*في الثمانينيات من القرن المنصرم جمعتنا غرفة صغيرة في مكاتب تحرير صحيفة "الاتّحاد الغرّاء"، وعرفته لسنوات عن قرب ، كان قمّة في التواضع منهلًا للفكر الحرّ التّقدّميّ*
عندما وصلني النّبأ الجلل لم أتمالك نفسي وانهمرت الدموع غزيرة على فقدان هذا المناضل العنيد، وقفزت إلى ذاكرتي قصيدة الشّاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري "عاشق من إفريقيا" لانطباق ما فيها على أديبنا ومناضل شعبنا العربي الفلسطيني الرّاحل عنا جسدًا الباقي معنا ومع أجيالنا القادمة أبدًا سلمان ناطور.
لم يمرّغ فقيدنا الغالي وجنتي أدبه على أعتاب صنم ، فكان هذا الأدب سيفًا مصلّطًا على عنق المحتل والمتآمر والخائن، لم يهادن يومًا ولم يتراجع عن مبادئه قيد أنملة، قال للقاتل انّه قاتل وللمحتل انّه شرس وأحمق وحثّنا أن لا ننسى لأنّ الذّاكرة هي التي تحفظنا وتحفظ تاريخنا.
لم يدر عليه أدبه رزقًا لأنّه لا يصلح للكسب، ليس لأنّه ضحل أو ركيك الأسلوب بل لأنّه أدب رائع ومقاوم تخافه السّلطة وتسعى إلى إسكاته، فعاش كاتبنا حياة متواضعة بعيدة عن البذخ يرضى بالقليل لأنّه أراد العيش الكريم قبل كل شيء، وأراد لأدبه أن يبقى مرفوع القامة عالي الجبين.
في الثمانينيات من القرن المنصرم جمعتنا غرفة صغيرة في مكاتب تحرير صحيفة "الاتّحاد الغرّاء"، وعرفته لسنوات عن قرب ، كان قمّة في التواضع منهلًا للفكر الحرّ التّقدّميّ، ورغم آلام الظّهر الّتي عانى منها آنذاك ثابر على عمله الصّحفي بصبر وأناة ، كان نبع ثقافة وأدب فاض على من حوله بحبّ وتواضع.
قاوم بكل ما أوتي الخدمة الإجبارية الّتي فُرضت عنوة على أبناء شعبنا من العرب الدّروز وقد دفع ثمن مواقفه التّقدميّة فاعتقل مرّات وفرضت عليه الإقامة الجبريّة لفترات.
فقدان أبي إياس خسارة كبيرة للإبداع والمبدعين ولأبناء شعبنا العربي الفلسطيني ولكل القوى التّقدّميّة في العالم، خسارة للثّقافة الإنسانيّة الخلّاقة وللالتزام القومي والأممي الحقيقي.
