كنت اتمنى أن يجف الحبر في قلمي قبل أن تفجعني الأيام برحيل أخ وصديق ورفيق درب، لكن من أنا؟ وبأي حق أستطيع أن اغير مسار هذا الكون وحتمية القدر الذي كان وسيظل أقوى منا جميعًا حتى تتغير طبيعة هذا الكون..!
وسلاحنا الوحيد في مواجهة المصائب والألم.. الألم المر والدموع، الدموع التي ربما رأى البعض فيها نقطة ضعف ولكنها الوسيلة الوحيدة التي من الممكن ان تفرغ اللوعة وهي غريزة انسانية خلقت منذ الأزل ولن تنضب ما زال هناك انسان يدب على وجه هذه الأرض..
لا ابالغ يا أخي وحبيبي "ابو نايف" اذا أفشيت لك سرًّا أخفيته في داخلي فترة طويلة، فمنذ أن تمكن منك هذا الوباء اللعين.. كنت دائما أهرب من مواجهة الحقيقة قدر المستطاع واحاول أن لا أنظر الى عينيك لكي أتعامل مع الأمر بصورة اعتيادية.. ولكني لم أتمالك نفسي ووقع المحظور. منذ فترة قصيرة قبل رحيلك، حين أوصلتك الى البيت بعد أن كنت تشارك جيراننا فرحهم، كعادتك.. حتى وأنت في حضرة الموت، الألم والمعاناة، أرحتك على مقعدك المفضل في الزاوية المعهودة تمددت على مقعدك وطلبت مني أن أعود لكي اشارك جيراننا فرحهم.. ولاحظت دموعًا تنهمر خلف نظارتك، انسحبت من أمامك لم أتمالك نفسي، فبكيت.. بكيت حتى ارتوت جوانحي وتيقنت حين ذلك بأن الأمور قد أصبحت في لحظة اللاعودة وملاك الموت قاب قوسين او ادنى!
فالأشجار يا صديقي تموت واقفة وكذلك يبكي الرجال على الرجال فانت يا أخي لست بقائد يجلس خلف مكتبه او زعيمًا يأمر فيطاع، بل أنت قائد ينطلق من القاعدة مجبول بهموم الناس، أفراحها وآلامها.. يتألم لويلات شعبه ومعاناته أمام مسلسل القتل والتدمير في هذا الزمان العربي الرديء وهذه ( الحملة المغولية) ولكنها حلقات متواصلة هدفها شعبنا الفلسطيني ومأساته المتعاقبة منذ النكبة حتى الآن..
فالقائد هو الذي ينطلق من القاعدة الأساسية من بيته الصغير وعائلته وحارته وبلده وشعبه والانسانية جمعاء. كل الانسانية المعذبة والمقهورة. وأنت دائما يا عزيزي ومنذ أن تفتحت أعيننا على هذا العالم الواسع دائمًا في الخندق الأمامي ويشهد على ذلك أهلك وجيرانك وكل بلدك على مختلف أحيائهم وطوائفهم وقد تجسد ذلك من خلال مشاركتهم لنا ومواساتهم أثناء الجنازة ومن خلال أيام الحداد والحزن.. بصماتك العميقة تركتها لنا واضحة مثل نور الشمس، فتركت لنا عائلة كريمة كما رسمتها أنت متجانسة متواضعة خلوقة تتفاعل مع أحاسيس الناس وهمومها تتطلع دائمًا الى الافضل من أجل مستقبل مشرق لنا جميعًا لكي نلتحم سوية مع عائلات شعبنا وطوائفه في سمفونية الخلود والحياة على أرض هذا الوطن العزيز.
لن أسهب كثيرًا واعدد مناقبك كما تعودنا دائمًا ولكن الصفات الانسانية التي خلقها الله هي انعكاس لمدى تفاعل هذه الصفات مع الواقع، والواقع يؤكد هذه الصفات.. فلا تقلق يا عزيزي نم قرير العينين هناك في عليائك تحت ملكوت السموات تحرسك العناية الالهية. وزادك هو ما غرسته هنا على هذه الأرض بين أبنائك وبلدك والانسانية جمعاء.. وكم نفتقد أمثالك في هذا الزمن القاتل. ولكن عهدًا أن تبقى شعلة النور التي اضأتها وهاجة في وجه العتمة وضد الظلم من أجل خلاص الانسانية المعذبة وعلى رأسها شعبنا الصابر وابدًا على هذه الطريق!
ابن عمك ورفيق دربك