لو تنبأ مؤرخ عربي قبل قرون لأرض السواد في وادي الرافدين بأنها سوف تبحث عما يبل الريق بسبب الظمأ لوصفه معاصروه بالجنون، وحين نسمع أن سبعة ملايين عراقي شردوا في الأرض لا يخطر ببالنا أن هناك سبعة ملايين دونم من أرض السواد شققها العطش، فما الذي حدث لهذا العالم الذي كان يشكو من الفيضانات ويقدم القرابين للأنهار استرضاء لها؟
النيل أصبح يجري بحذر بعد الاشتباك حول منابعه، ودجلة الذي روى الجنائن المعلقة وقال عنه ويل ديورانت صاحب قصة الحضارة إنه شقيق العذارى الخالدات قاصدًا أشجار النخيل لا يكفي ترابًا مهددًا بالتصحر، والفرات الذي قطعه صقر قريش وشيد أندلسًا من حرير مهدد أيضًا بالظمأ.
والبلدان التي كانت توصف بأنها سلة العرب أصبحت تشتري الفول من بكين والحمص من تايلاند واللحم من نيوزيلندا.
فهل جاء التصحر الذي أصاب الأرض موازيًا ومرادفًا لتصحر آخر أصاب العقل والروح؟
إن من كان ذات ربيع حضاري دائنًا للعالم أصبح الآن مدينًا ينوء بالديون، ويورثها بعد إضافة الربا إلى الأحفاد وأحفاد الأحفاد. إنها واحدة من مفارقات التاريخ، أن يتحول الفائض إلى نقصان والكثرة إلى قلة والوفرة إلى شحة، فبأية معجزة قَلَب الإنسان النعمة إلى نقمة؟
إن ما بدأه الغزاة أكمله المغزوون، وما يحدث الآن عربيًا هو ما يسمى إجهاز الجريح على ما تبقى فيه من حياة وعافية، فالتنمية حسب التقارير المتداولة عنها أقرب إلى الأنيميا، والأرقام تتولى نيابة عن اللغة وبلاغتها سرد الحقائق بحيث لا يكون هناك مجال للحذلقة وتهريب الوقائع، ورغم كثرة الأجراس التي تقرع على مدار الساعة، لا حياة لمن تنادي، فإما أن تكون الأجراس خرساء ومقلوعة الألسنة النحاسية أو الناس أصابهم صمم وبائي.
فالثروة تورث والفاقة أيضًا تورث والتمدد نحو المستقبل لاحتلاله وتحويله إلى رهينة يجب أن لا يكون بعيدًا عن مدار هذه الاحتلالات والاستيطانات التي تقضم الحاضر.
لقد عرفت البشرية حروبًا من طراز آخر غير هذا الذي نعرفه اليوم، وثمة دول تحاربت من أجل حفنة ملح عندما شح الملح، ففسد كل شيء، وحروب الماء وشيكة لكنها غير مأخوذة عربيًا بالجدية الكافية، ما دامت الاستراتيجية السائدة هي الحياة ليوم آخر فقط، وثمة من يتصرفون على طريقة من قال ليأت بعدي الطوفان رغم أنهم لا يجهرون بذلك.
وكما أن للتاريخ أكثر من وجه فإن للطبيعة أيضًا عدة وجوه، فالهواء الذي نتنفسه ونموت إذا غاب يقتلنا إذا تحول إلى إعصار، وكذلك الماء الذي يكون سببًا للموت من شدة الظمأ وسببًا أيضًا للموت غرقًا.
وحين نقول إن الأنهار ظامئة لا نعبّر بشكل مجازي عن واقع بالغ الجفاف، فثمة شعوب هاجرت بحثًا عن جرعة ماء.. وتلك وقائع في التاريخ لا سبيل إلى التهرب من الاعتراف بها، وهناك قصيدة ساخرة للراحل محمد الماغوط يقول فيها إن العرب بددوا أنهارهم في الغرغرة لكن الحقيقة هي أن العرب بحاجة إلى وقفة تأمل جادة ليدافعوا عما تبقى، سواء كان من تراب أو ماء أو كرامة قومية.
* شاعر أدرني
