ينتهي الليل عندما يبزغ فجر جديد، ويهلُّ القمر بهلالهِ، بعد المُحاق، لكي يُبشِّرَ ببداية شهرٍ قمريٍّ جديد أو يُنبئنا بقدوم العيد، وتنبت السَّنابل الخضراء بعد موت حبَّات القمح في الحقل، وتُطفأ عتمة الزَّنازين عندما يكون شُعاع الأمل بالتَّحرير قويًّا، وتَهزمُ الأمعاءُ الخاوية لأسرى الحرِّيَّة، في غياهب السُّجون، الطَّاغوتَ بعزمهم وثباتهم وإرادتهم، ليطأوا الموت بالأمل الكبير بالحياة والتَّحرير، وتتحطَّمُ الأصفاد والقيود حين تكون إرادة الأسير صلبةً، وحين يستمسك أهل الحقِّ بالعروة الوُثقى، ينتصر الحقُّ على الباطل والدَّمُ على السَّيف، وينتصر الأسرى بتحريرهم..
"فإن لم احترق أنا، وتحترق أنتَ ونحترق نحن فمن ذا الذي ينير هذه الظُّلمات".
فالشَّمعة تحترق لتُنير العتمة وتُضيء الطَّريق الموحش لنرى أشياءنا وحروفنا وكلماتنا، واضحةً، كما هي وننبط في بواطن الأمور ونسْفِر الأقنعة عن الوجوه لتتبيَّن الحقيقة سافرة للقاصي والدَّاني..
إنَّ صمود أسرانا البطولي والأسطوري بإضرابهم عن الطَّعام وتحدِّيهم للجلاد الغاشم واستشهاد بعضهم في زنازين الطُّغاة تحت جميع أساليب و"فنون" بطش السَّجَّان وتعذيب المُحقِّق بطرق "إبداعيَّة" بغيضة وقاسية، ما هي إلا مؤشِّر ساطع بعدالة قضيَّة الأسرى الذين يحملون قضايا ومآسي شعبهم بكلِّ جوانبها وأبعادها على أكتافهم ويضعون دمهم على أكُّفِّهم، حيث يقفون أمام الصَّفِّ الأماميِّ في مواجهة أعتى احتلال وأشرس اضطهاد على وجه البسيطة، يقفون منتصبي القامة رافضين الذُّلَّ والهوان والغُبن والظُّلم، بكلِّ بسالة وعنفوان، دفاعًا عن كرامتهم وعزَّة شعبهم وحقِّه بالعيش في وطنه حرًّا كريمًا وشريفًا مستقلاً.
أقدِّم صباحيَّتي هذه للأسير الحيِّ والشَّهيد الحاضر فينا وأهله تضامنًا ومحبَّة ودعمًا ومشاطرتهم شعور السِّجن، كيف لا وقد مرَّت هذه النَّسمة المرَّة علينا مرَّتين.. وما زالت عائدتنا تتنفس هواء النَّفي النَّقيِّ والشَّريف، وشربنا من هذا الكأس الحنظل العذب..
وفي هذا الصَّباح كما في كلِّ صباح، أحيِّي الأسير على وقفته البطوليَّة بتحيَّة الاسير المحرَّر داود تركي أبو عائدة، حيث تمر في هذه الايام ذكرى وفاته، الرَّابعة:
حيِّ الأسيرَ مآثِرًا وكفاحا وانشُر نَداهُ على الوُجودِ جناحا
وانثُر على فخرِ العُروبةِ والورى فخرًا تَنكَّبَ للكفاح ِ سِلاحا
