"الدين لله والوطن للجميع"

single

اعتقدت كل الوقت ان مقولة "الدين لله والوطن للجميع" هي ومضة دماغ لأحد رجال الفكر اللبناني! فجاء صديق لي وصحح معلوماتي وأكد لي ان صاحب هذه المقولة ليس إلا سعد زغلول، زعيم الثورة المصرية ضد الانجليز المحتلين في العشرينيات من القرن الماضي. ومرت السنون وتوالت الأيام حتى وصلنا الى يومنا هذا، فبعد حوالي ثمانين سنة من ذلك التاريخ نجد أنفسنا بأمس الحاجة إلى مثل هذه الثقافة، علّنا في ذلك نحمي أنفسنا من الفرقة والتشتت!
لا ادري ماذا أصابنا نحن العرب والمسلمين! فالعالم كله يعيش في واقع ما، أما نحن العرب والمسلمين فمنشغلون في نزاعات داخلية وطائفية، نحطم بعضنا البعض. تاركين جانبا أمر العدو الذي يُخطط وينفذ ويصر على ابتلاعنا واقتلاع جذورنا وجودًا وحضارة، تاريخًا ولغة... انظر معي إلى هذه الصورة المشوّهة.. فبين المسلمين والأقباط في مصر "صراع" ينظر إليه من زاوية دينية فقط. المظاهرات ضد الملك في البحرين يُزعَم بأنها صراع إسلامي "بين السنة والشيعة". المظاهرات في سوريا تؤخذ وكأنها مقاومة "لنظام الأسد العلوي"! وعن لبنان فحدث ولا حرج فالفتنة الطائفية المستشرية فيه منذ استقلاله تنهش بلحمه إلى ان وصل الأمر بفريق منهم الى حد ان يطلب "المحكمة الدولية" التي هي أمريكية أوروبية لتتدخل في الشأن اللبناني الداخلي أملا في ان تساعد هذه المحكمة على تدمير الطرف الآخر في النزاع الطائفي المستمر في هذا البلد التعيس.
وأما عن التهديد الإيراني الشيعي لأمن الخليج السني فهو ما يقلق الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وإسرائيل والعرب من العدو الإيراني. متغافلين عن حقيقة أمرهم بأنهم الطامعون بنفط الخليج وكنوزه الذهبية!
الدائرة تدور على العرب وعلى المسلمين ومن أيديهم فقط! فباسمكم جميعًا أقول "مستاهلين"! هل هناك من يعتقد بان العالم سيحترم من لا يحترم نفسه؟ وهل هناك من يؤمن بان العالم سيقف مكتوف الأيدي طويلا ما دامت "الجامعة العربية" لا تنفك صباح مساء عن تحريض العالم على شعوبها.
في الحقيقة ان هذه السيرة طويلة وكما يقول الفلاحون "طويلة مثل سيرة الحيّة"! لا تنتهي.
بدأت حديثي عن أمر الدين وما يسببه من تفريق لصفنا ومن تدمير لوحدة مجتمعنا، بينما في حقيقة الأمر انه باستطاعتنا استغلال الدين بالذات لجمع الصف ووحدة الكلمة! واليكم هذه الحادثة:
قبل أيام اطلعت على شهادة مدرسية لشاب مسلم يدرس الثانوية في مدرسة تبشيرية مسيحية والطالب هدف ان يطلعني على نتائجه المشرفة وعلى نجاحه الباهر "هناك". والحق يقال ان شهادته مشرفة وعلاماته ممتازة إلا ان أمرا واحدًا أغضبني في هذه الشهادة! فالشهادة ليس فيها علامة أمام موضوع الدين! ففهمت من ذلك ان الكلية لا تدرس الدين الإسلامي وان تدريس الدين المسيحي فيها يعطى للطلاب المسيحيين فقط!
وطالما الحال هكذا فقد أصبح ضروريًا توجيه السؤال لرجال التربية والتعليم في مدارسنا العربية المختلطة منها والموحدة من صنف واحد! أي ضرر يحدث لطلابنا مسلمين ومسيحيين إذا استمعوا لدروس الدين الإسلامي أو المسيحي مع بعض؟! وما المنفعة من الفصل بين الطلاب في دروس الدين بالذات! أليست الديانات السماوية متفقة على الفلسفة التي تميز الخالق بوحدانية والوهية عن بني البشر؟! الا تدعونا هذه الديانات السماوية كلها إلى عبادة الله طمعًا في نيل الجنة يوم البعث؟! هل يمكن ان نفرق بين مفهوم الديانة المسيحية القائلة المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة عن المجتمع الذي يقوم على قواعد السلام والمحبة؟!
فالمجتمع الإسلامي يسلّم أمره لله.. وهو بذلك ينفذ فعليًا مقولة "الدين المعاملة" ثم لا يفضل عربيا على أعجمي إلا بالتقوى! الم يعترف الدين الإسلامي بكل الديانات السماوية ويحترمها ويحافظ على مقدساتها! ناهيك عن النواحي الحضارية واللغوية والتاريخية العربية المطلوبة لكل عربي، مسلمًا كان أم مسيحيًا.
إن وضعنا اليوم كوننا مستهدفين جميعًا من قبل عدو واحد يحتم علينا مراجعة حساباتنا... علينا ان نعي الخطر الداهم علينا جميعًا وان نوحد صفوفنا في مواجهته والا فالفناء ينتظرنا، المسلم والمسيحي على حد سواء.

 


(دير الأسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ناجي العلي الداموني

featured

فلسطين ضحية الجغرافيا العربية

featured

الشجب لم يعد كافيا

featured

علاقة الأطر النسوية مع أحزابها

featured

"أمن" مَن بالضبط؟!

featured

نموذج ومعلّم للسياسة الإنسانية المتفائلة