الغَريبَة

single
يا حرام رايحة غريبة.. يا حرام رايحة غريبة..
هذهِ الكَلِمات الّتي كانت تَتَناقَلُ على ألْسِنَةِ نِساءِ القَريَة.. كُنْتُ أسْمَعها وأنا صَغيرة، ولَم أَفْهَم يومها ما هوَ المقْصود وما هُو مَعْناها...
أَذكُرُ عِندَما كُنْتُ صَغيرة، أَخَذَتْني أُمّي مَعَها لمناسَبَةِ عُرْسٍ في القَريَةِ، لما وَصَلْنا إلى البَيتِ، دَخلْنا إلى غُرفَة مَليئَة بِنِساءٍ يجْلِسْنَ على طراريح محشوّة بشُقَف قماش قديمة مفْروشَة على كُلّ جِهاتِ الغُرفةِ، وَتَحْتَها قِياس منَ القَشّ ممَدود على كلِّ مَساحَةِ الغُرفَة.
أَذكُرُ أَنَّ صَبِيَّة صَغيرة لا يَتعَدَّى عُمْرُها السّادِسَة عَشْرة كانَت تَجْلِسُ في صدْرِ الدّيوانِ، والنِّساء يجلسْنَ حَوْلها، وَأَذكُرُ أَنَّ للْغُرفةِ شُبّاكا خَشَبيٍّا عَريضا مَدهونا بالَّلونِ الأخْضَرِ الفاتِحِ، يُطِلُّ على شُرفَةِ الدّارِ. أَجْلسَتْني أُمّي عَلى الشُّبّاكِ، فتَقَرْفَصْتُ وَتَكَوَّرْتُ وَتمَسَّكْتُ بِقَضيبِ الحَديدِ الموْجودِ في وَسَطِ الشُّبّاكِ، وَأُمّي تجلِسُ أَمامي عَلى الأَرضِ، لأَكونَ الأَعْلى وأَرى الجَميع.
سحرتني إحْدى النِّساء بصَوْتها الجَميل العَذْب، كانت تُغَنّي أغاني حَزينَة، أغاني تُشْبِهُ النُّواحَ في المآتِمِ، ومن هذهِ الكَلِماتِ الّتي أَذْكُرُها: عالِمْوَدَّعي وْعالِمْوَدَّعي... تَعي يا يَمّا تَنِتْوَدَّعي، تَعال يا يابا تنِتوَدَّعي، تَعي يا خَيْتَه تَنِتوَدَّعي، تَعال يا خَيّا تنتوَدَّعي، تَعي يا عَمْتي...تَعال يا عَمّي...تَعي يا خالتي... تَعال يا خالي...تَعي يا سِتّي...تَعال يا سيدي...وَهكذا على الجيرانِ أيضًا...
كانت المرأة تُغَنّي وتبْكي وجميعُ النِّساء يُرَدِّدنَ وراءَها ويَبْكيْنَ، والبُكاءُ يزدادُ ويزدادُ، والصَّبِيَّةُ الجالسةُ في صدْرِ الدّيوانِ تبكي وتَبكي، لأُدركَ عندها أنَّ كلّ هذا البُكاء والنُّواح مُوَجَّهٌ لَها، وأنَّها هيَ المَقصودَة، وأنَّها هي العَروس.
العروسُ تبكي والجميعُ يَبكي، أذكرُ عندما رأيتُ هذا المَنظَر، انْتابَني الرُّعبُ، وأصابَني الذُّعرُ والخَوْف، وبِدونِ أن أشعُرَ، ولم أَدْرِ كيف ولماذا، بَدأَتْ دُموعي تَسحّ على وجْنَتَيَّ، بهُدوءٍ وصمْتٍ، ثمّ انْفجَرْتُ بِالبُكاءِ، وبَدأْتُ أَصرُخ، الْتَفتت أُمّي إليّ وقالت: حِتّى إنْتِ يا روحي عَمْتِبْكي عَالعروس عَشِنْها رايْحَه غَريبِه!
 سَحَبَتْني أُمّي من على الشُّبّاكِ، مسَحَت لي دُموعي، وأَجْلَسَتْني في حِضْنِها حتّى هَدأْت.
كانت غرفة العروس، على مَدار ثلاث لَيالٍ، تمتَلئ بنِساءِ وصَبايا القريةِ حتّى اليومِ الأَخير الذي سَتتْرُك العروس فيه قَرْيَتَها وأَهْلَها وناسَها إلى لا عَوْدَة.
أذكُرُ أَنَّ الشَّباب الكِبار، كانوا ينشغِلونَ خِلالَ النَّهار، بِتَجْهيزِ مَرْتَبَةِ العروس المُكوَّنة من طاولةٍ طويلة وعريضة، وكُرسي كنَبة لاستقبال العروس، بعدها يذهبون ويقطعون أغصانَ السَّروِ، ليُزيِّنوا بها مرتَبَةَ العروس، ويذهب بعض النِّساءِ إلى أحواض القرية، يقطُفْنَ من الأزهار الجميلة المُلوَّنة قَدْرَ المُسْتَطاع، لتَزيينِ إكليل السَّروِ بهذهِ الوُرود الجميلة، كي تَزيدَ المرتَبَة والعروس جمالًا ورَوْنَقًا وكِبْرِياءً.
العروسُ جالسة على المرتبة، كلّ نِساء وصبايا وأطفال القرية حوْلَها، الجميعُ يُصَفِّق، الجميعُ يُغَنّي وَيُردِّد، امرأَة تدُقُّ على الدُّربكّة، امرأة ترقُص وتَعزِم الأُخرى للرَّقص، كلّ واحدة ودَوْرها، وأنا جالسة على طاولة العروس، أُصفِّقُ وأُصفّق، أهزّ وأهزّ برِجْلَيَّ طربًا وفرحًا، يَشُدّني ويسْحرني رقْصُ النّساء، وأتعلَّمَ مِنهُنَّ حرَكات الأيدي.
يَصِلُ الغُرَباء لأَخْذِ العَروس، فيُخيِّمُ الهُدوء والصَّمْتُ على المكان، والبُكاءُ يزدادُ ويزدادُ أكثر وأكثر، وكأنَّ العروس كانت قد حضَرَت مَأْتَمها وهي حيَّة تُرزَقُ يوم فرحِها.
تدخل العروس إلى سيّارة مزيّنة بالورود والحبال الملوّنة، يصطفُّ أهلُ القرية رجالًا ونساءً،كِبارًا وصِغارًا على طول الشارع، لوداعها، تُخرجُ العروس يَدَها من شُبّاك السَّيّارة، تُلوِّحَ بمنْديلٍ أَبيض، والجميعُ يُلوِّح لها بأيْديهم، أسمعهُم يقولون: الله يْسهِّل عليكي، الله يُسْتُر عَليكي...
وهكذا أدركْتُ، منذ كنتُ صغيرة، ما معنى الغَريبة، فهمتُ عندها أنَّ الغَريبة هي الّتي تترُك وتُغادر بَلدتها، لتَعيشَ في بلْدةٍ غير بلْدتها، بلْدة لا تعرف ناسَها ولا تَعرف عاداتها وتقاليدها، وكم تكون هذه العروس الغَريبة عَزيزة وغاليَة على أهل بلْدتها، وأنّه من الصَّعب على الأهل إرسال ابنتهم إلى الغُربة، وعرفتُ أنّ ذلك البُكاء المرّ يُعبّر عن حبّ أهل القرية لابنتهم المغتربة، وأنّه ليس من السَّهل عليهم التّنازُل عن فردٍ من أفرادِها.
ولم يجل بخاطري في تلك الأيام البعيدة أنّني سأكون الغريبة التي يبكي عليها الآخرون.
قد يهمّكم أيضا..
featured

يا رَبَّ القوّات.. كنْ معنا

featured

أردوغان، النجم الفاشي الصاعد

featured

السلام طمأنينة للروح وليس للأرصدة في البنوك!

featured

غرب الظلمات – إبن ميكيافيلي-

featured

تحديات السنة الدراسية الجديدة

featured

التحريض باسم داعش

featured

قانون يسلب المواطنة - شهادات (2): أليس لهذا التية والتشريد... من آخر؟!

featured

ثقافة الانتخابات والعودة الى البيت