الاحتلال، "الفيل" القابع وسط الغرفة

single

اذا لم نتحرر من الاحتلال، لن نستطع خلق مجتمع مختلف

  • "أية طريق علي ان أختار الآن؟" سألت اليس القط فأجابها: "الأمر متعلق الى حد كبير الى أين تريدين ان تصلي" (من رواية اليس في بلاد العجائب)


**
عدد نهاية العام من مجلة TheMarker التابعة لصحيفة "هآرتس" قدم لنا عدة أمثلة عن الأنظمة الاجتماعية المتبعة في الدول الإسكندنافية. هناك اختلافات بينها، ولكن بدلا من الغوص في الاختلافات من المهم الانتباه الى المشترك بين هذه الدول: بدلا من طغيان السوق هذه الدول تقترح أنظمة اجتماعية قوية وحكومات متدخلة تأخذ على عاتقها مسؤولية التربية والتعليم، الصحة والرفاه الاجتماعي. وبدلا من نظام تنافسي يترك الضعفاء فريسة له، هذه الأنظمة تقترح نظاما من التكافل الاجتماعي.
تكفي هذه "الصفات" المشتركة لتحدد لنا أفقا من أجل العمل للوصول اليه ولتحدد لنا اتجاها يحمينا من الضياع. معطيات نقطة الانطلاق لدينا جيدة نسبياً: فحركة الاحتجاج التي انطلقت في اسرائيل في الصيف الماضي كانت أكبر وأوسع من مثيلاتها في دول أخرى من العالم الغربي. قطعاً يمكن التفاخر بحركة الاحتجاج هذه، ولكن الأهم من ذلك هو معرفة جذور هذه الحركة وأسبابها: لماذا انفجرت حركة احتجاج كبرى بالذات هنا في البلاد؟
لأعوام طويلة اعتبر الجمهور الاسرائيلي أكثر اشتراكيا من قيادته. بخلاف دول أخرى، هذه الفجوة لم تؤد الى تغيير في القيادة، التي تم اعادة انتخابها مرات ومرات بسبب حصولها على شرعيتها على صعيد آخر. التجاهل المتواصل من قبل القيادة لمواقف الجماهير أدت في النهاية الى خلق احتجاجات ضخمة. ولكن هنا أيضا يكمن ضعف هذه الاحتجاجات: النظام لم يغير من أيديولوجيته الرأسمالية المتطرفة، وعلى الرغم من الاحتجاج فقوة الحكم لم تضعف. مع عدم وجود قوة قادرة على تغيير الحكم، لا تستطيع الاحتجاجات دفع القضية التي من أجلها خرجنا الى الشوارع الى الأمام – العدالة الاجتماعية.
حتى تؤدي حركة الاحتجاج الى تغيير، عليها مواجهة نظام الحكم بالذات في المناطق التي يحصل  منها على شرعيته، وعلى حركة الاحتجاج الاستعداد لنضال حقيقي على سلم الأولويات العام. فحركة الاحتجاج بماهيتها هي عبارة عن مطلب لتغيير الاتجاه: بدلا من طوفان الخصخصة من دون رقابة – توسيع المسؤولية الجماهيرية. بدلا من قضم الديمقراطية وتجويفها من كل مضمون – يجب توسيعها وتدعيمها في السياسة، في المجتمع والاقتصاد. بدلا من المواجهات الخارجية – تغيير اجتماعي داخلي.
حتى نخرج حركة الاحتجاج من المكان الذي تقبع به حالياً عليها مواجهة "الفيل" القائم في وسط الغرفة – وهذا "الفيل" هو هو الاحتلال. اذا لم نتحرر من الاحتلال، واذا لم نخرج من دائرة العداوة التي تقف بها اسرائيل منذ تأسيسها، لن نستطع خلق مجتمع مختلف. على حركة الاحتجاج فهم طابعها السياسي. طبعا انا متفهم لتقزز الجمهور الواسع في البلاد من أمراض السياسة. ولكن من المهم الفهم: ان السياسة هي الطريق الوحيد لإدارة الديمقراطية. البديل للسياسة السطحية والمليئة بالفساد لا يمكن ان تكون الانقطاع عن السياسة وانما خلق نوع بديل من السياسة.
السياسة لا تعني بالضرورة الدخول الى الساحة الحزبية. فالحركتيان اللتان شكلتا طابع الدولة أكثر من غيرهما من الحركات هما حركتان سياسيتان لا حزبيتان: الأولى "غوش إيمونيم" اليمينية والتي قامت بقيادة مشروع الاستيطان منذ نهاية أعوام ال-70. وحركة "سلام الآن" التي أعطت الدعم لبداية مسيرة السلام المتقطعة.
مقابل عناد النظام في البلاد بالامتناع عن تغيير اتجاهه، يجب ان نخلق عنادا أعظم في المقابل. لا توجد طرق مختصرة. علينا التحلي بطول النفس من أجل البدء بالمسيرة الطويلة للتغيير. حركة الاحتجاج عليها التحول لتكون حركة اجتماعية لاحداث تغيير عميق. اسرائيل لن تتحول الى اسكندينافية. ولكنها يمكن ان تتحول الى اسرائيل أخرى، لتتسع لنا جميعاً.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الى غزة الحبيبة أطيب التحيات

featured

بيبي في المصيدة

featured

عن أساس المقاطعة واستثناء التصويت....

featured

يوم الأرض الفِلَسطينيّ..

featured

عن الانتخابات البلدية

featured

الصورة التي رقصت على أنغام الحطة والعقال

featured

تجربة رائدة وغنية، لمرحلة هامة في كفاح جماهيرنا من اجل المستقبل

featured

الشرف في كمال الأدب لا في رنين الذهب