*هذا المقال هو ردّ على مقال كتبه نداف شرغائي بعنوان "نعم للاستيطان
في يافا وعكا واللد والرملة" – هآرتس، 18.5.2009*
كمن تقطن وتعيش في مدينة "مختلطة"، في حي "الجيتو" داخل قلب البلدة القديمة في مدينة الرملة، وكمن تعمل منذ سنوات عديدة في موضوع المدن المختلطة ضمن مشروع "المدن المختلطة" التابع لـ "شتيل"، ارى من الصحيح الردّ على ما يحاول كاتب المقال اثباته، عن ضرورة وحاجة الاستيطان في يافا وعكا واللد والرملة كطريقة حلّ لأخطاء الهجرة في المدن المختلطة.
سوف اعرض هنا عددا من التساؤلات والاسئلة وموادا للتفكير التي تتبادر للذهن خلال قراءة المقال. وانا اعترف واقول ان هذه المهمة كلفتني الكثير من الجهد ومن تمالك النفس حيال الصياغات العنصرية المقشعرة للابدان، وحيال التحليل الترهيبي الذي اطلعنا عليه كاتب المقال المذكور.
وهنا يسأل السؤال، الى أي واقع يبغي كاتب المقال جرّنا؟ ألا تشكّل سياسية الاستيطان داخل الخط الاخضر نقضا لدولة ذات سيادة واستقلالية؟ ألم نتعلّم من التاريخ انّ التطلع الى محاربة الذاكرة الجماعية لدى الشعوب الأخرى هي حرب عبثية وخاسرة وان اسقاطاتها مدمرة؟ أين الحاجة في اثبات احتلال المدن المختلطة مرة أخرى؟ الم يعِ ان الطريق الوحيدة للحرية ولمستقبل صحي وآمن هي حتما من خلال التحرر من عبء الاحتلال ومن الهاجس الاستيطاني؟ الم نتعلم بما يكفي لندرك أن وهم انتصار المنطق العرقي الذي يحاول هو الوعظ به لا يحمل إلا الدمار لدعاته؟
الم يكن كافيا ان تتحول المدن التاريخية " المختلطة" اليوم، والتي كانت في الماضي مثالا لمدن المركز المزدهرة، الى ضواح نائية ومجمّع للاحياء المنكوبة بالفقر والاحباط كنتيجة للرعب الديموغرافي? ألم نستق العبر من الماضي بان "هندسة البشر" جلبت الدمار والخراب؟ ألم يكف المدن المختلطة ما عانته ومنذ قيام الدولة، من عملية تدمير ممنهج ومن محاولة محو لهويتها بسبب ذات الايديولوجيا وهاجس التهويد الذي يعظ به
الكاتب؟

لو قام كاتب المقال بالتعمق وبدارسة الموضوع بشكل صحفي وموضوعي محايد، كان لا بد له ان يكتشف ان السبب الرئيسي وراء قيام سكان المدن المختلطة اليهود ممن مكّنهم وضعهم الاقتصادي بتركها لصالح مدن اخرى، هو الواقع القاسي في احياء المدن المختلطة والاهمال اللاحق بها من قبل السلطات، مما أسكنهم الشعور
بان المؤسسة قد تخلت عنهم طوال السنين.
ان سكان المدن المختلطة عموما والسكان العرب فيها بشكل خاص منشغلون بهموم البقاء والتعامل مع عبء القرارات الاقتصادية التي "بُشّرنا" بها مؤخرا في اطار التقليصات الجارفة ضمن سياسة الحكومة الجديدة، والتي تمسّ بشكل صارخ خاصة بالشرائح السكانية المستضعفة في البلاد بشكل عام، وبسكان المدن المختلطة عربا ويهودا على حدّ سواء بشكل خاص.
ان الاقلية الفلسطينية العربية في اسرائيل التي تعيش في المدن المختلطة لا زالت ملاحقة وبشكل متواصل من خلال اوامر الهدم والاخلاء، ولا زالت تناضل نضالا يوميا من اجل المساواة والحق بضمان سقف يأويها، والحق
بالتعليم والعمل والتمثيل الملائم. ان احداث عكا الاخيرة تدقّ ناقوس الخطر إنذارا بإمكانية حدوث الانفجار الهائل في هذه المدن. ففي الفترات التي تسودها الحساسية السياسية والتوتر بين العرب واليهود في مختلف مناطق البلاد، من الملائم ان يتم استثمار الموارد والطاقات في التخطيط لاستغلال الامكانيات الكبيرة الكامنة في المدن المختلطة والبدء بالتعامل معها كذخر وليس كحمل ثقيل على الدولة ، خصوصا بسبب تركيبتها السكانية.
كمن ترعرعت في حي مختلط في الرملة، أبشّرك أن الرملة قد عرفت أياما أكثر طبيعية وانها ازدهرت بالفعل وبالأخص عندما كانت مدينة مختلطة، وبالذات في حي البلدة القديمة الذي احتفلنا به معا بالأفراح المشتركة والأعياد والعادات، وكبرنا مع شعور بالغنى الثقافي. هذا المشوار قد قطع مع الاسف بسبب نفس سياسة الفصل وبناء الجدران المادية والنفسية بين اليهود والعرب والتي اثبتت فشلها.
من المؤسف معرفة حقيقة أن العبرة لم تذوّت بعد، ولكني أعلن أن سكان المدن المختلطة يحلمون بالحياة معا في مدينة مزدهرة، وفي بيئة خصبة وصحية، يحلمون بمدينة تحترم وتتسع لجميع سكانها، من الذين يختارون خيار الحياة والبناء، ويرفضون على الملأ محاولات التحريض للهدم والدمار! حان الوقت لتغيير لهجة الحوار العنجهي والعنصري وتراشق التهم. فالتحدي أمام المجتمع الاسرائيلي برمّته هو بأن يعتمد حوارا يتسم بالحداثة المدنية، من أجل التطور الحقيقي والازدهار الذي يتلاءم مع القرن ال 21 ، العيش بكرامة وبالجيرة التي تحترم الآخر، المدينة التي تتسع للجميع، وتوفر العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وتضمن جودة الحياة، حرية التعبير،
السلام الحقيقي والمساواة. هذه هي القيم التي يجب وهناك حاجة لتطويرها، مقابل الترهيب والعنصرية ولغة الحوار المتعارف عليها – والتي نعرف جميعا نتائجها الوخيمة جيدا.
* كاتبة المقال مصممة معمارية وتعمل معدّة لمشروع المدن المختلطة التابع لجمعية "شتيل" - الرملة
