دحلوش !

single
لم تذق "أمينة" طعم الراحة والحياة وهداة البال الا بعد رحيل زوجها "عماد الزعروري" اثر مرض عضال. فقد كان الزعروري عنيف الطبع زفر اللسان يحمّل ربه والعباد جميلة بوجوده على ظهر البسيطة، دفش وغليظ المعاملة خاصة مع زوجته التي أذاقها طعم الحنظل وصادر البسمة من شفتيها واغتال البهجة في قلبها، ولم يتورع عن معاملتها بعنف جسدي وكلامي، بالضرب وبالشتائم مثل "إخرسي" و "دم يطرش من حلقك"، "ويا متجوز القرد على ماله راح المال وظل القرد مقنبز قدامه". بمعاملته الوحشية لزوجته اراد الزعروري الانتقام من والده ومن شخصيته الضعيفة. فقد زوّجه والده بالغصيبة ابنة احد تجار البقر والطرش الاغنياء مع ان قلب الزعروري احتلته "زينة" ابنة الفران. وبسبب انه كان خنجعيا ضعيف الشخصية لم يستطع الاعتراض على اختيار والده لعروسه محدودة الجمال ولكنها مثل يحتذى بطيبة القلب. ولولا طيبة قلبها لما استطاعت الصبر عقدين من الزمن مع رجل لا يستطيع الشيطان التعايش معه ويهرب منه سريعا. بعد خمس سنوات خلفت امينة وحيدها وتحت تهديد زوجها دائما بانه اذا ثبت انها عاقر فسيتزوج عليها، اما امينة فوضعت يديها في مياه باردة لادراكها ان سمعة زوجها صارت مثل الزفت بين الناس ولن يجد أي حواء تقبل بوحش مثله زوجا. وبدون اخذ رأي زوجته اطلق على المولود الوافد اسم "دحلوش". من اين جاء المشحّر بهذا الاسم تهرج نساء النميمة في الفرن والدواوين، البعض من المقلتجية الرجال يدعي ان الزعروري طفش في عزوبيته مع غجرية ام غمازتين كانت ترقص في اعراس البلد، وانه عشقها حتى وقع في حب بنت الفران. وبموت زوجها اقسمت امينة ان تعوض حياة التعاسة مع زوجها بحياة السعادة مع ابنها وان تربي الدحلوش احسن تربية. وقد خلف لهما الزعروري المال الكثير قد ما كان بخيل، ويشعر القرش بغربة اذا خرج من جيبه، هذا اضافة الى متجر من القماش والملابس.
ولكن "الرياح لا تجري دائما بما تشتهي السفن" ولم ينشأ الدحلوش كما ارادت وخططت امه، يقولون "طب الجرة على تمها بتطلع البنت لامها"
وهذا المثل ينطبق على الدحلوش، فمنذ صغره جرى دم التجارة في شرايين جسده، لم يكمل دراسته الثانوية فعقله وتفكيره كانا بعيدين عن العلم والتعليم.
صفّى وباع المتجر واشترى قطيعا من الحمير والكرار صغيري السن. واخذ شباب البلد يتندرون عليه بقولهم "بكفيش ان اسمه دحلوش وكمان تاجر كرار"، البعض الآخر يقول الدحلوش يتعامل مع شركات يهودية تشتري منه الكرار وتعمل منها مرتيدلا (نكنيك) وتبيعها للعرب وللاجانب في الخارج! وبعد ان كسد سوق الكرار اخذ دحلوش يتاجر بالسيارات وبعدها ببسطات البطيخ والشمام وتراكمت الاموال في حسابه البنكي! جمع ثروة كبيرة خسر نصفها في البورصة. وخافت امه ان تفسد الثروة المالية مسلك واخلاق ابنها، خاصة وانه مضرب عن الزواج. وكانت فرحة امينة لا توصف عندما علمت ان ابنها زود شاحنتين كبيرتين بالمواد الغذائية من ماله الخاص بعث احداهما الى الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين لاغاثة شعبنا المنكوب بحصار وجرائم المحتلين وعصابات مستوطنيهم. ولكن فرحتها لم تدم طويلا فقد سلك الدحلوش طريق "الجخ الفارغ" لابراز مدى ثرائه، عمّر قصرا ضخما، واخذ يتردد على افخم المطاعم والبارات في حيفا وتل ابيب ووقع في مستنقع اوراق الشدة والقمار، وخافت والدته ان يتدهور وحيدها الى عالم المخدرات والجرائم، خاصة وانها سمعته يرطن بالاجنبي عبر التلفون. وطلبت امينة من جارهم الذي اصبح صديق العائلة ويحترمه ويصغي الى كلامه، طلب من فارس الحمدان الاحمر العريق ان يساعدها في تقويم مسلك ابنها.
عندما سمع فارس الحمدان ابو عصام هدير سيارة الدحلوش المرسيدس خرج ونادى عليه قائلا "يتشرف الفقراء بدعوتك على فنجان قهوة"، نتشرف يا عم ابو عصام، قال له ابو عصام "اشفق على امك وعلى نفسك، اعرفكم واعرف معاناتكم ايام والدك المرحوم من عشرات السنين، تريد ان يردد اهل البلد، "اسوأ خلف لاسوأ سلف" بدلا من "خير خلف لاسوأ سلف" لماذا تبذر اموالك على الطريق العوجا، على القمار والسهر مع المشكوك في امرهم والمراهنة في البورصة، بعد ناقصك خصلة رذيلة ان تنتحر في مستنقع المخدرات او ان تنفق اموالك على تعدد الزوجات او يجروك من انفك الى عالم الاجرام. اعمل شيئا يخدم شعبك واهلك، كم قدّرك الناس عندما ارسلت شحنات الاغاثة الى شعبنا في المناطق المحتلة، امكانياتك تسمح لك ببناء مدرسة او تزويد مدرسة بمختبر وحواسيب، او ببناء مركز ثقافي ينقذ الشباب من طريق الضلال، او المبادرة لاقامة دار نشر تساهم في نشر اصدارات الادباء من بلادنا والخارج. دمعت عينا الدحلوش وهو يردد انت ثاني واحد بعد امي يهديني الى الصراط المستقيم، امي ستسافر الى الحج. عندما ستعود ستفاجأ بمشروع اكون قد اتممته تحت اسم "امينة ودحلوش الزعروري".
قد يهمّكم أيضا..
featured

الصراع الفكري، والعلمانية (الحلقة الرابعة)

featured

نحن لسنا من ضيعة صغيرة

featured

الحق يمشي ولو عرمشي

featured

الأنا والأنا الآخر

featured

فانون والفلاحون

featured

الصولة الأخيرة

featured

جذور وفروع جريمة برشلونة