في هذه الأيّام، وأنا أتابع ما يكتب ويقال عن بنيامين نتنياهو- بيبي، رئيس حكومة إسرائيل السابق والمخوّل بتشكيل الحكومة الجديدة، والثالثة له، أرى أنّ بيبي يسابق الريح، ليتمكّن من تشكيل حكومته وليستريح قبل انتهاء المدّة القانونيّة الممنوحة له، وقبل زيارة أوباما لإسرائيل. يحضرني قول برنارد شو: إنّ أقسى عقاب ينزل بالكذّاب، ليس هو عدم تصديق الناس له، وإنّما عدم استطاعته تصديق أحد.
كشف مسؤولو البيت الأبيض أنّ هدف زيارة أوباما لإسرائيل هو لتأكيد دعم الإدارة الأمريكيّة غير المحدود لسياسة بيبي أيّا كانت وكيفما تؤول ومهما تكلّف وحيثما تقع و.... إن كانت ضدّ الحقوق والمصالح الفلسطينيّة والسوريّة والإيرانيّة؛ فهذا هو المطلوب في نظر أوباما. وإن كانت ردعا وتأديبا للمشايخ اردوغان ومرسي؛ فأهلا بها. وإن كان فيها شيء من المضرّة والإساءة للمصالح الأوروبيّة والأمريكيّة؛ فلا بأس بها. وإن كانت مهدِّدة للأمن والاستقرار في العالم ومثيرة للنزاعات والحروب في المنطقة؛ فبيبي "فرفور ذنبه مغفور" في ديار الأمريكان والعربان وأردوغان.
لكن المشكلة أنّ بيبي لم يعد يصدّق أحدًا:
فادّعى بيبي أنّ زيارة أوباما هي للتدخّل في تركيب الحكومة الإسرائيليّة، لأنّ أوباما يريد أن يثأر منه لتدخّله في انتخابات الرئاسة الأمريكيّة لصالح المرشّح الجمهوريّ ميت رومني؛ فطمأنه الأمريكان: جئنا للدعم والمساعدة وشدّ أزركم، و"ضرب الحبيب زبيب".
ثمّ ادّعى أنّ أوباما سوف يفرض عليه وعلى السلطة الفلسطينيّة المفاوضات ويقيّدهما بجدول زمنيّ؛ فطمأنَه الأمريكان: جئنا لنحمّل السلطة الفلسطينيّة مسؤوليّة تعطيل المفاوضات وعرقلة المساعي الإسرائيليّة لإنهاء الاحتلال وإحلال السلام وبناء الدولة الفلسطينيّة.
ثمّ ادّعى أنّ أوباما سوف يضغط عليه كي لا يحرق إيران، ليوقف الزحف الإيراني نحو قنبلة نوويّة؛ فطمأنّه الأمريكان: نحن تعهّدنا أن لا نسمح لإيران بامتلاك السلاح النوويّ، وكلّ الاحتمالات على الطاولة، سنخرس التهديد الإيرانيّ ونمنع الخطر السوريّ، وسنستثمر في تشجيع النزاع في سوريا، وسنشغل العراق ولبنان وتركيا و... بقضايا داخليّة وبنزاعات إقليميّة و...وبحروب طائفيّة، وسنحمي إسرائيل حتى من الاعتذار لتركيا، وسنردّ عنها كلّ "صيبة العين" وكلّ "ضربة شمس" ولو كانت من شمس الحريّة!
فادّعى أنّه منزعج من التقارب والتفاهم الروسيّ الأمريكيّ؛ فطمأنه الأمريكان: لن يكون هذا إلا لخدمة مصالح وأهداف السياسة الإسرائيليّة، ولو كان هدفها إدخال مليون مستوطن إلى الضفّة الغربيّة وتوسيع وزيادة المستوطنات وتكريس الاحتلال والضمّ، ولو قضت على حلّ الدولتين، ومنعت إقامة دولة فلسطينيّة، وطبّقت تقرير إدموند ليفي وبرنامج البيت اليهوديّ في ضمّ الضفّة الغربيّة إلى إسرائيل.
فرح بيبي للتطمينات الأمريكيّة، وللانتهاء من تشكيله حكومة تلعب في ملعبه اليمينيّ الفاشيّ، بدون براك ومريدور و... وبتكبيل يائير لبيد وتسيبي لفني وكلّ الذين يذكّرونه بالشعب الفلسطينيّ والاستنكار الدوليّ، كلّما طرح مشروعا استيطانيّا وتوسعيًّا، وسعى إلى طمس حلّ الدولتين...
فهم أوباما أنّ الحكومة الإسرائيليّة الجديدة، يمينيّة ومتينة ومتماسكة وصداميّة ومقاتلة و...، وهي ضدّ كلّ الحلول السياسيّة والشرعيّة الدوليّة، وستقضي بالقوّة على التوترات السياسيّة في المنطقة، وستتخلّص من كلّ حليف يفكّر بالاعتدال وبحلّ للقضيّة الفلسطينيّة؛ لذلك عليه أن يتوجّه في خطابه إلى الشعب الإسرائيليّ، ليثق بحكومته وبدعم الإدارة الأمريكيّة غير المحدود لها أمام التهديد الإيرانيّ والسوريّ و....
ألا ترون أنّ برنارد شو أخطأ في تقديره؟ ألا ترون أن بيبي لا يصدّق أحدًا ويكسب وينتشي وينتفخ و... ويسعد؟
ألا ترون أنّ القيادة الفلسطينيّة تصدّق وتصادق كلّ زعيم يزعم مناصرة حقّ الشعب الفلسطينيّ بالحياة الحرّة والكريمة، فتخسر وتعاني أكثر؟!
ما العمل؟!
