أقوى من النسيان

single

أيها البعيد عن عيوننا القريب في قلوبنا !
أيها الثائر المتمرّد على كل المسلَّمات !
أيها النسيب المفارقُ الى غير رجعة !
عشت حياتك مناضلا امميا ومكافحا ضد كل أشكال الظلم وملاحَقا سياسيا ولم تلن ولم تَحنِ هامتك لانك كنت اقوى من كل الملاحقات واقوى من ظلم الظالم، فلم تستسلم ولم تخضع لوعد او وعيد حتى بعد ان ابعدت جورًا عن سلك التعليم . فاتخذت لكل موقع جديد ، موقع المعلم في صفوف شبيبة الحزب الشيوعي وعملت محترفًا فكانت لك شخصيتك المميزة فأحبك الطلاب حيث علمت وتعلقوا بك محاولين اعادتك الى سلك التعليم . ولا انسى كيف كتب لك الطلاب على حجارة رصيف الشارع كلمات رقيقة مفادها : مع السلامة يا استاذ نمر مرقس ! لقد خسرناك ! فهل تعود الينا يوما ما؟!
هذه العبارة كانت عربونا صادقا عن محبتهم لك لانك كنت تعطي بغير حساب وتضحي بكل دقيقة من اجل تعليمهم وتربيتهم على المثل العليا التي كانوا يتشوقون لها .
ثم احترفت العمل كأي منظِّر ومُفكِّر في صفوف الحزب الشيوعي الاسرائيلي. عاصرت نكبة شعبنا عام 1948 وعايشت جماهير المشردين من القرى المجاورة لكفرياسيف فتركت هذه النكبة اثرًا عميقا في نفسك التواقة الى الحرية أبدًا.
وقد تجلى ذلك ادبا رفيعا في قصصك التي كنت تكتبها على صفحات الجديد ، الغد والاتحاد وهي صحافة الحزب الشيوعي الى جانب عشقك الكبير للموسيقى! 
كنت فنانا مطبوعا على الفن فتركت بصمتك في نفوس خلفك وهكذا لمع اسم الفنانة الملتزمة الكبيرة ابنتك أمل مرقس! فبات لها اسم عالمي في مجال الغناء الملتزم ولا تزال تعطي وتذهل جماهير سامعيها في كل ظهور لها على المسارح والمنابر .
عطاؤك فاق كل تصور ! لم تحفل بالمال ابدا بل كنت توزع راتبك كرئيس مجلس كفرياسيف المحلي طوال عشرين عاما على الفقراء والمحتاجين وعلى التبرعات لصحافة الحزب ونشاطات الحزب حتى اضطرك الامر الى بيع قسم من اراضيك التي ورثتها لتغطية نفقات وحاجة البيت، فالفقير كانت له مكانة خاصة في نفسك! تبنّيت كل فقيرٍ وفتحت بيتك لكل محتاج وجنًّدت قلمك كمنظِّر ومفكِّر في خدمة الكلمة والفكر الماركسي- اللينيني ولم تتردد في مواجهة خصمك ولو للحظة، كما ان الخوف لم يعرف طريقه الى قلبك وحتى في اشد حالات الرعب وعندما كنت مهددا بالموت لم تطرف لك عينٌ وتخنع للملاحقات البوليسية في أية مناسبة .
شاركت في المسيرات والمظاهرات ورفعت الشعارات وكنت تبادر الى الكتابة في كل مناسبة حتى ان معظم ما نشره فرع الحزب في كفرياسيف في فترة عملك في كفرياسيف كان يصدر عن قلمك السيال وبفكر واعٍ ومتّقد!
لم تغررك المناصب فكافأك الجمهور بتجديد انتخابك لرئاسة المجلس المحلي لاربع فترات وهذه ظاهره قلما نجدها في قرانا ! لم تكن لك عائلة كبيرة او حمولة تدعمك كما قد يتصور البعض ولكن عائلتك الكبيرة كانت مبادئك التي آمنت بها وكرزت بها وكرست حياتك من اجلها! عمرت حقلك فاعطى اروع غلّةٍ .
أنشدت للحزانى والمساكين فادخلت الفرحة  الى قلوبهم! عشت مع الشهيد شهادتهُ فاصطبغت كتاباتك بلون الشهادة!
حملت صليبك الى المنفى حيث ابعدك مسؤولو المعارف الى القرى النائية عن كفرياسيف فتعمّدت بالاصرار قابضا على جُرحك النازف مُكافحا بالكلمة الحُرّة التي ملكت ناصيتك كأحسن ما تكون مُلكيّة الكلمة!
كنت تعيش ليومك لا لحلمك لأنك كنت تُقدّس أحلام الآخرين قبل أحلامك!
تشبًّثت بالحياة بقوّة الارادة الكامنة فيكَ وعانقتها عناقا حميما ليس من أجلك، فقد كُنت ابعد ما تكون عن الأنانية ولكن من أجل الآخرين من أبناء شعبنا العربي الفلسطيني ومن أجل الانسان الانسان!
لم يكُن لديك تشاؤم المعري ولا خوف دانتي لأنك لم تكُن تؤمن بالجنّة ولا بالجحيم، بل كان لديكَ التفاؤل الذي حلّق بك الى عالم الاشتراكية مُتأكدا أن هذا النظام سوف يسود العالم ذات يوم وعندئذٍ سيختفي الاستبداد والظلم وتنتهي الحروب ويحلّ السلام على الكرة الأرضية كافة!
لم تبتعد يوما عن عامّة الشعب، بل كنت تطُلّ علينا أبدا من صفوف شباب المقاومة الذين كنت معلما لهم ومن شهداء الانتفاضيين ومن ذُلّ كسيري القلوب، ومن لقمة الكادحين المسحوقين المغمّسة بعرقِ الجبين في الحقل والمصنع والمشغل وحرارة الصيف المشتعلة.
لقد علًّمتنا ان صراع البقاء في هذه الحياة هو عمودها الفقري وأن من لا يكافح من أجل عيشه وعيش الآخرين ليس جديرا بهذه الحياة!
من هنا فقد كنت لكل جدارة أيّة جدارة لكي تعيش!
أيها القائد الفذ والمعلم الأول والنسيب الطيب! رحيلك ترك فراغا كبيرا في عالم كفرياسيف في صفوف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وفي صفوف الحزب الشيوعي الاسرائيلي، فراغا لا يمكن ان يشغله أحد والكلمات تعجز عن ايفائك حقك في هذه العجالة.
أيها النسيب المفارق الى عالم الأبديّة لك نقول، وداعا وداعا وداعا...
فأنت لم تمُت لأنك تركت لنا إرثا كبيرا من الفكر الواعي التقدمي في كتابك الذي لم تكمل جزءه الثاني: أقوى من النسيان..

 


(كفرياسيف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

اﻹنفجار في قلعة الرجعية

featured

غرس الشجر لاقتلاع البشر

featured

من ذاكرة قرانا: عطاء الكريم لا يرد ولا يسترد

featured

النضال ضد فكي كماشة يطبقان على البلاد: العنصرية وأباطرة المال

featured

هل ما زلنا ماركسيين؟!

featured

صحة أهالي أم الفحم وقراها أهم من حفنة الشواقل