هناك أمثال تعيش لحظات خاطفة من السّعادة أحيانًا. أقصد حين تجد لها واقعًا يؤكد صدقيّة تحوّلها الى مقولة متميّزة، خلافًا لما لا يُحصى من جُمل يبتلعها الغياب بمجرد النطق بها. أحد هذه الأمثلة هو "حاميها حراميها"، مع أنه لا سعادة ولا ما يحزنون فيما ينطبق عليه..
فقد خرج الضابط الذي تنتهي مدّة وظيفته كقائد شرطة ما يسمّى "يهودا والسامرة"، أمس، بمدائح رفيعة للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة. وقال في مقابلة للإذاعة العسكرية إنه "يحب المستوطنين"، فهم "ملح الأرض" ومهاجمتهم (سياسيًا) هي سلوك "مقرف حقًا"..
نحن نتحدّث عمّن كان مسؤولا عن تطبيق القانون والنظام في المنطقة التي يتصرّف فيها المستوطنون بانفلات قُطعانيّ بشع. وبتعابيره المذكورة، فهو إنما يؤكّد المؤكّد؛ إن انفلاتات هؤلاء كانت تحظى بغطاء بل بحماية ممن يُنعتون كذبًا بالمحافظين على النظام والقانون.
أصلا، لا منطق في الحديث عن تطبيق قانون ونظام في ظلّ جهاز الاحتلال، لأنه يشكل بذاته جريمة ضد القانون وضد النظام وضد المعايير الأخلاقية الأساس. ومن غير المتوقّع أن ينتج عن هكذا وضعيّة منافية للقانون سوى مسوخ جديدة تحوّل المجرم إلى ضحية وبالعكس.
لكننا هنا أمام صورة واضحة نقيّة تمامًا لحالة قماميّة محض. فلا نهاية للمفارقات.. فجهاز الاحتلال الإسرائيلي الإجرامي، بسياسييه وعسكرييه ومستوطنيه وداعميه من الجمهور، يزعم على الدوام أنه يستخدم جهاز شرطة لفرض القانون في المناطق المحتلة. لكنه يُخفي "قصة الحب الملتهبة" بين المسؤول عن فرض القانون وبين محترفي انتهاك القانون.
إنها حالة عبثية تمامًا. فالاستيطان في منطقة محتلة، كمفهوم وكممارسة، هو جريمة وفقًا للقانون الدولي والإنساني. أما هنا، في هذه الدولة المَسخ، فيصبح ممارسو الجريمة "ملح الأرض"، ومعارضوهم السياسيين "مقرفين". وفي هذا التراشق الإسرائيلي-الإسرائيلي لا تُقال ولو كلمة عن الضحيّة – الفلسطينيّ.
في حالة هذا الضابط ينطبق المثل "حاميها حراميها". وينطبق على حالة الجنود العاديين الذين يكشفون ما يقترفه الجيش من جرائم بحق الفلسطينيين المثل القائل "خذوا أسرارهم من صغارهم". أما بالنسبة لجهاز الاحتلال بأكمله، فيجب البحث عن مثل آخر في هذه الحالة.. لربما نشتقّه من المثل السابق: "خذوا أسرارهم من كبارهم". لكن هناك مشكلة واحدة هنا: إن بشاعات الاحتلال الإسرائيلية ليست سرًا بالمرة. فهي جريمة مستمرة منذ 42 عامًا، في وضح النهار، وعلى مرأى من جميع العيون.
