صولة مبارك الجاهلية الأخيرة: هجوم بالجمال والخيول على شباب الحرية في ميدان التحرير
أبو مازن، لماذا؟!
نفهم أن نتنياهو، منذ عهد عاد، ربط نفسه بمصالح الغرب وجشع الغرب، ولكن ماذا مع محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الذي يضع نفسه، تطوعًا، في صف واحد مع مبارك؟! إذا كان أبو مازن لا يريد التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، ويمكن تفهم ذلك، فلماذا يمنع الرأي العام من الخروج للتعبير عن رأيه؟! أم أن أبو مازن يريد زج الفلسطينيين في نظام دكتاتوري منذ الآن؟!
"ماذا سنفعل بعد أن نهزم مبارك؟"، يسأل حشاش صديقه في ميدان التحرير، والأخير يجيبه: "سنلعب في النهائي ضد تونس". هذه هي النكتة الأخيرة التي سمعتها قبل مذبحة ميدان التحرير. أما صحيفة "الاتحاد" فنشرت صورة حقيقية لمتظاهر مصري، يفترش الأرض وقد أمسك بيده لافتة مكتوب عليها: "ما ترحل بأه.. إيدي بتوجعني".
هذا هو الشعب المصري، شعب قادر على أن يضحك من نفسه ومن مآسيه ومن ظالميه، وكان الشاعر بيرم التونسي– تركيبة تونسية مصرية رابحة- قد قال لهذا الشعب: "ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين."
ولكن مبارك، قبل مغادرته منصة التاريخ، أراد لثورة اللوتس هذه، الثورة الشابة الصاخبة الضاحكة، مصيرًا آخر. أراد إغراقها بالدماء، وهكذا غداة خطاب الوعد بالتنحي، جاءت جاهليته على الخيول والجمال لتنفذ وعده السلمي الدمث.
والحقيقة أن هذه الصولة المباركية، كانت الفصل الأخير، وغير الضروري، في فصل حكمه لمصر. هذه الصولة الجاهلية هي عودة مضخمة وأكثر وحشية لما جرى في جميع الدورات الانتخابية البرلمانية، وخاصة تلك الأخيرة، حينما كان بلطجيّو مرشحي مبارك يرهبون، بالسلاح البارد والأكثر حرارة، المرشحين المعارضين.
هذه الصولة، مع شراستها، هي الصولة الأخيرة. ومعروف أن أشد ساعات الليل حلكة هي تلك التي تسبق صعود الفجر. والفجر يقرع الأبواب في مصر. والشجاعة، قالت العرب هي صبر ساعة، ومصر أم "الجدعنة".
*محامي الدفاع
على كل حال لمصر شعب يحميها. مشكلتنا هنا في إسرائيل، مع هذا الذي قرر منذ اليوم الأول أن يكون محامي الدفاع والمسوّق لنظام مبارك في بلدان أوروبا. قبل ذلك كان نتنياهو قد ذرف الدموع لانطلاق ثورة الياسمين في تونس، وقرر، بناء على أن الوضع متقلب في المنطقة، بأنه يجب عدم التقدم في حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
هكذا إذًا! يقفون مع أعداء الشعوب العربية، وبعد ذلك ترتفع الأصوات في إسرائيل متسائلة، لماذا يقف العرب ضدنا. افحصوا أنفسكم، ليس فقط في ما جنيتموه على الشعب الفلسطيني، بل في كل معركة ومعركة خاضتها الشعوب العربية، فستجدون أن إسرائيل كانت دائمًا في الصف المعادي للشعوب العربية، ابتداء من حرب الـ 56، حينما شنت إسرائيل، مع قوى امبريالية ذاوية، عدوانًا على زعيم عربي شاب، طالب بتأميم القناة وإرجاعها إلى أصحابها.
// هذا التطوع
نفهم أن نتنياهو، منذ عهد عاد، ربط نفسه بمصالح الغرب وجشع الغرب، ولكن ماذا مع محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الذي يضع نفسه، تطوعًا، في صف واحد مع مبارك؟ مبارك يمثل، بالنسبة للقضية الفلسطينية، علم الخروج على الإجماع العربي، منذ كامب ديفيد وحتى اليوم. وحتى لو قلنا أن مبارك قد ورث اتفاقات كامب ديفيد، (وهذا ليس صحيحًا فقد كان شريكًا في الإعداد لهذه الاتفاقات)، ففي عهده انحسر الدور المصري في القضايا الإقليمية، بشكل مذهل.
حرب لبنان الأولى، التي أعاثت إسرائيل فسادًا في لبنان، وعدوان الجدار الواقي، وحرب لبنان الثانية واحتلال غزة.. في كل هذه الأحداث الدرامية لم يكن لمبارك أي دور في لجم العدوان الإسرائيلي. لقد ألغى مبارك دور مصر الإقليمي، وباعتقادي أن هذا الإلغاء الذاتي أمام الأمريكيين، قد أربك أوساطًا أمريكية متفهمة لقضايا العرب في مواجهة إسرائيل.
لقد تبين في الأوساط الدولية، وخاصة الأمريكية أن إسرائيل هي لاعب "سولو"، وأنه لا يوجد رأي مخالف للعرب. وهكذا فإذا كان حليف الشعب الفلسطيني الأقوى، مصر، لا يحرك ساكنًا، فلماذا تجتهد الإدارة الأمريكية من أجل توازن موقفها.
ثم إذا كان أبو مازن لا يريد التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، ويمكن تفهم ذلك، فلماذا يمنع الرأي العام من الخروج للتعبير عن رأيه. فلسطين ليست دولة دكتاتورية، ومن المعروف أن الناس، في الدول العادية، يعبرون عن رأيهم، حتى لو خالف رأيهم رأي الحكومة. أم أن أبو مازن يريد زج الفلسطينيين في نظام دكتاتوري منذ الآن، ونحن، وكما يقول العرب، "بعدنا لا فتينا ولا غمسنا". هذا الموقف سيء وضار، ولا يضيف ذرة لمصداقية الموقف الفلسطيني.
// الشيء بالشيء يذكر
عندما أعلنا تضامننا مع المتظاهرين الأبطال في إيران ضد دكتاتورية أحمدي نجاد، قبل حوالي السنتين، قال لنا من قال: انتبهوا، أمريكا تؤيد المتظاهرين، وقلنا ما قلناه تجاه هذا التنبيه، وأضفنا أنه إذا قالت أمريكا بأن مجموع اثنين واثنين يساوي أربعة، فلا يجوز لنا، بدافع معارضة أمريكيا، أن نقول أن المجموع خمسة.
اليوم تقول أمريكا بأنها تؤيد مطالب المتظاهرين وتطالب من مبارك بأن يرحل الآن. يرد البعض على ذلك بأن موقف أمريكا هو نوع من الخبث، أي أن أمريكا لا تريد لمبارك ان يرحل. ولكن السؤال، ولماذا لا يكون موقف أمريكا بالنسبة لطهران مماثلاً، فهي لا تريد لأحمدي نجاد أن يرحل، لأنها مستفيدة من وجوده، فهو يعطي الشرعية لكل برامجها، وبرامج إسرائيل العدوانية.
على كل حال، يمكن التقدير أن الولايات المتحدة الأمريكية، تريد لهذه الثورة ما يريده نتنياهو لها، أن تسير باتجاه الموديل الإيراني وآنذاك سيضمنون سلطتهم وعدوانيتهم، اليوم وغدًا وربما بعد غد. أما الشعوب العربية فهي لهم بالمرصاد.
