرأسمالية الكبيرة ورأس المال النقدي على دفع ضرائب كبيرة لان مكاسبها كل سنة تراوح بين 15 و 25 مليارًا سنويًا. مثال على ذلك أرباح بنك B.N.P وأرباح شركة البترول "توتال".
في وضع اقتصادي واجتماعي شبه مغلق وصعب كل جهود المرشحين تنصب فقط على الشؤون الداخلية، والسياسة الخارجية تبدو وكأنها غائبة وربما أكثر من ذلك. خلال أكثر من شهر لم يتحدث أي مرشح عن السياسة الخارجية لفرنسا في حال انتخابه.
نجد بعض المؤشرات في البرامج لثلاثة مرشحين فقط. لكن على شاشات التلفزيون وعلى محطات الراديو لا احد يتحدث عن السياسة الخارجية لفرنسا. وهذه الظاهرة حديثة في فرنسا. تاريخيًا ومنذ عهد شارل ديغول كل السياسيين كانوا يتفاخرون بسياستهم الخارجية. هذا المنعطف التاريخي نشاهده اليوم ويمكن اعتباره مؤسفًا جدًّا.
- *المنعطف التاريخي وغياب العالم في السياسة الخارجية*
وهذا ما يسميه الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبري "بالنسيان المغلق للعالم". وكان هذا عنوان مقاله في جريدة "اللوموند" في تاريخ 16.3.2012. ويقول بهذا الصدد "ان السياسة الخارجية هي الغائب الكبير وعلى اليسار ان ينتهز الفرصة ليطرح رؤيته للعالم أمام الاطلنتية والأوروبية. ويفسر ذلك بوقوف أوروبا في صف أمريكا وانحيازها بشكل يضيع منها سيادة القرار".
ويؤكد ان "هذا الانزلاق يؤدي إلى كوارث يمكن تجنبها" والسبب الآخر هو الليبرالية التي تدخل اللعبة كالمدحلة وذلك ما يدفع الجميع بالركض "كل واحد لنفسه" ويزيد أيضًا بان "السياسيين في أوروبا الآن أصبح لهم دور ثانوي جدًا أو على الأقل هامشي".
وينهي مقالته بأن "الدبلوماسية أصبحت بدون عقل" هي دبلوماسية اللحظة أو متأخرة عن حركة التاريخ" ويكتب الفيلسوف الفرنسي اندري جلكسمان في نفس صحيفة "اللوموند" بتاريخ 17.3.2012 ويقول "وكأن الانتخابات الرئاسية تُلعب في دائرة مغلقة" ويصف فرنسا كقلعة محاصَرة أبوابا ونوافذ مغلقة وينعتها "فرنسا المطوية". وينهي المقالة بوصف مخيف "الحملة الانتخابية في سُبات".
ما هي نتائج "الغياب المقلق" في السياسة الخارجية لفرنسا والتداعيات على القضية الفلسطينية.
هذا الوضع الحالي على صعيد السياسة هو الإنتاج المادي الملموس للفترة السياسية السابقة والتي استمرت خمس سنوات تحت حكم نيكولا ساركوزي.
هذه الفترة تميزت بعودة فرنسا إلى الاتحاد الأطلنطي ومشاركتها مع أمريكا في حرب أفغانستان وهناك أمثلة أخرى، الموقف من القضية الفلسطينية والذي كان أيضًا مشابهًا للسياسة الأمريكية.. وبالمختصر المفيد كل هذا يعني ان المنعطف التاريخي لفرنسا تم منذ خمس سنوات ويدل ان السياسة الخارجية لفرنسا أصبحت شبه غائبة وهي متذيلة وتابعة. إذًا انتهى عصر السياسة المستقلة والجريئة والتي اعتاد عليها العالم منذ ديغول، جيسكار دي ستان، فرانسوا ميتران وجاك شيراك. وذلك سيضر، بالمعنى البسيط، بالدولة والشعب وكل الشعوب الأخرى والتي تتأمل دعمًا من أوروبا بما يخص مستقبلها.
المشكلة تكمن في الجغرافية العالمية والممثلة بـ 195 دولة "تختزل بصوتين برلين وواشنطن".
- * التوقعات المستقبلية للانتخابات الفرنسية
كل الدراسات الميدانية تُشير إلى ان ساركوزي وهولاند سينجحان في الدورة الأولى. أما في الدورة الثانية ستكون المواجهة حاسمة بين ممثل اليمين ساركوزي وممثل اليسار هولاند. وكما لاحظنا في البرامج السياسية للاثنين ان الأول هو موالٍ تمامًا لأمريكا وإسرائيل أما الثاني فهو يدعو إلى موقف "شبه مستقل". لكن كما ذكرنا سابقًا انه يدعو إلى مفاوضات جديدة وسيدعم الاعتراف بدولة فلسطينية.
فيما يخص المرشح جان لوك ميلنشون فهو يدعو إلى اعتراف بلدولة الفلسطينية في حدود عام 1967 وان عاصمة فلسطين هي القدس الشرقية مع تطبيق قرارات الأمم المتحدة بما فيها "حق العودة". وكما ترون ان هذا الموقف هو الأكثر تطورًا ويأخذ فعلا بعين الاعتبار حقوق الشعب الفلسطيني.
لكن كيف ستترجم هذه المواقف على ارض الواقع؟
حسب الإحصائيات والدراسات الميدانية الأخيرة بتاريخ 2 نيسان "الجولة الثانية" ستكون النتائج فيها، حسب التوقعات كالتالي: 54% هولاند و46% لساركوزي.
حسب التوقعات الأخيرة للجولة الأولى مرشح "جبهة اليسار" والقوة الأكبر فيها هي قوة الحزب الشيوعي الفرنسي سيحصل على 15% من الأصوات. والسؤال هو كالتالي: هل ستشارك "جبهة اليسار" في الحكومة القادمة؟ وماذا سيكون دور جبهة اليسار فيما بعد؟
هل سيأخذ هولاند بعين الاعتبار مواقف "جبهة اليسار" وخاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية؟ لا يوجد أي تصريح حتى الآن بهذا الخصوص.
إن هولاند في حال دخوله إلى الجولة الثانية ضد ساركوزي سيكون بحاجة إلى أصوات الجبهة وميلنشون. فكيف ستتم عملية التفاوض بين الحزبين؟ لا يمكن لهولاند النجاح بدون أصوات "جبهة اليسار" وهي بموقع قوة. لكن ماذا ستكون شروط الجبهة؟ هذا لا نعلم عنه شيئا الآن، ربما بين الجولتين أو ربما بعد انتهاء الجولة الثانية.
- *التصويت السياسي والأحزاب والطبقات الاجتماعية*
يقول كارل ماركس في كتاب صراع الطبقات في فرنسا ان "الصراعات السياسية بين الطبقات الاجتماعية المشاركة في التطور الاقتصادي تُظهر ان الأحزاب السياسية هي التعبير السياسي لهذه الطبقات". من هذا المنطلق المنهجي سنتحدث عن الأحزاب والقوى السياسية في فرنسا خلال الحملة الانتخابية الرئاسية.
من وجهة النظر الماركسية يمكننا ان نصنف "تقريبًا" مدى تمثيلية الأحزاب والطبقات التي تصوت لها عادة بشكل عام دون الدخول في التفاصيل لأن ذلك ليس هو الموضوع الأساسي.
نيكولا ساركوزي: منذ انتخابات عام 2007 صوت له عدد كبير من الطبقة العاملة ومن الطبقات المتوسطة رغم انه من الطبقة البرجوازية في حقل الإنتاج وأيضًا البرجوازية المالية (أو النقدية) واللتين كلاهما دعمتا ساركوزي عام 2007 ونجاحه في الانتخابات. وساركوزي يمثل "حزب اتحاد الأغلبية الرئاسية (مجموعة من أحزاب اليمين).
فرانسوا هولاند: "نظريًا" يريد ان يمثل الطبقات الشعبية لكن "موضوعيًا" تصوت له الطبقات المتوسطة وقليل من الطبقة العاملة وبعض أجزاء الطبقة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، وهولاند يمثل الحزب الاشتراكي.
جان لوك ميلنشون: يحمل هموم الطبقات الشعبية. وهذه الأخيرة جزء كبير منها يصوت له لكن أقل من أصوات الطبقات المتوسطة والبرجوازية الصغيرة ويمثل ميلنشون "جبهة اليسار".
فرانسوا بايرو: تصوت له الطبقات المتوسطة على الغالب وخاصة فروع منها كاثوليكية وعدد قليل جدًا من الطبقات الشعبية والبرجوازية الصغيرة. ويمثل بايرو حزب الوسط.
مارين لوبين: وتمثل "الجبهة الوطنية" وليس لها من الوطنية إلا الاسم. فهو حزب من أقصى اليمين ومعاد للعرب والأجانب أي حزب عنصري يصوت له جزء من الطبقات العمالية (وهنا ما يدعو إلى الاستغراب، فعندما نتكلم هنا عن الطبقة العاملة نتحدث عن موقفها السياسي الذي ينعكس في صناديق الاقتراع). إضافة إلى ذلك جزء من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة.
أما بقية الأحزاب الأخرى من أقصى اليسار والخضر وهي قوى تهمشت في الفترة الأخيرة – منذ أربع سنوات – وتمثل كلها مجتمعة 4% من الأصوات.
لكن المهم في هذا المدخل هو ان التعبير السياسي لكل حزب وكل طبقة ليس ميكانيكيًا. المقصود ان أصوات الطبقات العاملة والشعبية لا تذهب كلها للأحزاب اليسارية وان الطبقات البرجوازية المتوسطة والصغيرة لا تصوت كلها لليمين. هذه الطبقات الأخيرة تراوح وتتغير مواقفها حسب "خطاب" أو برنامج الحزب وحسب اللحظة وهي طبقات كما يقال متذبذبة لذلك في كل انتخابات جديدة لها مواقف متغيرة وهذا ما يجعل وما يخلق دائمًا "مفاجئات" في نتائج الانتخابات. والتفسير لذلك هو ان التركيبة الطبقية منذ عشر سنوات في تغير كبير. الأغنياء أصبحوا أكثر غنى والفقراء أصبحوا أكثر فقرًا وذلك في بلد يعتبر من البلاد الغنية.
في التفسير للتركيبة الطبقية هو ان الطبقات المتوسطة وجزءا منها صارت اليوم اقرب من السابق للطبقات الشعبية وهذا أيضًا ينطبق على البرجوازية الصغيرة، ورافق هذا التغير انعطاف أيديولوجي.
حسب كل المعلقين السياسيين في الصحف والتلفزيون في فرنسا ان الحملة الانتخابية الفرنسية رديئة تفتقر إلى النظرة المستقبلية والى الأمل، لأنها أيضًا لا تعبر عن هموم ومشاكل كل الشعب كما ذكرنا سابقًا.
الشخصية الوحيدة البارزة في هذه الانتخابات هي شخصية جان لوك ميلنشون والذي كانت الدراسات تتوقع له 7% من الأصوات منذ شهرين أما الآن فالتوقع هو 15% وربما سيكون أكثر.
ومن أطروحات ميلنشون نذكر بعضها:
1.العدالة الاجتماعية 2. رفع الرواتب لكل العاملين من الطبقات الشعبية. 3. إرغام كل الشركات الرأسمالية والتي تجني أرباحًا كبيرة بدفع ضرائب للمصلحة العامة.. الخ. وهذا التوجه الاجتماعي والارتباط بهموم الطبقات الشعبية ما يفسر الشعبية الكبيرة لجبهة اليسار. واذكر ان 8 ملايين فرنسي يعيشون تحت خط الفقر.
بعد أيام قليلة ستبدأ انتخابات الدورة الأولى في 22 نيسان وبعدها الجولة الثانية في 6 أيار إذا لهذه المقالة بقية.
ما هي التحديات الفرنسية العاجلة على صعيد السياسة الخارجية.
التحديات التي تواجه فرنسا مثيلة بقية التحديات الأوروبية. الرئيس المنتخب سيجد، مثله مثل بقية الزعماء الاوروبيين على الساحة العالمية وسنذكر أهمها:
1. قضايا الأمن الداخلي والعالمي وقضايا الدفاع. قمة المجموعة الـ 8 ستنعقد في 18-19 أيار في كامب ديفيد بأمريكا وسيتلو ذلك قمة الـ OTAN في 20-21 في شيكاغو.
2. قضية الانسحاب من أفغانستان وتمويل القوى العسكرية في هذا البلد إلى بعد عام 2014 ستكون على الطاولة. فرانسوا هولاند وعد في برنامجه انسحاب القوات الفرنسية وكل الحلفاء الأوروبيين والأمريكيين لا ينظرون إلى ذلك بعين الرضا.
3. التراجيديا السورية هل ستبقى القوى العالمية بدون إجابة حقيقية للوضع المأساوي. لا يوجد حتى الآن اتفاق على أي شيء بل هناك خلاف بين الجميع.
4. قضية ما يسمى بالسلاح النووي الإيراني ستكون موضع انشغال الجميع. هل سينجح السيناريو الإسرائيلي بزج القوى الأوروبية والأمريكية في حرب نتائجها غير معروفة؟
5. العلاقة بين باريس وواشنطن هل ستتغير في حال وصول اليسار إلى السلطة في فرنسا.
6. الأزمة المالية التي أضعفت أوروبا ووحدتها بعد قرارات التقشف والتي يرفضها اليسار الفرنسي وأحزاب أوروبية أخرى (ايطاليا – اليونان – اسبانيا – البرتغال.. الخ).
7. العلاقة مع الدول العربية وخاصة مع دول الربيع العربي ووصول الإسلاميين إلى السلطة في تونس، مصر، ليبيا واليمن، سيجري حتمًا إعادة النظر في كل السياسات السابقة والقادمة.
8. قضية السلام في الشرق الأوسط والصراع الفلسطيني الإسرائيلي – العربي، ربما ستراوح أو تبقى بالانتظار - بين بين؟
من المحتمل جدًا ان تغيب كل مبادرات السلام الأمريكية واوباما على وشك التحضير للانتخابات القادمة في شهر تشرين الثاني – أما أوروبا أو الاتحاد الأوروبي وما تشكله من دول فغير متفقة على إنهاء الاحتلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة.
ضمن هذه الظروف فرنسا وأمريكا وأوروبا منشغلون بقضاياهم الداخلية وقضية الشرق الاوسط لا تشغلهم ما عدا إيران. أما فلسطين فأقولها وبكل أسف ومرارة لا تعتبر من الأولويات عندهم إلا في الخطاب. لكن رغم ذلك تبقى ورقة المبادرة السياسية في يد الفلسطينيين وحدهم مع الدعم العربي الممكن.
السلام في الشرق الأوسط وقضية فلسطين بالتحديد تلزم وجود استراتيجية فلسطينية وعربية في هذا الوقت العصيب، ويجب ان تكون واضحة على المدى القريب والبعيد، لان الأمل يجب ان يبقى ليعيش الأمل والسلام.
(كاتب فلسطيني مقيم في فرنسا)
