*في ذكرى الأربعين لرحيل قدس الأب عـوّاد (سبيريدون) عـودة عـوّاد (1932- 2016)، كاهن رعيّة الروم الأرثوذكس في عبلّين منذ العام كانون الأوّل عام 1970، كُتب الكلام التالي الذي ألقِيَ بعضه في الاحتفال التأبينيّ الذي أقيم في قاعة الرشيد يوم السبت 16.4.2016*
أطفالًا صغارًا كنّا حين وجدناها أمامنا كبيرةً تملأ الحقل خضْرةً ونَضرةً وبرَكةً. كبِرنا، وتلك المبارَكة كبرتْ أمامنا وتَنامتْ فينا.
زيتونةً كان "أبـونا عـوّاد"... زيتونةً تَسنّى لنا كثيرًا أن نجتمع حولها. وها نحن اليوم كذلك بفضله يلتمّ شملنا هنا، كما اعتاد هو دومًا أن يجمع حوله الأبناء وأبناء الأبناء.
زيتونةً جليليّةً وارفةً كان، قداسةً وخيرًا، على خُطى وهَدْيِ المعلّم الجليليّ العظيم الذي علّم البشريّة كيف تَكون إنسانيّة.
زيتونةً عبلّينيّة كان، لأنّه عميق الجذور في أرض هذا البلد.
كالزيتون كان، وما ذاك بمستغرَب؛ فالذي يعشق الزيتون قد يغدو كمثله. المعشوق بلا ريبٍ يترك في العاشق أثرًا. صفات المعشوق بعضها قد يتسلّل إلى العاشق من حيث يدري ولا يدري. وَ "أبـونا عـوّاد" أمضى عمره المديد العريض وهو في حالة عشق مع الزيتون -والحقل خيرُ شاهد.
كالزيتون كان، لأنّه جزء منّا. زيتونةً كان، لأنّنا عرفناه في العديد العديد من جوانب حياتنا كزيتوننا الذي يرافقنا، زيتًا وحَبًّا وحُبًّا؛ ظلًّا ومِظلّةً؛ سمادًا ووَقودًا ودفئًا؛ أثاثًا وأيقوناتٍ؛ عطفًا وعطاءً وعلاجًا ودواءً... كزيتوننا العميق العريق هو "أبـونا عـوّاد". رافقَنا في الولادة وفي الرحيل؛ في الخطوبة وفي الزواج؛ في العُمّاد وفي الأعياد؛ وفي مناسَبات ومناسَبات...
زيتونةٌ أنتَ، لأنّكَ مبارَكًا مبارِكًا كنتَ. وزيتونةً ستبقى. ستبقى في أرضنا، "أبـونا عـوّاد"، أرسخَ من شجرة... أعطرَ من زهرة... أكثرَ من ذكرى...
**الـطـيّـبـون أصـحـاب الـدَّوْر الـطـيّـب
كان للراحل الحاضر دَوْر طيّب في ترسيخ علاقات طيّبة بين أبناء طائفة الروم الأرثوذكس وأبناء طائفة الروم الكاثوليك في عبلّين. قد يستغرب البعض تناوُلي مثل هذا الموضوع (ولا سيّما صغار السنّ من بيننا). تاريخ بلدتنا ليس مضيئًا في كلّ زواياه. لقد شهدت عبلّين قديمًا أوضاعًا غير سليمة وغير مشرِّفة بين أبناء تَيْنِك الطائفتين المسيحيّتين، حتّى على مستوى نيّة التصاهُر في بعض الحالات. وكان لوجود علاقة مودّة عميقة طيّبة دائمة بين الكاهنين، "أبـونـا عـوّاد" راعي رعيّة الأرثوذكس، وَ "أبـونـا إلـيـاس" راعي رعيّة الكاثوليك (في ما بعد: سيادة المطران إلـيـاس شـقّـور الموقَّر)، كان مجرّدُ ذلك عاملًا من عوامل التلطيف وخلق الأُلفة.
ومن ذكرياتي الطفوليّة العذبة المتّصلة بهذا الشأن أنّ "أبـونا عـوّاد" كان، على مدى فترة غير قصيرة، يبعث في صباح كلّ أحد بقربانة كبيرة (أو باثنتين) إلى كنيسة مار جريس للروم الكاثوليك، لتُستخدَم هناك في إعداد الذبيحة الإلهيّة. عشرات المرّات وَكَّلَني أنا الفتى الصغيرَ تحديدًا بذلك. بفرح كبير كنت أذهب إلى مسكن الراهبات هناك في الأنطوش مقدِّمًا القربان، وبفرح غامر كنت أعود إلى كنيسة مار جريس للروم الأرثوذكس. بفرح غامر، لأنّ البشاشة واللطف والحِفاوة التي كانت في انتظاري حين تستقبلني كلّ من الراهبتين المرحومتين ("جِـزْلـيـن" وَ "نـزاريـنـا")، وأبونا إلـيـاس شـقّـور كذلك، كانت حالةً من الرقّة والجَمال. لست أنسى. كيف أنسى؟! من دواعي الفرح أنّي كنت مع "أبـونا عـوّاد" -بذلك الفعل البسيط- حلقةَ وصل بين شقيقتين؛ بين كنيستين.
لسنا ننسى الفرح المشعّ الذي كان ينبعث من مُحيّا كلّ من هذين الرجلين الأخوين (كاهن الروم الأرثوذكس وكاهن الروم الملكيّين الكاثوليك الذي صار في ما بعد مطرانًا) كلّما التقيا وتعانقا. كم تعانقت قلوب والتقت مشاعرُ بفضل ما شاع بينكما من مودّة واحترام وتقدير! منذ وعيتُ على الدنيا ووُجودكما يملأ الوجدان. بعضٌ من ذكرياتنا أنتما؛ بعضٌ من ماضينا وحاضرنا وآتينا.
في شأن خلق تعايش في عبلّين بين أبناء الطوائف المختلفة، يحضر إلى ذهني كذلك أناس آخرون أسهموا في ذلك، وبعضهم لا زالوا يسهمون. من بين هؤلاء شيخنا المحبوب أبو الرجا، فضيلة الشيخ حسن حيدر الذي عاد من الديار الحجازيّة قبل أسبوعين حيث أدّى العمرة، ويشرّفنا اليوم بحضوره بيننا ومشاركته. حمدًا لله على سلامتك، يا شيخنا. أنا، كالكثيرين في هذه البلدة، أعتقد يقينًا أنّ الشيخ حسن هو من أكثر العبلّينيّين حرصًا، بالفعل كما بالقول، على تقريب قلوب أهل عبلّين مسيحيّين ومسلمين.
أسوق هذا يَحْدوني أمل في أن يعمل الطيّبون في هذه البلدة دومًا على جعل العيش طيّبًا هنا، بتعزيز الروح العبلّينيّة الحلوة بين أبناء البلد الواحد، من مختلف الأطياف المذهبيّة والعقائديّة والسياسيّة والعائليّة والحاراتيّة وسِواها... تلك هي الخدمة الجليلة التي يمكن أن يقدّمها الطيّبون العقلاء لبلدة نحبّها مَهْما حدث، نحبّها ونخشى عليها من أبنائها أنفسهم. نريد أن نحبّها وأن يزداد هذا الحبّ وأن يتحوّل إلى فعلٍ نبيل، وعملٍ مثابر دؤوب، وخدمةٍ جليلة حقيقيّة، وإن ساءت أمورها في بعض الشؤون والظروف وصارت غير مشرِّفة. أُسْرتنا حين تسوء أوضاعها لا ندير لها ظهرنا. أُسْرتنا حين تتردّى أحوالها تكون أحوجَ ما تكون إلى كلّ فرد منّا. وخدمة البلد لا تعني أن نصبح جميعًا رؤساء وأعضاء في سلطتها المحلّيّة، على سبيل المثال. خدمة البلد قد تكون من هذا الموقع ومن غيره وغيره... نهتمّ ونخدم ونفيد، فنَكون عظماء كما علّمَنا المعلّم الكبير -له المجد.
** فـي الـتـجـلّـي
على امتداد أعوام وأعوام، اعتدنا في التاسع عشر من آب أن نلتقي "أبـونـا عـوّاد" في بيت خالي جميل. المناسَبة: عيد التجلّي.
قبل تسعة أعوام، التقينا في تلك المناسبة كالمعتاد هناك في المنزل العامر المضياف، وكالمعتاد بحضور "أبـونا عـوّاد" الذي كان آنذاك يُعِدّ العدّة للسفر إلى سوريّا في سياحة دينيّة لبعض الأماكن المقدّسة (تلك الرحلة التي أفْضَتْ إلى إجراء تحقيقات معه من قِبل أجهزة الأمن -يا لَلعار!). يومذاك، حين لاحظ "أبـونـا عـوّاد" من خلال حديثنا عن سوريّا أنّي سوريّ الهوى (ولا زلتُ سوريَّ الهوى -بل لقد تنامى مضاعَفًا هذا الهوى في السنوات الأخيرة، وصار مزيجًا من هوًى واهتمام وهَمّ)، اقترح علَيَّ جادًّا مُلِحًّا أن أنضمّ إلى تلك الرحلة. لست أذكر ما منعني من المشاركة، ولكن ما أذكره وأعرفه أنّي ندمت شديدًا. لو شاركتُ، لكنتُ تمكّنت من أن أعاين بلادًا عريقة أعتبرها وطنًا، وطنًا لا يشكّل لي بديلًا عن وطني هنا. والآن أنا نادم ندمًا أشدّ. لو شاركتُ، لكوّنتُ ذكريات مع "أبـونـا عـوّاد" لا تمّحي، ولَتَحدّثتُ عنها الآن في ذكراه العطرة. كم خسرتُ!
**الـصـوت الـنـادر
لا أظنّ أحدًا قد استغرب شديدَ استغراب أنّ الكثيرين منّا في كلامهم وأحاديثهم قد ذَكروا ويَذكرون صوت "أبـونا عـوّاد"، مُشِيدين مدفوعين بإعجاب فائق بهذا الصوت النادر. إحدى الأخوات العزيزات أخبرتني بسرٍّ هو ليس بِسِرّ. هناك عند الكنيسة، بعد أيّام من تشييعنا لجثمان أبـونـا عـوّاد، وصوتُه المسجَّل ينبعث مرتّلًا، قلتُ لتلك الأخت العزيزة بمداعَبة كلّها جِدّيّة واقتناع: "في ظروف أخرى مغايِرة، كان في مستطاع مَن تحمل أوتار حنجرته صوتًا كهذا الصوت أن يكون مطربًا بامتياز"! قالت لي تلك الأخت مبتسمة محاوِلة إخفاء تأثُّرها والعبرات تترقرق في مقلتيها: "أتعرف...؟ حين كنّا صغارًا، كنّا في عيد الظهور الإلهيّ (الغطاس) ننتظر بلهفةٍ قدومَ "أبـونا عـوّاد" إلى بيتنا، كي نستمع إلى صوته عن كَثَب يملأ المكان".
في عيد الظهور الإلهيّ، حين كانت الأوضاع تسمح، كانت البيوت موعودة بمجيء "أبـونا عـوّاد" إليها، مصطحبًا معه الماءَ المقدّس وخُصَل الزيتون، ليرشّ بعضًا من رذاذ ذاك الماء في زوايا البيوت مرتّلًا بصوته المعجِب: "باعتمادك يا ربّ في نهر الأردنّ"... كان يرتّل، فتنتشي الأرواح والآذان، وتتبارك الجدران. تغيّرت الأوضاع، إذ كثرت المنازل، وتقدّم "أبـونا عـوّاد" في السنّ، ولم يعد ذاك التقليد ممكنًا. تغيّرت الأوضاع، وضاع تقليدٌ دينيّ لطيف نذكره بحنين.
لا يخفى عنكنّ وعنكم، أيّتها الأخوات، أيّها الإخوة، أنّ الصوت ليس مجرّد ذبذبات تنبعث من أوتار الحُنجُرة. الصوت ذوق وروح وإحساس. وليس من قَبيل المصادفة إطلاقًا أنّنا في عامّيّتنا نقول عن الصوت "حِـسّ" (يا لَظَرفِ العامّيّة!). وصوتك، يا "أبـونا عـوّاد"، صوتُك القادر القادم من أعماقك وبهائك، صوتُك /حِسُّك كان مَبعَثَ استحسانٍ وإيمان وطرب -كان ولا يزال؛ فهو كذِكْراك العاطرة سيرافقنا دومًا.
قد يتحفّظ البعض من اختياري للكلمة "طرب" في توصيفي لصوت "أبـونا عـوّاد"، لكنّي لا أفضّل غيرها عليها، ولا أرى في ذاك عيبًا؛ وذلك أنّي أحمل اعتقادًا راسخًا أنّ الصلة التي تَجْمع بين أثرِ الصلاة الصادقة وأثرِ الغناء الراقي ليست صلةً واهيةً.
كنتُ، ولا زلتُ، حين أسمع صوت "أبـونا عـوّاد" أشعر بمزيج غريب من طرب وتَسامٍ وخشوع. حين يرتّل، يحملني الطرب بجناحيه عاليًا عاليًا. وحين كان يتكلّم، كان صوته الرخيم العذب يطربني كذلك. ولقد أحسن أبناء المرحوم صنعًا، مشكورين، إذ اختاروا أن يُصْدروا -إضافةً إلى كتيّب التأبين- قرصًا مدمجًا يتضمّن صلواتٍ وتراتيلَ بيزنطيّةً عذبة يؤدّيها الصوت العذب، صوتُ "أبـونا عـوّاد"، الصوتُ الذي أدّى أصعب وأطيب الألحان البيزنطيّة. تلك الألحانُ من طبيعتها في الأصل أنّها تُسْكنك السماء وأنت على الأرض، ولكنّها ألحان صعبة الأداء، فيأتي صوت "أبـونا عـوّاد" بما ينطوي عليه من مقدرة ومِطْواعيّة وسلاسة وحلاوة وعذوبة، يأتي متحدّيًا لكلّ صعوبة. كمِ اعتززنا وكم نعتزّ بهذا الصوت القادر النادر!
أكرّر الشكر والتقدير لإخوتي أبناء المرحوم الذين عرفوا كيف يستغلّون التكنولوجيا على نحوٍ جليل وجميل. الحمد لله! ها نحن نجد ما نقوله في مديح التكنولوجيا! الحمد لله ها هي التكنولوجيا تحفظ لنا -في ما تحفظ- أشياء كان القدماء يتمنَّوْن ولا يستطيعون أن يحتفظوا بها. لا زلتُ حتّى اليوم أتمنّى لو كان هنالك تسجيلٌ ما لصوت المرحوم قدس الأب إبراهيم سليم الذي كنت في الرابعة من عمري حين رحل؛ إذ لَطالما تحدّث أبي عن المرحوم وعن صوته بإعجاب ومديح. إن كان هنالك من يمتلك تسجيلًا صوتيًّا كهذا، فيا ليته يطْلعُنا عليه.
* *عـن الـصـوتَـيْـن
"أبـونا عـوّاد"، ليس في الأمر جفاف في التعابير. بل أنتما في خانة واحدة في قلبي؛ ولذا فإنّ ما أقوله في الراحل العزيز الآخر ينطبق أحيانًا تمامًا عليك. ما سبق لي أن قلتُهُ بشأن الشمّاس العبلّينيّ، خادمِ الكنيسة الذي جمعتْك به الكنيسةُ نفسُها والإيمانُ والترتيلُ والمودّةُ الخالصةُ طَوال عقود، الشمّاسِ الذي وُلِد قبلك بخمسة أعوام ورحل قبلك بأربعة أعوام إلى الأمجاد السماويّة، ما قلتُهُ إذّاك بشأن "أبـو تـومـا" يقال فيك منطبقًا عليك: "أبـونا عـوّاد" صوتٌ صادحٌ ساطعٌ في الكنيسة...
ساطعًا يكون الصوت حين يأتي كالنور يُشِيع الدفء، ويستثير الإيمان... ساطعًا يكون الصوت حين ينبعث كالمِعزَف باعثًا في الأذن ارتياحًا، وفي الوجدان روحًا. في خانةٍ واحدة من وجداني وذاكرتي أنتما، "أبـونا عـوّاد" وأبي الحبيب، أبي الذي أَحَبّكَ وأحببتَ، واحترمك واحترمتَ. فكما كنتما خادمَيْن لكنيسة واحدة أحبّتكما، أنتما كذلك في القلب. في قلبي أنا وفي قلوب سِواي من الناس غير الناسين.
** دِيـن... ولـغـة
هناك في "مدرسة عبده سليم الابتدائيّة"، قبل نحو أربعة عقود (في العام المدرسيّ 1978/1979)، على لوح الصفّ كَتب الأب المدرّس بخطّه الأنيق كهندامه وكتسريحة شَعره وكابتسامته، كَتَبَ بخطّ يده بعض أبيات من ترتيلة للعذراء مريم جاء فيها:
"اِحفظي أُمَّ الإلهْ يا رجاء المؤمنينْ
مِن أذى هذي الحياةْ طالِبِيكِ الواثقينْ"...
وسألَنا الأستاذُ: "لماذا نَشْكل آخرَ كلمة "أُمّ" هنا بالفتحة؟ ما إعراب هذه الكلمة"؟ واندفعنا نُجيب: "مفعول به". وعبس بعتب لأنّه لم يسمع الإجابة الصحيحة من أيّ منّا نحن طلبة الصفّ الثامن، ثمّ قال: "منادى منصوب. لأنّ المقصود: يا أُمَّ الإله". قلنا لـِ "أبـونا عـوّاد" إنّنا لم نتعلّم بعد في حصص القواعد عن موضوع المنادى، فازداد عُبوسًا، وأكاد أقول إنّه كاد يستشيط غضبًا وكاد يوبّخنا. لكأنّه لم يصدّقنا.
كثيرًا ما أجد المناسَبة سانحة فأستثمرها لأُشِيد بأولئك المدرّسين المعتَّقين الأفاضل الذين خدموا اللغة العربيّة دون أن يكونوا هم أنفسهم من مدرّسي لغة الضاد، وأبـونـا عـوّاد من بينهم بالطبع (وهو الذي عام 1948 جنت عليه الحرب وضيقُ ذات اليد، فلم يتمكّن من إتمام دراسته الثانويّة). هؤلاء يسألونك في النحو والصرف والإملاء. يسألونك فيذكّرونك بأنّ اللغة ليست للُّغَويّين حصرًا. اللغة لأبنائها، وينبغي لهم أن يتقنوها وأن يكونوا في تواصل معها خارج الدرس المخصَّص لها. اللغة -ولا سيّما اللغة الأمّ- كالأمّ هي. الوالدة ليست أمًّا في المنزل فقط. الأمّ، أينما كانت، وحيثما حلّت، أمٌّ هي.
* *صـداقـة
إخوتي الأعزّاء: عـودة؛ نـزيـه؛ آمـال؛ نـبـيـه؛ نـجـوى؛ إلـيـاس. أظنّكم تدركون أنّي أتعمّد استخدام هذه الكلمة ("إخوتي")؛ فبيني وبينكم صداقة أهـل ورفقة حقـل. بين أهلَيْنا نَمَتْ صداقة صادقة جميلة، وحقول الخيار في سهل عبلّين تشهد أنّي أمضيت في صيف أحد الأعوام، في النصف الثاني من سبعينيّات القرن الماضي، أمضيتُ معكم (بحضور العزيزين "أبـونـا عـوّاد" والخوريّة) أيّامًا بلياليها متتابعةً استبدلتُ فيها أهلًا بأهل، بل أضفت أهلًا إلى الأهل. على مائدة واحدة اجتمعنا، وعلى أرض واحدة نمنا، وفي أرض واحدة عملنا. أنتم، والراحلان العزيزان، وتلك الأيّام الخيّرة الطيّبة ولياليها المشرقة قمرًا وسمرًا وطربًا، جزءٌ عذبٌ ناعم من ذكرياتي القديمة المعتَّقة.
لست أنسى كم كان أبي وأمّي يبتهلان إلى الله مستدعين الشفاء، حين ألمّت بِـ "أبـونـا عـوّاد" أوجاع جسديّة جعلتْ وقوفه مطوَّلًا على قدميه معاناة حقيقيّة. لسنين طويلة عانى وتألّم، وتنقّل من طبيب إلى آخر، ولم يأتِ الشفاء إلّا بعد سنين غير قليلة. كان أبي وأمّي يبتهلان ويسألان الله شفاءه على مسمع منّي وأنا طفل، وألمح في محيّا كلّ منهما ضيقًا وحزنًا ورجاءً، فأجدني في أعماقي أشاركهما الدعاء والابتهال. ولم نكن الوحيدين. الكثيرون الكثيرون تمنَّوْا وصلَّوْا وابتهلوا من أجل تَعافي رجُلٍ أحبّوه وأحبّهم.
لا مكان ولا مجال للمديح حين أتحدّث عن "أبـونا عـوّاد". لا مديح في ما أقول، ولا محاولة تقييم. ما أَسُـوقه هو دفقات مشاعر شخصيّة جدًّا أحملها تجاه رجل يذكّرني بأبي، لأكثر من سبب؛ من بين ذلك أنّ العلاقة الحلوة الطيّبة الراقية التي جمعت بين الرجُلَيْن تعني لي الكثير. حين كنتَ، يا "أبـونا عـوّاد"، تعاني الأوجاع، كان أبي المُقِلّ في الكلام يتحدّث عن ذلك بحزن وأسى، ويتضرّع هو وأمّي إلى المعبود من أجل صحّتك، وكذلك حين غادرَتْنا مبكّرًا شريكةُ حياتك وأنت وهي كلاكما في منتصف العمر. حين كان امرُؤٌ يَذكرك أمام أبي منتقدًا -وجَلّ من لا يُنتقَد- كان يحسّ بالضيق ولا يكتمه، فيدافع بحزم لطيف وهادئ. لو اتّعظ الكثيرون ممّا ساد بينكما من تفهُّم وتفاهُم، لتبدّلت أمور كثيرة في أماكن كثيرة في هذا العالَم غير المتفاهم!
** مـحـظـوظـون مـشـكـورون
يا إخوتي أبناء المرحوم، كنتم محظوظين بأنّكم أبناء رجل أحببناه وأبناء امرأة لا ننسى حضورها. وكان الراحلان محظوظَيْن كذلك بكم.
أعرف أنّ لسان حالكم يقول ما قاله أخي نزيه على مسمع منّي ("أبي أعطانا أكثر بكثير ممّا أعطيناه نحن").
أعرف أنّ أفضال أبـونـا عـوّاد كثيرة. رغم ذلك، باسْم الكثيرين أشكركم لأنّكم أكرمتم أبـونـا عـوّاد. نشكركم لأنّكم كنتم ما كنتم في حياته. نشكركم جميعًا أنتم وعائلاتكم، نساءً وأزواجًا وحَفَدةً وحفيدات. وبناءً على طلب من الأعزّاء عـودة ونـزيـه وآمـال ونـبـيـه ونـجـوى، أستغلّ هذه المناسبة النبيلة لأقدّم باسمهم، وباسمي، وباسْم الكثيرين ممّن لم يطلبوا منّي ذلك، جزيلَ الشكر والتقدير إلى الأعزّاء الذين اعتنَوْا عن كثب بأبـونـا عـوّاد وبمنزله المضياف طيلة بضعة وعشرين عامًا، وقبْله اعتنَوْا عن كثب أيضًا بالراحلة أمّ عـودة (الخوريّة) في فترة تَفاقُم مرضها. الشكر العميق لرلـى وإلـيـاس وأسْرتهما. خدمتم، فعَظُمتم، فشُكرتم. قد يقال إنّ ذاك أمر مفروغ منه أو مفهوم ضمنًا. لا، عذرًا. يا ليت الأمر كان في واقع الحال كذلك! في أيّامنا، لشديد الأسف والعار، لا العناية بالكبار أمر مفروغ منه، ولا الشكر واصل ضمنًا أو مفهوم ضمنًا. أقلّ ما يمكن أن يقال لكم، أمّ مـلـهـم (رلـى) وأبـا مـلـهـم (أبونا إلـيـاس عـوّاد) والأسرة الكريمة: شكرًا لكم. شكرًا لكم.
** سـلامٌ عـلـيـكَ...
أعرف أنّ الأفراح ليست بدائمة. أعرف أنّ كلّ لقاء يَعْقُبه فِراق، وأنّ الرحيل مصير لا يُرَدّ. أعرف أنّ الرحيل بعد الثمانين قد لا يفاجئ. أعرف أنّ الدموع لا تعيد مَن يرحلون. أعرف أنّ الحزن ليس بطريقةٍ لمواجَهة الحياة -ولن نبالغ حزنًا وحدادًا (هذا ما أرجوه).
أعرف كلّ هذا. نعرف كلّ ذلك وأكثر... ولكنْ، يا "أبـونا عـوّاد"، الدمعُ الذي اغرورقت به العين عند رحيلك، والدمع الحارّ الذي ذرفه القلب يوم تشييعك، كان دمعًا من المتعذَّر ألّا يَحضر.
كنتَ من أولئك الذين كلّما رآهم المرء وسمعهم ما خطرتْ في باله إلّا الحياةُ. "أبـونا عـوّاد"... في ما سبق، لم يخطر في بالي الرحيلُ (رحيلُك) إلّا في المرّات الأخيرة التي قابلتُك فيها. قبلذاك، كنتُ ألتقي بك فأزداد حياةً وحيويّةً، وأطمئنُّ عليكَ، وأكاد أَمسك الخشب! لكن أتدري، "أبـونا عـوّاد"؟! رحيلك، أيّها العزيز الغالي، يؤكّد لنا مجدَّدًا أنّ الغياب والحضور هما فعلًا من المسائل النسبيّة. بعض الحضور لا يختلف في شيء عن الغياب، وبعض الغياب حضورٌ هو، وربّما حضورٌ مضاعَف.
سلامٌ عليكَ يومَ وُلدتَ.
سلامٌ عليكَ يومَ رحلتَ.
سلامٌ عليكَ الآن وأنت بعيد قريب.
سلامٌ عليكَ يومَ تُبعثُ حيًّا.
تَبارَكَ ذِكْرك...
تباركَتِ الحياة...
(عـبـلّـيـن)
