- أبناء الشبيبة والشباب في إسرائيل:
المجتمع الاسرائيلي بشكل عام هو مجتمع شاب: بلغ تعداده نهاية العام 2012 نحو 7.8 مليون نسمة، ثلثهم تقريبا من الأطفال وأبناء الشبيبة حتى جيل 17 عاما، وتصل نسبة العرب بينهم إلى 27% وهو ما يفوق نسبة العرب العامة بأكثر من 8%- ما يشير على أن المجتمع العربي أكثر فتوَّة.
وفق معطيات العام 2009، فقد بلغ عدد أبناء الشبيبة بين جيلي 15-17 عاما إلى 264 ألفا، معظمهم تلقوا الدراسة في المدارس النظرية فيما لجأ إلى سوق العمل حوالي 5 آلاف منهم والمعطى الأخطر هو أن 24 ألفا لم يحظوا بأي إطار تعليمي أو تشغيلي!
وبين الأجيال 18-24 عاما فقد بلغ عدد الشبان 808 آلاف، بينهم 245 ألف طالب و290 ألف عامل بينما كان حوالي 300 ألف إما مجندا في الجيش وإما خارج أي إطار عمل أو تعليم، في هذا العام كان عدد الطلاب الجامعيين 121 ألفا في الجامعات و70 ألفا في الكليات الأكاديمية.
في إسرائيل يميل أبناء الشبيبة والشباب إلى اليمين المتطرف، أحد استطلاعات الرأي بين الناخبين لأول مرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (كانون الثاني 2013) بيّن أن 49% منهم يعرّفون أنفسهم على أنهم يمينيون، بينما عرّف 20% منهم أنفسهم على أنهم في المركز لكن يميلون نحو اليمين، ولم يختر سوى 5% منهم أن يعرّفوا أنفسهم باليسار فيما ادعى 9% أنهم في المركز لكنهم يميلون يسارا!
هذا ليس إلا نموذجا واحدا من سلسلة استطلاعات للرأي ودراسات تؤكد أن أبناء الشبيبة والشباب في إسرائيل، وفي ظل سياسة الاحتلال، تفشِّي العنصرية والضائقة الاقتصادية يميلون أكثر إلى الانغلاق وتبني المواقف العنصرية وقيم العسكرة والقوة على حساب الانفتاح وتبني القيم الديمقراطية والمدنية.
الأسابيع الأخيرة بالذات شهدت عددا من حوادث الاعتداء العنصرية في تل أبيب والقدس لتذكّرنا بأن الأمر لا يقتصر على الدراسات إنما نعيش واقعا يوميا!
والأمر لا يقتصر على أبناء الشبيبة والشباب اليهود إنما على أبناء أجيالهم من العرب الذين أخذوا يردون على هذه الأجواء بمزيد من الانغلاقية والتعصب.
وفق تحليلنا فإن ثمة ثلاثة عوامل أساسية تشكل دفيئة للمواقف العنصرية والانغلاقية:
- الضائقة الاقتصادية الاجتماعية: تعاني الغالبية المطلقة من المواطنين في إسرائيل من تعاظم الفجوات الاجتماعية الاقتصادية، في ظل السياسات الاقتصادية التي أدت منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى القضاء بشكل منهجي على دولة الرفاه، لتنشأ أجيال كاملة من الفتية والشبان في عهد الليبرالية الجديدة التي لا ترى فيهم إلا قوة عمل رخيصة منزوعة الحقوق الاجتماعية.
أبناء الشبيبة والشباب، هم الأكثر حاجة إلى مقعد الدراسة والعناية الصحية ومن ثم إلى مكان العمل والمسكن، وبالتالي فهم أكثر المتضررين من هذه المنظومة التي تجعل من أبسط الخدمات والحقوق التي من حق المواطنين أن ينعموا بها- تجعل منها سلعة بهدف الربح!
اليمين وبدل إيجاد حلول للأزمات التي ينتجها بنفسه يعمل على تفريق ضحاياه وخلق الفتنة بينهم، من خلال الترويج للكراهية والحقد: يحرّض اليهود ضد العرب، والقادمين الجدد ضد مهجّري العمل، واليهود الغربيين ضد الشرقيين وهكذا..
- الاحتلال وثمنه: يدفع أبناء الشبيبة والشباب في إسرائيل للاحتلال ثمنين، ثمنا اجتماعيا- أخلاقيا وثمنا اقتصاديا.
الثمن الأول ناجم عما يعززه الاحتلال لدى الجنود والمستوطنين على حد سواء من نظرة استعلائية تجاه الفلسطينيين وسيطرة قيم العسكرة والقوة عليهم.
الثمن الثاني، ناجم عن حقيقة أن المواطنين في إسرائيل هم من يدفعون نفقات الاحتلال المادية أما المستفيدون منه فهم الشركات الكبرى المعتاشة مما ينتجه الاحتلال من سوق استهلاكي وقوى عاملة رخيصة ومن التحكم المنفلت بخيرات الشعب الفلسطيني وموارده الطبيعية.
الدولة تعمل على تبرير هذين الثمنين الباهظين وشرعنتهما من خلال منح مكانة القدسية لقيم العسكرة والقوة على حساب القيم المدنية والديمقراطية.
- جهاز التربية والتعليم: السياسات الليبرالية الجديدة لم تقفز عن جهاز التربية والتعليم في إسرائيل وهو من أبرز الأجهزة تأثيرا على أبناء الشبيبة والشباب. خصخصة هذا الجهاز وتحويله إلى مجال للسباق الربحي وفق قواعد "السوق الحرة" أدت إلى اتساع الفجوات بين الطلاب وبالتالي إلى اتساع الفجوات بقدرتهم على التحصيل العلمي! انسياقا وهذه السياسة فإن مناهج التدريس أصبحت أكثر فردانية وأقل اهتماما بحقوق الانسان والقيم الديمقراطية والمدنية.
- أبناء الشبيبة والشباب العرب في إسرائيل:
أبناء الشبيبة والشباب العرب في البلاد يعانون التمييز المضاعف: مرة كأبناء شبيبة وشباب، يعانون مما تعاني منه هذه الشريحة عامة في إسرائيل ومرة كأبناء للأقلية القومية العربية الفلسطينية في البلاد التي تعاني من جراء سياسة التمييز العنصري المتواصلة.
أبناء الشبيبة والشباب العرب يعانون ما يعانيه مجتمعهم من تفشٍّ للبطالة ونقص في أماكن العمل، من خنق البلدات العربية وعدم توفر المساكن للأزواج الشابة، من تدنٍّ بالتحصيل العلمي ورفع جيل القبول للتعليم في الجامعات.
إلا أن الأمر لا يتوقف عند المس بالحقوق الاجتماعية والمدنية إنما ينصبّ أساسا بالتجاهل التام للاحتياجات الخاصة لأبناء الشبيبة والشباب العرب وخصوصيتهم الوطنية والثقافية وتشويه هويتهم القومية كجزء لا يتجزأ من شعبهم الفلسطيني. هذا التشويه ينعكس أساسا من خلال جهاز التربية والتعليم والمناهج التي يعمل على تدريسها لهم.
أن انسداد الأفق أمام أبناء الشبيبة والشباب العرب وتحول بلداتهم إلى أحياء فقر كبيرة، يفتح الطريق الواسع أمامهم نحو ظواهر خطرة كالانجرار خلف خطابات انغلاقية ضيقة (حمائلية، طائفية قومجية وما شابه)، نحو العنف المستشري في المجتمع العربي بشكل خطر للغاية، أو نحو القبول بالآفاق القليلة التي تبقيها السلطة مفتوحة أمامهم مثل الهجرة أو الانسياق بمشاريع سلطوية كأداء الخدمة المدنية والعسكرية وغيرها.
في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لوحظ احتداد ظاهرتين مرتبطتين إلى حد بعيد: الأولى هي الدعوات لمقاطعة الانتخابات والترويج المبتذل لتيئيس الشباب من العمل السياسي وجدواه وزجهم نحو المزيد من الاحباط واللامبالاة، والثانية، هي استخدام قوى فاعلة في المجتمع العربي للمال السياسي وشراء الذمم. هاتان الظاهرتان تعززان مشاعر الاغتراب والانكفاء على الذات والمقاطعة في أحسن الأحوال أو بيع الصوت في أسوئها لمن يدفع أكثر وكلاهما يؤديان إلى تعزيز مكانة أحزاب السلطة بين أبناء الشبيبة والشباب العرب، كونها الأقدر في نهاية المطاف على الدفع!
- أضواء في آخر النفق!
رغم ما جاء أعلاه من تصوير لحالة قاتمة بين أبناء الشبيبة العرب واليهود على حد سواء في البلاد فإن ثمة عددًا من المؤشرات التي يجب تحليلها بهدف استخلاص العبر والنتائج:
إندلاع الحراك الاجتماعي في مصر، وتمكن الشعب هناك من إسقاط رئيس الدولة، أدى إلى حالة من ارتفاع المعنويات انعكست من خلال عدد كبير من النضالات التي شهدتها البلدات العربية واليهودية إلى أن تطور الأمر إلى حد انطلاق الحراك الاجتماعي الأخير والذي كان للشباب الدور المركزي فيه، ورأينا حلقات واسعة من الشباب المعني بخطاب اجتماعي حقيقي. النضال الذي انطلق من جادة روتشيلد في تل أبيب وصل إلى العديد من البلدات العربية وأدت أعداد كبيرة من الشباب العرب دورا أساسيا بقيادته وقد رأينا في عدد من المواقع نشاطا عربيا يهوديا حقيقيا.
يأتي هذا امتدادا لما شهدته الانتخابات المحلية السابقة في تل أبيب من التفاف عشرات ألوف الشبان اليهود حول ترشيح عضو من المكتب السياسي لحزبنا الشيوعي لرئاسة البلدية وغيرها من النضالات التي نرى بها مشاركة واسعة للشباب: يوم الأرض، الأول من أيار، التظاهر ضد الاحتلال والعنصرية وغيرها من النضالات.
إن نجاح أي تحرك لا يكون عفويا، إنما بتوفر عدة شروط: أولها، أن يقوم الحزب الثوري بطرح الحلول الواقعية والمقنعة لظواهر حقيقية تؤلم المواطنين؛ وثانيها بتمكنه من إقناعهم بأن التغيير ممكن، وتهيئتهم لخوض هذه المعركة.
بناءً على ما جاء هنا وما سبقه في الفصل الأول حول خطر أن يؤدي تعرقل الحراكات الاجتماعية إلى إحباط الجماهير، فإننا نرى بأن من واجبنا بناء برامج عمل وتطوير آليات كفيلة بتجنيد الشباب في معارك- هي أولا وقبل كل شيء معاركهم هم- معاركنا.
(يتبع)
*فصول من مواد مؤتمر الـ 19 لاتحاد الشبيبة الشيوعية، الذي يُعقد نهاية الاسبوع الجاري، وننوّه الى أن المادة المنشورة هنا جزئية، أما نص المواد الكامل فمنشور في موقع الجبهة الإلكتروني: http://aljabha.org/index.asp?i=75552
