مما يؤسف له شديد الأسف، إحياء الأسرة الملكية السعودية الحاكمة للخلاف القديم الذي أكل عليه الدهر وشرب وأصبح من الأحداث القديمة في التاريخ العربي الإسلامي، فقد مضى عليه حوالي ألف وأربعمائة عام حتى يومنا هذا. اعني بذلك الخلاف المذهبي بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة. وإحياء هذا الخلاف وتجديده من خلال وسائل الإعلام، لكي تبرر الأسرة الملكية السعودية موقفها المعادي للنظام السياسي السوري الذي يرأسه رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد ابن الطائفة العربية الإسلامية العلوية الشيعية. أي لانه ليس من المسلمين السنة، بل من المسلمين الشيعة. فيا للعار ان يبقى حتى أيامنا هذه ملوك وقادة في بلادنا العربية، ينحطون لهذا المستوى، ويرفعون مجددًا راية هكذا خلاف يصب في مصلحة الأعداء. ومن المؤسف اشد الأسف أيضًا إيقاظ هكذا خلاف وتأجيجه مجددًا بدلا من إطفائه فيما إذا كان مشتعلا.
فان إقدام الأسرة الملكية السعودية الحاكمة في بلاد الحجاز، على إحياء هذا الخلاف وتجديده، وذلك ليس فقط لان رئيس الجمهورية العربية السورية، من المسلمين الشيعة، فلو كان هذا وحده السبب، لكانت السعودية قد عبّرت عن ذلك منذ وصول المرحوم الرئيس حافظ الأسد للرئاسة في سورية. لكن السعودية تحيي هكذا خلاف من جديد الآن، كذلك لتحرّض المواطنين السوريين المسلمين السنيين لكي ينضمّوا لأعداء النظام السوري. وبذلك ينالون الثناء لهم وشد أزرهم من القيادة الأمريكية ومن الحركة الصهيونية والحكام الإسرائيليين التوسعيين والمجهضين بسبب أطماعهم التوسعية، لعملية مطلب السلام المنشود المتوافق مع الشرعية الدولية.
هذا وإيران الإسلامية الشيعية، عندما كان الشاه ونظامه آنذاك منحازين للدول الامبريالية ضد الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى، فكان ذلك متوافقا مع سياسة الأسرة السعودية الحاكمة، بل كانت على أتم الوفاق والاتفاق مع السياسة الإيرانية. كما كانت إيران في عهد حكم الشاه ونظامه السياسي معترفة بإسرائيل ولها سفارة في طهران، وحينذاك لم نسمع أو نقرأ عن وجود خلاف بين النظام الملكي السعودي الإسلامي السني، والنظام الإيراني الإسلامي الشيعي. لكن بعد نجاح الثورة بقيادة الإمام الخميني رحمه الله وسقوط الشاه ونظامه الذي كان عضوا في حلف بغداد، وضم ذلك الحلف العراق عندما كان نظامه ملكيا، وتركيا وإيران والباكستان وبريطانيا التي كانت زعيمة ذلك الحلف، ولم نسمع أو نقرأ آنذاك عن وجود خلاف أو أية حساسية سلبية بين السعودية وإيران لا سياسيا ولا مذهبيًا بين الإسلام السني في السعودية، والإسلام الشيعي في إيران. وبعد سقوط الشاه ونظامه وانتصار الثورة ضد حكم الشاه قطعت الحكومة الإيرانية الإسلامية الشيعية التي تشكلت في إيران العلاقة الدبلوماسية بين إيران وإسرائيل، وأغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران، ووهبت البناء الذي كان مقرًا للسفارة الإسرائيلية في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية لإقامة السفارة الفلسطينية فيه. ومنذ ذلك الوقت والحكومات الإيرانية المتعاقبة حتى يومنا هذا، لم تقم علاقة مع إسرائيل، طالما ان السلام بين إسرائيل والشعب العربي الفلسطيني، وعشرين دولة عربية من أصل 22 دولة عربية لم يتحقق رغم مرور 65 عامًا حتى الآن على إقامة الكيان الإسرائيلي في عام 1948 فوق الجزء الأكبر من فلسطين.
وبدلا من ان تثمِّن عاليا السلطة الملكية السعودية هذا الموقف الإيراني الداعم للحقوق الوطنية الفلسطينية، والداعم لسورية وشد أزرها ضد الأطماع الإسرائيلية التوسعية، فها هي أي المملكة السعودية، تحيي الخلاف القديم بين أهل السنة وأهل الشيعة الذي أصبح منسيًا ولا يخدم تجديده سوى الأعداء أصحاب المصلحة بهكذا خلاف وما تجديدها له الا لذر الرماد في العيون، ولكي تستنفر المسلمين السنيين السوريين ضد النظام السياسي السوري التقدمي والعلماني والعروبي الوحدوي الذي انتصاره على المؤامرة الدموية المدبّرة والمسنودة من المملكة السعودية الرجعية والمتخلفة سياسيًا وديمقراطيًا وثقافيًا، وتتوارث الحكم والسلطة منذ أكثر من سبعين عامًا. ورغم ان أكثرية الشعب في هذه المملكة، ليست من ميسوري الحال رغم انها في مقدمة الدول المنتجة للبترول، لكن أثمانه لا تصب في مصلحة أكثرية الشعب ولتأمين المستوى المعيشي العادل واللائق والكريم لهم. ومع ذلك فالعائلة السعودية الحاكمة، غير مهتمة مطلقًا بتأمين المساواة والعدالة الاجتماعية ولا بتطبيق الديمقراطية ولو بأضعف مستوياتها. وبدلا من تصحيح سياستها الداخلية والخارجية، فهي تتبنى المؤامرة على سورية، وتدعمها بالمال وبالسلاح وبالإعلام التحريضي الخبيث، وهي بذلك تخدم مصلحة أعداء المستقبل العربي المنشود وفي مقدمتهم الدولة صاحبة الشعار "من النيل إلى الفرات دولتك يا إسرائيل".
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
