*الحزب الوحيد الذي وقف بكل وضوح وجدية ضد اتفاقية "كامب ديفيد" كان الحزب الشيوعي الذي رأى بها خطرا على قضية الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه المشروعة وعلى وحدة الشعوب العربية، وفي الوقت نفسه دعم للموقف الاسرائيلي المتعجرف والعدواني*
ان القراءة البسيطة وليس العميقة تظهر بوضوح كم كانت هذه الاتفاقية ضربة مؤلمة لوحدة الصف العربي وان هذه الاتفاقية الانفرادية جاءت كضربة قاصمة لكل امكانية تنسيق عربي حول الوضع المؤلم الذي تعيشه الجماهير في العالم العربي وبشكل خاص الجماهير الفلسطينية وفي رأيي ان تداعيات هذا الاتفاق الانفرادي ما زالت تلاحق العالم العربي حتى يومنا هذا وما احداث غزة والحرب العدوانية على شعبنا الفلسطيني هي احدى نتائجها ايضا. بالاضافة لذلك نحن نرى ان الدول العربية ذهبت الى مجلس الامن باقتراح لوقف العدوان نرى السادات يخرج بمفرده وبدون التنسيق مع باقي الدول العربية بمبادرة خاصة به وهذه المبادرة تلقى بشكل فوري قبولا من الولايات المتحدة واسرائيل. ماذا يعني هذا الامر؟ هل قبولها بهذه السرعة تعني انها تصب في صالح قضية جماهير غزة؟!
ان اتفاقية كامب ديفيد تصب كلها في صالح الولايات المتحدة الامريكية وحليفتها الاستراتيجية اسرائيل وتعطي حرية العمل المطلق لحكام اسرائيل ضد الشعب العربي الفلسطيني.
على اساس التحليل الواقعي لهذا الاتفاق هبت الشعوب العربية وكل قوى السلام في العالم ضد هذه الاتفاقية وبشكل خاص الشعب العربي الفلسطيني الذي رأى في هذه الاتفاقية تنكر كامل لحقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة، حيث عقدت اجتماعات لرؤساء البلديات وكل القوى الوطنية في الضفة الغربية وكذلك في قطاع غزة واعلنت رفضها للادارة الذاتية ولاتفاقية "كامب ديفيد" بكاملها.
وكان الحزب الشيوعي الاسرائيلي قد دان اتفاق "كامب ديفيد" ورأى فيه خروجا على التنسيق العربي والدولي وكذلك رأى فيه تنفيذ لبرنامج مناحم بيغن، لانه رأى في برنامج "الادارة الذاتية" في المناطق المحتلة هو برنامج وضعه بيغن من اجل الاستمرار في احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وتنكر كامل لحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره والذي بدونه لا يمكن ان يكون سلام في الشرق الاوسط. وفي البيان الذي اصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاسرائيلي والذي نشرته "الاتحاد" بتاريخ 1978\9\26 قال "ان القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في النزاع الاسرائيلي – العربي وبدون حل عادل وواقعي لها يكون كل حديث عن السلام عديم المعنى".
ان الحقيقة التاريخية التي نراها من خلال تسلسل الاحداث في منطقتنا هو انه منذ رحيل القائد الوطني الرئيس جمال عبد الناصر وتسلم محمد انور السادات مقاليد الحكم في مصر ان السادات يعمل بشكل منظم ومدروس وبتنسيق كامل مع الولايات المتحدة الامريكية، نرى كيف قام بالانقلاب بعد تسلمه السلطة بعدة اشهر على جميع الشخصيات المركزية التي اعتمد عليها عبد الناصر من اجل العمل المنظم على تحرير الارض وكيف بعدها بحوالي السنة افتعل الازمة مع الخبراء السوفيات وانه خلال حرب اكتوبر وبعد اندلاعها بفترة تخلى بشكل معين عن التنسيق مع سوريا حليفته في الحرب وكذلك مع الاتحاد السوفياتي واعلن انه لا يستطيع "محاربة امريكا" خلال الحرب في اكتوبر واعلانه ان 90 بالمئة من اوراق اللعبة بيد امريكا، ومفاوضاته من اجل فك الارتباط على الكيلو 101 مع اسرائيل وبرعاية امريكية، حتى وصول نتيجة زيارة اسرائيل والتي توجت فيما بعد باتفاقية "كامب ديفيد" وهذا عمليا كان هدفه الاساسي للوصول الى ما وصل اليه والذي ادى الى اخراج مصر من دائرة التنسيق العربي والتخلي عن دورها القيادي الذي كانت تلعبه في زمن جمال عبد الناصر في قيادة حركة التحرر الوطني العربية وقيادة دول عدم الانحياز حتى وصل ايضا الى الانحياز الكامل الى القوى المعادية لحركة التحرر العالمية اي مع الاستعمار الامريكي وقوى الرجعية العالمية التي انتمى اليها بشكل كامل باتخاذه هذا النهج.
ان هذا الدور الذي اخذه على عاتقه انور السادات أورثه الى وريثه محمد حسني مبارك الذي تولى السلطة بعد ان اغتيل السادات.
ان الحقيقة المرة هي انه منذ رحيل الرئيس جمال عبد الناصر الذي لعب دورا هاما في مواجهة الاستعمار واعوانه في المنطقة ودوره الهام في وحدة حركة التحرر الوطني العربية والدعم الجدي والهام لقضية الشعب العربي الفلسطيني العادلة، وقد رحل وهو يعمل بمثابرة واخلاص لوقف المجزرة التي ارتكبت بحق شعبنا في ايلول الاسود في الاردن، حيث انه منذ ان رحل هذا الزعيم الخالد لم يأت بعده اي زعيم عربي آخر يستطيع ان يأخذ هذا الدور التاريخي الهام خاصة في مثل هذه الظروف المأساوية التي يعيشها شعبنا اليوم في غزة وفي باقي المناطق الفلسطينية المحتلة.
ان شعبنا ما زال يقاسي ويجابه بمفرده وبدون اي دعم حقيقي من اي دولة عربية لقد مر عليه مآسي كثيرة بعد ايلول الاسود من مأساة تل الزعتر مرورا بمأساة صبرا وشتيلا وحصار الرئيس عرفات في المقاطعة وحتى الاحداث المأساوية والمجازر التي يقوم بها حكام اسرائيل في هذه الايام في غزة ضد شعبنا العربي الفلسطيني المحتلة اراضيه ومحدود الامكانيات من ناحية السلاح للدفاع عن نفسه، ولكنه مسلح بما هو اهم واقوى ألا وهي ثقته بنفسه وبعدالة قضيته التي لا يمكن ان يهدأ او يكل من حقه في مقاومة الاحتلال واستمراريته في الكفاح من اجل تحقيق اهدافه العادلة بالرغم من كل الويلات والمآسي التي مرت وما زالت تمر عليه في هذه الايام في غزة هاشم.
ان كل هذه المذابح التي تجري بحق شعبنا العربي الفلسطيني في غزة لم تحرك ضمير هؤلاء الحكام العرب، حتى انهم لم يروا من المناسب او بالاحرى لم يكلفوا انفسهم "عناء" عقد اجتماع لبحث هذه المذبحة التي مر عليها اكثر من اسبوعين وما زالت مستمرة يوميا. ان هذا الواقع وهذا التصرف لا يظهر اي امل خير منهم لانهم منشغلون في صراعاتهم الداخلية بالرغم من انهم جميعا يخدمون نفس السيد الامريكي.
ان الواقع الجديد الذي يحدث اليوم من التحرك الجماهيري الكبير والواسع من قبل الجماهير في العالم العربي بتحدي واضح وهام لارادة هؤلاء الحكام الخنع للاستعمار، اننا نرى في هذا التحرك بداية الامل في المستقبل لان مثل هذا التحرك الجماهيري الواسع والداعم لقضية الشعب العربي الفلسطيني ولمقاومته الباسلة هو الذي سيكون الضمان لمستقبل افضل من اجل تحرير شعوبنا العربية من مثل هؤلاء الحكام الذين باعوا انفسهم لأعداء شعوبهم. وحتما سيظهر في كل دولة من الدول العربية "منتظر زيدي" جديد ليس فقط بضربهم "بالصرماي" بل يكنسهم بها الى مزبلة التاريخ.
هنا لا بد من ذكر ان الحزب الوحيد الذي وقف بكل وضوح وجدية ضد اتفاقية "كامب ديفيد" كان الحزب الشيوعي الذي رأى بها خطرا على قضية الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه المشروعة وعلى وحدة الشعوب العربية، وفي الوقت نفسه دعم للموقف الاسرائيلي المتعجرف والعدواني.
الصورة: جمال عبد الناصر. دور هام في مواجهة الاستعمار واعوانه في المنطقة
