ان المرحلة التي نعيشها اليوم محليا وعربيا وعالميا، هي من المراحل الحاسمة والهامة جدا والتي ستقرر مستقبل التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في عالمنا العربي كله وربما في كل الشرق الاوسط.
ان هذا الواقع ناتج عن التحولات الثورية التي تجري في عالمنا العربي منذ بداية هذه السنة الأمر الذي أثار وما زال يثير الاهتمام لدى مختلف القوى السياسية في منطقتنا وفي العالم كله، خاصة ان شعوبنا العربية عاشت مرحلة طويلة من الجمود القسري ولم تقم بأي تحرك جماهيري ثوري خلال هذه الفترة وان اي تحرك جماهيري كان يقمع بالحديد والنار خلال فترة قصيرة من قبل اجهزة السلطة في هذه الدول.
ان الواقع يؤكد اليوم ان شعوبنا العربية اخذت تتخطى حاجز الخوف وبدأت تأخذ مصيرها بأيديها من خلال ثوراتها المظفرة ضد الأنظمة الدكتاتورية والمتخلفة، وكانت بداية هذا التحرك الثوري الهام من قبل جماهير الشعب التونسي البطل الذي استطاع خلال فترة قصيرة نتيجة لاصراره ووحدته الثورية الاطاحة بنظام حكم زين الدين بن علي الذي استمر يرزح على كاهل الشعب التونسي الطيب عدة عقود من الزمن.
اننا نرى اليوم ان جماهير الشعب التونسي الذين صنعوا هذا الانتصار ما زالوا يراقبون ويلاحقون التطورات الداخلية والخارجية من صد القوى المضادة التي تعمل على اجهاض هذه الثورة الجبارة ومما لا شك فيه ان القوى الثورية التي قادت هذه الثورة الجبارة قادرة على حمايتها من اعدائها، وعمل بمثابرة على تطورها ومن اجل تحقيق الاهداف الحقيقية التي قامت من اجلها وهي تحقيق الحرية والدمقراطية للجماهير الشعبية في تونس الخضراء، وان هذا الشعب يستمد قوته واصراره على تحقيق اهداف الثورة، اولا بالاعتماد على وحدته وكذلك بالاعتماد على مقولة شاعر تونس الكبير ابو القاسم الشابي الذي قال:
اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
لقد جاءت بعد الثورة التونسية ثورة الشعب المصري البطل شعب احمد عرابي وسعد زغلول وجمال عبد الناصر، الذي استطاع ايضا الاطاحة بحكم (السادات- مبارك) الذي استمر يرزح على كاهل هذا الشعب اكثر من اربعة عقود من الزمن، هؤلاء الحكام السادات ومبارك الذين اجهضوا كل الانجازات التي حققها نظام جمال عبد الناصر واتجهوا اتجاها معاكسا تماما وانتقلوا من موقف معاداة الاستعمار الى الارتماء في احضان الاستعمار وبشكل خاص الاستعمار الامريكي العدو الاساسي للشعوب العربية وللشعب العربي الفلسطيني بشكل خاص الامر الذي ادى بهم الى توقيع الاتفاقية المشؤومة، اتفاقية "كامب ديفيد" هذا الاتفاق الذي ادى عمليا الى اخراج مصر من حلبة الصراع العربي الاسرائيلي والى التخلي عن دورها القيادي في العالم العربي، وفي النهاية الى ضرب امكانية التنسيق بين الدول العربية وكذلك ضرب التعاون العربي الصادق ضد العدوان الاسرائيلي المستمر على الشعوب العربية عامة والشعب العربي الفلسطيني خاصة، وان ما يجري اليوم في القدس وغزة والضفة الغربية من موبقات الاحتلال الاسرائيلي الا نتاج هذه الاتفاقية المشؤومة.
ان الثورة التي قام بها شباب مصر والشعب المصري هي ثورة حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولكن الخطر ما زال يتهددها من قبل فلول النظام السابق ومن قبل الاستعمار والحركة الصهيونية الممثلة بحكام اسرائيل والرجعية العربية، وان جميع هذه القوى تعمل بتنسيق كامل فيما بينها من اجل ضرب هذه الثورة وحرفها عن مسارها الثوري الطبيعي.
ان ما يجري اليوم على الساحة المصرية في ميدان التحرير وفي السويس وباقي المدن المصرية من اعتصامات من قبل شباب الثورة في هذه الميادين هذه القوى التي صنعت الثورة قادرة على حمايتها بالرغم من كل المؤامرات التي تحاك ضدها من مختلف القوى الرجعية المحلية والعالمية. ان لثورة مصر وشعبها مكانة خاصة وتأثيرا كبيرا على التطورات المستقبلية في منطقتنا بشكل عام وعلى العالم العربي والقضية الفلسطينية بشكل خاص. انني اراقب باستمرار برنامج "ناس بوك" الذي تقدمه الاعلامية الدكتورة هالة سرحان والذي تستضيف فيه نخبة من الاعلاميين والسياسيين المصريين الذين يبحثون في تطور الثورة المصرية، وخلال هذه اللقاءات يطرحون مختلف المواقف والسيناريوهات المحتملة من قبل اعداء الثورة ومن خلال متابعتي لهذا البرنامج ازداد ثقة اكثر بانتصار الثورة وتحقيق مطالبها كاملة خاصة وان الذين ركبوا موجة الثورة من امثال محمد البرادعي وحركة الاخوان المسلمين ترى ان جماهير شباب الثورة والقوى الوطنية الاخرى تعمل على تحجيمهم على الساحة السياسية المصرية، خاصة وان حركة الاخوان المسلمين تحاول اليوم ايجاد تواصل مع الولايات المتحدة الامريكية.
لقد جاء بعد هذه الثورات الناجحة والهامة التحرك الجماهيري من قبل الشعب اليمني الذي كان في البداية يطالب باصلاحات ديمقراطية وضد التوريث وكانت وما زالت تحركات سلمية بالرغم من كل المصاعب التي تواجهها هذه الجماهير من قبل الطغمة الحاكمة بقيادة علي عبد الله صالح. ولكن اليوم ارتفع سقف المطالب بعد الاعتداءات التي جرت ضد المتظاهيرين حيث اصبح المطلب الاساسي هو اسقاط النظام ورحيل علي عبد الله صالح. وكلنا ثقة وامل ان الشعب اليمني البطل الذي بدأ تحركه الثوري لن يتراجع عن اهدافه لانه مصّر على تحقيق اهدافه بالحرية والتحرر والوصول الى بناء اليمن الديمقراطي الحقيقي.
لقد تباشرنا خيرا عندما بدأ الشعب الليبي في تحركه الجماهيري ضد نظام القذافي الرابض على كاهل هذا الشعب منذ اكثر من اربعة عقود وقلنا هذا تحرك ثوري جديد في بلد عربي هام وله مكانة ايضا في عالمنا العربي نتيجة لموارده الطبيعية الهائلة، ولكن هذه البشرى والفرحة لم تدم طويلا نتيجة لقيام المجلس الثوري باستدعاء الحلف الاطلسي للتدخل المباشر في ليبيا، وكلنا يعرف دور هذا الحلف العدواني على الشعوب بشكل عام وعلى الشعوب العربية بشكل خاص.
انني اعتقد ان اي قوى تسمي نفسها ثورية تعتمد في تحركها على الاستعمار والقوى الاجنبية الطامعة في خيرات الشعوب ليست قوى ثورية حقيقية، لانها في الواقع ترمي نفسها في احضان الاستعمار وحلف مثل الحلف الاطلسي المعادي للشعوب لم ولن يجلب الخير لشعوبها بل يجلب الدمار وهذا ما يجري في ليبيا اليوم وكذلك في العراق الذين استعانوا بالاستعمار الامريكي ضد نظام صدام نراهم اليوم اسوأ بكثير من صدام وكذلك ما جرى في افغانستان.
ان هذا الموقف ينبع من ثقتنا بالشعوب انها هي فقط القادرة على تحرير نفسها من الحكام الدكتاتوريين والفاسدين وليس القوى الخارجية التي لها مصالح خاصة من اجل الاستيلاء على ثروات الشعوب في هذه المنطقة، وان الشعب الليبي هو وحده المخول بالاطاحة بنظام القذافي الدكتاتوري والفاسد.
ان التحرك الجماهيري الذي بدأ في سوريا الذي رفع شعارات واقعية وهامة والتي في جوهرها المطالبة بالاصلاح السياسي والاجتماعي والمطالبة بالديمقراطية وتغيير الدستور لا شك انها مطالب عادلة وهذا عمليا الهدف منه وهو من اجل مستقبل سوريا وتطورها واستمرارها في اخذ دورها المتميز في الوقوف في وجه الاستعمار ومخططاته في هذه المنطقة ضد شعوبها بشكل عام وضد شعبنا العربي الفلسطيني بشكل خاص. هذا المخطط الذي يهدف الى حرمان شعبنا العربي الفلسطيني من حقه في الحرية والاستقلال والتخلص من الاحتلال الاسرائيلي. لقد كنا وما زلنا مع جماهير الشعب السوري في مطالبه العادلة من اجل الحرية والديمقراطية والتعددية الحزبية ومن اجل التخلص من البنود في الدستور التي تعطي السيطرة الكاملة لحزب البعث وكذلك ضد اسلوب التوريث، هذا الاسلوب المرفوض في ظل نظام جمهوري ديمقراطي صحيح.
ان القوى السلفية وقوى الاستعمار والرجعية السورية المرتمية في احضان الاستعمار الامريكي والفرنسي، قد استغلت هذا التحرك الجماهيري الصادق، وركبت على الموجة من اجل تحقيق اهدافها التي تتناقض بشكل مطلق مع اهداف وتطلعات الشعب السوري الذي يهدف من تحركه هذا تحقيق المزيد من الحرية والديمقراطية.
ان التحرك الذي قام به السفير الامريكي في حماه ومن بعده السفير الفرنسي في داخل مدن سوريا ما هو الا مثالا واضحا على تدخل هذه الدول الاستعمارية في الشؤون الداخلية للشعب السوري، لذلك ليس صدفة ان قوى المعارضة الوطنية الحقيقية في سوريا رفضت التعاون مع هذه القوى الخارجية، التي تهدف الى بذر الفتنة الدينية والطائفية بين الجماهير السورية، من خلال استعمال السلاح من قبل القوى السلفية وبعض القوى المأجورة من قبل الاستعمار، ان هذا الاسلوب مرفوض من قبل القوى الوطنية لانها تعرف ان هذا العمل يؤدي الى عرقلة عملية الاصلاح والتحول الديمقراطي الذي يعمل من اجله الشعب السوري.
قبل ايام استمعت الى لقاء تلفزيوني مع الرفيق الدكتور قدري جميل امين اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين الذي تحدث في هذا اللقاء عن اهمية المطالب التي ترفعها الجماهير، وفي الوقت نفسه رفض هذه الجماهير لاستعمال السلاح من قبل قوى تسمي نفسها معارضة وتتعاون مع القوى الخارجية المعادية للشعب السوري وأعطى مثلا كيف ان قوى المعارضة الحقيقية حمت مراكز الدولة من المسلحين السلفيين خلال المسيرات الجماهيرية السلمية، لانهم رأوا في هذا الاسلوب هو ضرب للتحرك السلمي الصادق للجماهير الشعبية في سوريا، وكذلك محاولة لضرب العلاقات الاجتماعية المتميزة في سوريا بين مختلف الاديان والطوائف التي عاشت وما زالت تعيش في سوريا بوحدة وتفاهم ووئام كامل. وقد أكد ايضا في هذا اللقاء على اهمية الاسراع في الاصلاح وكذلك اهمية مشاركة القوى الوطنية الحقيقية في المساهمة الجادة في عملية الاصلاح والديمقراطية التي تريدها الجماهير الشعبية في سوريا.
وكذلك استمعت الى قسم من جلسة الحوار الوطني التي عقدت يوم الاحد 2011/07/10، لا شك انني ارى بها بادرة هامة من اجل مستقبل التحول الديمقراطي في سوريا سلميا. وان البيان الذي صدر عن هذا اللقاء والذي اوصى بتشكيل لجنة قانونية لصياغة دسنور جديد عصري يضمن التعددية السياسية والعدالة الاجتماعية وضمان الحقوق الاساسية للانسان، هو بادرة ايجابية اولا في الطريق الصحيح.
ان الواقع يؤكد ان التحول السلمي للسلطة هو افضل الطرق من اجل الوصول الى الاهداف المنشودة لشعوبنا العربية في هذه المرحلة.
ان الثورات والتحرك الجماهيري قد بدأ في الدول التي تسمي نفسها جمهوريات وهذا شيء ايجابي من ناحية، ولكن من الناحية الاخرى والمؤسف حقا ان الشعوب التي تعيش تحت سيطرة الحكم الملكي والاميري ما زالت تراوح مكانها ولم تتحرك بالشكل المناسب لمثل هذه الظروف الثورية الجديدة والمتغيرة في عالمنا العربي اليوم وكأن شعوب هذه الدول تعيش في بحبوحة من الديمقراطية والهدوء والاستقرار، لكن الحقيقة هي ان قيادات هذه الدول تمارس اساليب القمع والاستبداد ضد شعوبها وانطلاقا من هذا الواقع هي اكثر من غيرها بحاجة الى الثورة والتغيير من اجل احداث تحول ديمقراطي الامر الذي يؤدي حتما الى انطلاق هذه الشعوب للالتحاق بتطور هذا العصر.
صحيح انه جرى تحرك جماهيري هام من قبل جماهير الشعب في البحرين، هذا التحرك السلمي الذي لم يطالب بازاحة الملك في البحرين عن عرشه بل فقط رفعت مطالب شعبية محدودة مثل الاصلاح السياسي والاجتماعي وزيادة الحريات الديمقراطية للجماهير وايجاد فرص عمل للعمال ولا شك انها مطالب عادلة والتظاهر كان سلميا. فماذا كان الرد على هذه المطالب من قبل السلطات في البحرين، كان الرد استدعاء قوات من مجلس التعاون الخليجي من اجل التدخل العسكري لقمع هذا التحرك الجماهيري في البحرين وهذا التدخل كان بقيادة المملكة العربية السعودية الامرالذي ادى الى قمع هذا التحرك الجماهيري في هذه المرحلة.
في نفس هذه الفترة جرى ايضا تحرك شعبي محدود في الاردن وفي المغرب، ونتيجة لمثل هذا التحرك ورؤيتهم لدور مجلس التعاون الخليجي في قمع الهبة الشعبية في البحرين تقدم الملك الاردني ومن ثم الملك المغربي بطلب الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي، والذي يعني من الناحية العملية اقامة حلف جديد بين جميع الدول التي يحكمها الملوك والامراء في العالم العربي. ان هذا التحالف الجديد هو تحالف خطير ضد شعوب هذه الدول وفي الوقت نفسه هو تحالف في خدمة مصالح الاستعمار الامريكي واعوانه حكام اسرائيل في هذه المنطقة، خاصة وان حكام قطر، هذه الامارة التي توجد على اراضيها اكبر واخطر قاعدة عسكرية امريكية يحاولون هم وحكام السعودية أخذ الدور القيادي في هذا التحالف الدنس ضد شعوب المنطقة، خاصة وان هؤلاء يملكون وسائل اعلام هائلة يستغلونها من اجل الدفاع عن مصالحهم وفي قلب الحقائق واعطاء الشرعية لهذه الانظمة الاكثر رجعية والاكثر تخلفا سياسيا واجتماعيا في عالمنا العربي كله. وان القنوات التابعة لهم مثل "الجزيرة" و "العربية" هما اكثر القنوات الناطقة بالعربية وباللغات الاخرى تقوم بدور خاص في خدمة السيد الاكبر لهؤلاء، الولايات المتحدة الامريكية التي تعتبر اكبر عدو لشعوب العالم عامة ولشعوبنا العربية خاصة، هذا بالاضافة الى القنوات السلفية والقنوات التي تظهر جديدا في هذه الايام على الساحة الاعلامية والممولة ايضا من قبل الولايات المتحدة الامريكية وعملائها في هذه المنطقة، والتي اخذت على عاتقها خلق البلبلة واثارة الفتنة الدينية والطائفية في بعض الدول العربية وبشكل خاص في مصر وسوريا.
الخلاصة: ان حزبنا الشيوعي كان وما زال موقفه الواضح، مع الشعوب العربية في معركتها وثورتها ضد حكامها الرجعيين، وفي الوقت نفسه مع هذه الشعوب ضد اي تدخل اجنبي في شؤون دولها الداخلية، ونحن اول من رفع الشعار هنا مع الشعوب العربية ضد الاستعمار وليس مع الاستعمار ضد الشعوب العربية، وانطلاقا من هذا يجب التأكيد دائما على الموقف الذي يطرحه حزبنا الشيوعي حول معرفة العدو الاساسي لشعوبنا العربية الذي تآمر دائما وما زال يتآمر على هذه الشعوب وعلى شعبنا العربي الفلسطيني بشكل خاص.
ان هذه القوى الرئيسية هي الاستعمار وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية والحركة الصهيونية الممثلة بحكام اسرائيل وكذلك الرجعية العربية التي ترى ان مصالحها مرتبطة بالاستعمار، ان هذا التحديد الواضح للعدو الاساسي هو المفتاح لطرح المواقف الصحيحة في مثل هذه الاوضاع المتغيرة التي تعيشها شعوبنا العربية عامة وشعبنا العربي الفلسطيني خاصة، وكذلك نحن الجماهير العربية الذين تمسكنا في البقاء في وطننا الغالي الذي لا وطن لنا سواه.
ومن الضروري رؤية الواقع ان اي قوة تستعين بقوى خارجية وبشكل خاص مثل الحلف الاطلسي والاستعمار الامريكي لا يمكن ان تعتبر قوى تحررية.
في النهاية كلي ثقة وامل ان تستمر هذه الحركة الثورية الصادقة لشعوبنا العربية وان تجتاح كل عالمنا العربي من اجل خلق عالم عربي جديد ثوري وديمقراطي متنور.
(عرابة البطوف)
