سيدي الاسير المحرر: نعم سيدي واقول ذلك ليس من باب بروتوكول المخاطبة او الاحترام الأجوف بل لانك فعلا السيد في زمن العبودية.. اعلم جيدا انك الآن بعد خروجك من الاسر تفكر بحياتك كفرد وليس فقط كمناضل، تفكر فتقول "دخلت السجن شابا وها انا اخرج وانا على ابواب الشيخوخة، لم اتزوج... لم انجب... لم اتعلم.... لم اسافر. الخ" وهو ما يدفعك ربما الى الندامة والتأسف على حياتك الشخصية بقدر فخرك بما قدمته للقضي.
ولكن صدِّقني سيدي الاسير بقدر اتفاقي معك بان أحلامنا الفردية وزواجنا واطفالنا وعائلتنا وقضاء العمر بجانب امهاتنا تفاصيل مهمة في الحياة ولكنك تبقى الرابح الاكبر بيننا... لن تدرك كلامي هذا الآن، ولكن دعنا نتحدث عن ذلك بعد ثلاثة او اربعة أشهر، حينها ستتمنى العودة للاسر مرة اخرى،، نعم لا ابالغ بذلك، ستتمنى العودة للاسر.
هل تعلم لماذا هذه الجموع احتشدت حولك اليوم؟ ليس من اجلك انت، بل من اجلها هي... جاءت لتكفر عن ذنب انت لا تعلمه بعد... جاءت في محاولة يائسة لاخفاء خيانتها للعهد... نعم لقد خنا العهد... فالقضية التي دخلت الاسر من اجلها لم تعد هي ذاتها... هل تعلم كيف تم تحريرك اليوم؟ لم نختطف طائرة من اجلك او جنديا... لم نخرج للعدو من بحر كما فعلت دلال... ولم نهبط له من سماء كما فعلت ليلى... فهذه افعال اصبحت تعرقل عملية السلام وتقف عقبة في طريق المفاوضات... لكن دعني اكون صريحا معك لدرجة الوجع... انت اليوم خرجت مقابل صمتنا وخنوعنا... بالامس تمت المصادقة على بناء 1700 وحدة استيطانية لكننا لم نحتج او نوقف "المفاوضات" لانك انت المقابل... يا لسخرية القدر، بالامس تضحي بحريتك من اجل الوطن واليوم لاننا بكامل عجزنا نفرط بقطعة منه لندعي اننا حررناك... هل هنالك اكثر من ذلك عجز وهوان وعبودية يا سيدي؟
هل رأيت رجل الشرطة الذي كان يرافقك في "المقاطعة" وهل رأيت البندقية التي يحملها؟ ارجو ان لا يكون حنينك قد دفعك لكي تلمسها؟ فهي لا تشبه البندقية التي حملتها قبل ثلاثين عاما على الاطلاق... ورجل الشرطة هذا لا يشبهك بشيء... فلو قررت غدا ان تصرخ وتقول بان ما يحصل في هذا البلد جنون ستجد هذا الشرطي وبندقيته لك بالمرصاد...
لذلك وتلافيًا للمخاطر عليك ان تتعلم جغرافية فلسطين من جديد، فهي لم تعد "من البحر الى النهر"... كما عليك ان تتعلم الطرق المؤدية اليها.... الطريق الى حيفا ويافا لم تعد بالتسلل من جنوب لبنان على سبيل المثال... وانما عليك ان تقف في طابور طويل للحصول على تصريح... وهنالك غيرك من يذهب دون تصريح... نعم نحن اليوم نذهب "للوطن" كسائحين وليس كثائرين.
لا تقلق، ستعتاد الوقوف في الطوابير.. فلتذهب من رام الله لزيارة صديقك الاسير المحرر في نابلس هنالك طابور أمام حاجز عسكري، وسترى طوابير كثيرة تقف أمام الصراف الآلي انتظارا للراتب الشهري الذي يأتيهم من الاتحاد الاوربي... انت في السجن اعتدت الوقوف في طابور العد الصباحي، ولكن نحن حياتنا كلها أصبحت طوابير في طوابير... فهذه هي العبودية يا سيدي الاسير المحرر.
الليلة ستنام ليلك الطويل، لكنك ستستيقظ صباحا ولن تجدنا حولك.. فلدينا من توافه الحياة ما لا تعرفة بعد... علينا قروض بنكية يجب تسديدها، ففي غيابك اشترينا بيتا وسيارة وارسلنا اطفالنا للمدارس الخاصة وبعضنا اصبح لا يهنأ له العيش الا بالسياحة..
سيدي الاسير المحرر: انصحك بان لا تأخذ موعدا مع صديق قديم في مقهى او مطعم ان لم تكن تتقن الانجليزية. فانت اولا لن تستوعب اسماء هذه الاماكن وثانيا لن تستطيع ان تختار من قائمة الطعام شيئا، الفول والحمص والفلافل والمسبحة أصبح "اكلات شعبية" عليك ان تذهب "لوسط البلد" حتى تجدها وما ادراك ما وسط البلد.
نعم لقد اصبح بيننا الغني والفقير، لم نعد نشبه بعضنا.. ألم تلاحظ ذلك؟ ألم تر "القيادات" التي جاءت لتأخذ "صورة شرف" بجانبك هل يشبهون الآخرين؟ هل يلبسون كالآخرين؟
ودعني انصحك ايضا ان لا تبحث عن عمل... فقد تركنا العمل في الارض... ومصنع الاحذية في الخليل افلس، ولم نعد نستخدم "صابونة الجمل" النابلسية، واصبحنا نستورد الكوفية من الصين... اذا ماذا ستعمل؟ هل لديك خبرة بكتابة المشاريع؟ هل تعرف كيف تقنع الممولين؟ هل انت خبير بقضايا "التعبئة والضغط"؟ لا اعتقد ذلك...
سيدي الاسير المحرر: غدًا ستكتشف بان العشرين او الثلاثين عاما التي امضيتها في الاسر نعمة... نعمة ليس لانك تفوقت علينا بان دفعتها من عمرك لفلسطين... ولكن لانها حمتك من هذه التغيرات والامراض التي اصابتنا في غيابك... انت اليوم خرجت من "اسر الجسد" ونحن منذ عقود دخلنا في اسر الضمير والشعور والروح والكرامة... صدقني اسرك اخف بل انظف.
لا أريد ان أبالغ بجلد أنفسنا واقول لك بان دموعنا التي ذرفناها أمامك هذه الليلة لم تكن صادقة... بل هي صادقة، ولكنها لم تكن لك وحدك... بل كنا نبكي على انفسنا... اعذرني لن ادعوك الاسبوع القادم للعشاء حتى لا يلتقي بك ابني... وان رأيتك صدفة في الشارع وهو معي فسأهرب من وجهك... هل تعلم لماذا؟ لانه حينها سيسألني ألف سؤال، وانا لا اجابة لدي... ربما يقول: بابا وين كان عمو؟ من السهل ان اجيبه انك كنت بالاسر.. ولكن حين يسألني لماذا؟ ماذا اجيبه؟ وربما يقول لي: بابا ليه عمو ما بشبهنا؟ ماذا سأجيبه؟
لأنك فعلا يا سيدي الاسير المحرر لا تشبهنا ونحن لا نشبه انفسنا... لذلك انصحك ابتعد عنا قدر الامكان حتى لا تتلوث... ربما حينها يبقى لفلسطين أمل.
