الطبيب عباس خان. من صاحب المصلحة بقتله؟
*هل كان أحد ما يحاول تدمير علاقات الرئيس السوري التي تتحسن باطراد، ولو أنها ما تزال مجمدة، مع بريطانيا والولايات المتحدة؟ من الذي يريد الحيلولة دون حدوث مثل هذا التحسن؟ المملكة العربية السعودية؟ بالطبع. قطر؟ بالقطع. إسرائيل؟ لم لا؟ لكن اقتراح أن أياً من هؤلاء الثلاثة يمكن أن يهندس مقتل الشاب الإنجليزي في سجن دمشقي يبقى منافياً للعقل بالتأكيد. في الأيام المقبلة، سوف نعرف المزيد من المعلومات بكل تأكيد*
التقيت فاطمة خان للمرة الأولى في السفارة السورية في بيروت في وقت سابق من هذا العام. كانت هناك تلتمس الحصول على تأشيرة حتى تتمكن هي وابنتها سارة من زيارة دمشق، والسعي إلى تسقط الأخبار عن ابنها المفقود. لم أكن أعرف أي شيء عن عباس خان حينذاك، ولكن - بما أنني كنت أعرف أن هناك تأشيرة تنتظرني- فقد وعدتُ السيدة بمعرفة كل شيء أستطيع الحصول عليه بمجرد وصولي إلى العاصمة السورية. وقد أخبرتني سارة بقصة شقيقها عباس، حدثتني عن مولده في لبنان، وزواجه وأطفاله، وكيف أنه –بعد أن تأثر بمعاناة المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الثوار في سورية- عبَر الحدود من تركيا ليحمل معدات طبية إلى حلب في العام الماضي.
ربما وقعت عندئذ مشادة مع الآخرين هناك حول ما إذا كانت المعدات ينبغي أن تباع أو أن تهدى بلا مقابل. كان عباس يتبرع بالأدوية مجاناً. ثم كان يتمشى في طريق ظن أنها آمنة عندما قبضت عليه قوات الحكومة السورية. هل كانوا يعرفون أنه قادم؟ كيف كانت عملية القبض عليه؟ لم تكن لدى الأسرة أي أخبار – لكنهم كانوا متيقنين من أنه كان على قيد الحياة.
اتخذت طريقي إلى دمشق وأثرت مسألة اختفاء عباس خان مع عدة مسؤولين في الحكومة السورية. كانوا متعاطفين. وأرادوا تقديم المساعدة. قلت إننا إذا استطعنا إثبات أنه ما يزال على قيد الحياة وفي قبضة سجن أمني، فإنني أود أن أراه -كي أتمكن على الأقل من التأكيد لعائلته أنه لم يقتل. لكنني أبلِغتُ بعد عدة أسابيع بأن جهاز "أمن الدولة" هو الذي يتعامل مع هذه المسألة، وبأن قضية عباس خان كانت في أيدي أعلى المسؤولين في سورية، وأن الحكومة السورية -وهذا مجرد افتراض من جهتي- ربما تحاول التعامل فيها مباشرة مع السلطات البريطانية.
قررت الانسحاب. على الأقل عندما سمعت أن فاطمة خان حصلت هي نفسها على تأشيرة دخول إلى دمشق، وأنها لم تتمكن من زيارة سورية فحسب، وإنما تمكنت من رؤية ابنها أيضاً وضمان أن يتم نقله إلى سجن أكثر تساهلاً وتوكيل محام ليدافع عنه لدى ظهوره في محكمة دمشقية. وقد زارت السيدة خان مختلف الوزارات بالإضافة إلى السفارات التشيكية والروسية، وهي تطلب كل الوقت مساعدة هذه الجهات في الإفراج عن ابنها. ولأنها تمكنت من الحصول على مزيد من تأشيرات الدخول، بدا أن عباس خان أصبح في أمان. ومهما استغرق الأمر من الوقت، فإنهم سيعيدونه إلى الوطن.
ثم أصبح يتضح بشكل متزايد أن الرئيس بشار الأسد نفسه كان منخرطاً في هذه القضية. لم تكن السيدة خان لتحصل أبداً على إمكانية الوصول إلى ابنها من دون إذن رئاسي. ولم يكن من الصعب أن نرى، بعد أن تخلى الغرب عن الخيارات العسكرية ضد سورية تحت الإكراه الروسي -وبعد أن عبر الشعبان البريطاني والأميركي عن رفضهما للبدء في خوض حرب أخرى في الشرق الأوسط، كيف أن وضع سورية الدولي قد تحسن.
لم يعد هناك المزيد من الدعوات التي يوجهها باراك أوباما إلى الأسد لـ "يتنحى" أو "يترك السلطة." لم يعد هناك المزيد من ادعاءات جون كيري بأن الأسد هو هتلر أو أسوأ من هتلر. ولم يعد زير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس يعلن، كما كان قد فعل قبل أكثر من عام، أن بشار الأسد لم يعد يستحق "العيش على هذا الكوكب". أصبح يتمّ إقران أعداء الأسد بشكل متزايد مع تنظيم القاعدة -عدو الغرب الأكثر إثارة للخوف بلا حدود من النظام السوري. كان الأسد في موقف مثالي لإطلاق سراح مواطن بريطاني -لأجل خاطر جورج غالاوي الذي يعرفه شخصياً- وجني الامتنان من الحكومة البريطانية، مهما كانت عاطفتها جافة. ثم، سار كل شيء خطأ. أصبح عباس خان ميتاً. وأُجبِر وزير الخارجية السوري فيصل مقداد -وهو رجل محترم وذكي- على شرح قصة انتحار أعتقد شخصياً بصراحة أنه لا يصدقها هو نفسه. فما الذي حدث؟
قبل هذا في العام 2005، عندما اغتيل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في بيروت، ألقى العالم باللائمة على بشار الأسد. وقد نفى بشار ذلك –ووصف صحفي أميركي كان معه لحظة سمع نبأ وفاة الحريري كيف تفاجأ بشار. ثم شاع حديث مفاده أنه كانت لجماعة جهاز أمن الدولة السوريين أسبابهم الخاصة ليريدوا الحريري ميتاً -كانوا يعتقدون أنه يتآمر مع الفرنسيين من أجل تدمير القوة السورية في لبنان، وبالتالي قرروا قتله- حتى لو أن ذلك سيفضي إلى إثارة ضجة من شأنها أن تجبر القوات السورية على مغادرة مرزبانيتها (ولايتها العثمانية) في بيروت. إن الشعور بالخيانة هو عاطفة أقوى من السياسة الحقيقية.
ولكن، إذا كان ذلك صحيحاً، فإن التداعيات أصبحت الآن تتجلى في موت الشاب الشجاع عباس خان. ذلك الرجل الذي كانت حياته قبل أسبوع واحد فقط أكثر قيمة بالنسبة للسيد الأسد من أي أجنبي آخر في سورية، تم "العثور عليه" ميتاً في سجن لأمن الدولة، في نفس عشية إطلاق سراحه لأجل نائب بريطاني يشكل شخصية موثوقة لعائلة الأسد. هل كان أحد ما يحاول تدمير علاقات الرئيس السوري التي تتحسن باطراد، ولو أنها ما تزال مجمدة، مع بريطانيا والولايات المتحدة؟ من الذي يريد الحيلولة دون حدوث مثل هذا التحسن؟ المملكة العربية السعودية؟ بالطبع. قطر؟ بالقطع. إسرائيل؟ لم لا؟ لكن اقتراح أن أياً من هؤلاء الثلاثة يمكن أن يهندس مقتل الشاب الإنجليزي في سجن دمشقي يبقى منافياً للعقل بالتأكيد.
في الأيام المقبلة، سوف نعرف المزيد من المعلومات بكل تأكيد. وسوف يكون الرئيس الأسد من بين الأكثر حرصاً على معرفة ما حدث في تلك الزنزانة في سجن كفار سوسة، حيث انتهى المطاف بعباس خان –الذي كان ينتظر ببالغ السعادة لحظة الإفراج عنه وإعادة لم شمله مع أسرته في لندن- متدلياً من منامته عشية حصوله على حريته نفسها. كيف مات، هو أحد الأسئلة. أما من قتله؟ فشيء آخر تماماً.
("ذي اندبندنت")
