العشرينيات الحرجة في فلسطين

single

*في ذكرى احداث تمرد الفلاحين في 1929 او ثورة البُراق -23-9-1928*

 

جاءت الأحداث الدموية سنة 1929 على خلفية ازدياد عدد الفلاحين الذين لا أرض لهم نتيجة طرد فلاحين عرب من أراض اشترتها منظمات صهيونية، ولاشتداد سياسة العمل العبري، وإقامة الوكالة اليهودية على قاعدة أوسع لتمكين اشتراك أوسع ليهود العالم في "اقامة الوطن اليهودي"، كما أن البرجوازية العربية لم تكن راضية عن  البرجوازية اليهودية واقامة مصانع وغير ذلك.
لقد عاشت فلسطين مرحلة حرجة للغاية خلال العشرينات، جراء تعمق الاحتلال البريطاني لمؤسساته الاستعمارية واقامة مساحات من العمل والاستثمار للحركة الصهيونية،  بواسطة منح روتنبرغ امتياز انتاج الكهرباء على نهر الأردن وتزويد مدن وقرى فلسطين بها، خاصة المستعمرات اليهودية. ومنح امتياز شركة البوتاس في البحر الميت وتحويل امتياز تجفيف مواقع في الحولة لصالح شركات يهودية. فتح باب الهجرة اليهودية على مصراعيه أحيانا بصورة رسمية وأحيانا بصورة غير رسمية (هجرة غير شرعية)، وسيطرة مؤسسات يهودية على مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية عن طريق توفير تسهيلات حكومية لعقد صفقات لتحقيق ذلك. أضف الى ذلك توظيف يهود في وظائف حكومية مركزية وذات أهمية بالغة في صُنع واتخاذ القرار الخاص بمستقبل فلسطين. كذلك تردي الحالة الاقتصادية الفلسطينية جراء الزلزال الذي ضرب مناطق واسعة وسبب دمار وخراب شاملين سنة 1927.
وكانت الشرارة الأولى قد اندلعت في 23/9/1928 حين حاول بعض  غلاة  المتدينين اليهود بتأييد من المنظمات الصهيونية تغيير الوضع القائم في باحة حائط المبكى أو  البُراق... آنذاك تحرك المجلس الإسلامي الأعلى واحتج على المحاولة... فأعادت  الشرطة البريطانية الوضع الى حاله.
اتخذت السلطات البريطانية موقفا خبيثا ازاء هذه الحادثة فمن ناحية ردت على اتهام بعض المحافل الاسلامية فاكدت أن "اليهود لم يثيروا قضية ملكية حائط المبكى ولم يطالبوا بأي شيء مناقض لحرمة الأماكن المقدسة الاسلامية" ومن ناحية أخرى ردت على اتهام  الحركة الصهيونية فأعلنت أنها "مقتنعة تماما أن السلطات الاسلامية لم تنقض الوضع الراهن في المدينة المقدسة".
طبعا لم تأخذ السلطات البريطانية أي اجراءات لتهدئة الوضع او اطفاء موقد التأزم إذ كان من مصلحتها أن تؤجج الاحتراب القومي والطائفي ليتحول الكفاح القومي المتصاعد ضدها الى مسارات أخرى.
لقد توافق المسعى البريطاني مع مواقف الحركة الصهيونية من جهة والقيادة القومية العربية المتمثلة آنذاك في المجلس الاسلامي الأعلى ورئيسه الحاج أمين الحسيني  مُفتي القدس.
فالقيادة الصهيونية أرادت  استنفار الصهيونيين وغيرهم لمساعدة الاستيطان الكولونيالي والقيادة العربية القومية التقليدية اعتقدت أنها بتحويل الكفاح القومي عن الامبريالية البريطانية تخلق  التربة لاتفاق مع بريطانيا. وهذا الاتجاه برز في نشاط الحاج أمين الحسيني الذي لم يتعرض للسياسة البريطانية في رسالته الى التايمز (1/10/1929) التي عالج فيها أحداث 1929.
كانت الشرارة الثانية التي أشعلت التمرد في 14/8/1929 "يوم الغفران" حين نظمت القيادة الصهيونية مظاهرة في تل أبيب تحت شعار "الحائط حائطنا" ومظاهرة في القدس في اليوم التالي تحت الشعار ذاته. وصلت المظاهرة الثانية الى حائط المبكى واوصلت التوتر الى الأوج. جاء الرد العربي بمظاهرة ضخمة بعد صلاة الجمعة  في 16/8/1929.
بعدها بيوم انتشرت الشائعات وبدأت الاصطدامات بين العرب واليهود فأدت الى سقوط 123 يهوديا وجرح 239 كما قتل 116 عربيا وجرح 232.
في بعض المواقع- الخليل وصفد- اتخذت الأحداث شكل هجوم على اليهود وفي مواقع أخرى كان الصهيونيون يبادرون الى الهجوم وقتل العرب (سكنة ابو كبير مثلا) وفي حالات عدة كان الضحايا العرب يسقطون برصاص قوات الجيش والشرطة البريطانية.
وتكشف الحقائق دور سلطات الانتداب السافل في إلهاب النفوس وتوسيع  التصادم العربي- اليهودي، ومنها أن الضابط البريطاني في الخليل ( كفرات ) هو الذي نقل الى أبناء الخليل اشاعة هجوم المنظمات الصهيونية على المسلمين عند خروجهم من المسجد ومقتل مئات من اخوانهم في القدس. وامتدت الصدامات الى بقية المدن الفلسطينية منها نابلس ويافا وحيفا الى أن بلغت الى صفد.
من الخطأ رؤية تمرد 1929 احترابا طائفيا- قوميا فقط، فهذا الاحتراب كان انحرافا رديئا عن المسيرة الثورية المعادية للامبريالية البريطانية. فخلال هذا التمرد الذي استمر حوالي اسبوعين قام الوطنيون في مختلف انحاء البلاد بمظاهرات تهتف بسقوط الانتداب البريطاني والصهيونية وفي بعض المواقع هاجموا مراكز السلطة المدنية والعسكرية. مثلاُ في نابلس هاجم المتظاهرون ثكنات حكومية ودفعوا تسعة قتلى، كما زحفت جموع من البدو  والفلاحين عبر قاعدة الطيران البريطانية في غزة وردتها الدبابات البريطانية.
وبدأت حملات الاعتقال من قبل الجيش والشرطة البريطانية ، ففي صفد كان بين  المعتقلين فؤاد حجازي وهو معلم مدرسة في المدينة، وكذلك القي القبض على محمد جمجوم  وعطا الزير وسجنتهم في سجن عكا. وأصدرت المحكمة الانتدابية حكما باعدامهم شنقا، ولم تشفع الوساطات للحيلولة دون تنفيذ هذا الحكم. بينما أصدرت المحكمة عفوا عن محكوم يهودي بالاعدام في الأحداث ذاتها في أعقاب تدخل زعماء صهيونيين.
كما ذكر أصرت حكومة الانتداب على تنفيذ حكم الاعدام بحق الأبطال الثلاثة الذين أظهروا مواقف من الشجاعة والبسالة التي لم تعرفها فلسطين من قبل من حيث صمودهم وجرأتهم وعزة نفوسهم واعتبارهم أن فلسطين وترابها أغلى من حياتهم وأنهم على استعداد لتقديم أرواحهم فداء عن فلسطين. ونفذ حكم الاعدام في يوم الثلاثاء 17/6/1930 في سجن عكا وارتفع الأذان في كل مساجد فلسطين وقرعت أجراس الكنائس تحية صادقة لهؤلاء الشهداء.

وهذه كلماتهم الأخيرة قبل الرحيل:
فؤاد حجازي: إن يوم شنقي يجب أن يكون يوما تاريخيا تلقى فيه الخطب وتنشر فيه الأناشيد على ذكرى دمائنا المرهقة في سبيل فلسطين والقضية العربية.
محمد جمجوم: اننا نستقبل الموت بالسرور والفرح الكاملين ونضع حبل الأرجوحة، أرجوحة الأبطال باعناقنا عن طيب خاطر فداء لك يا فلسطين.

عطا الزير: راجع أنا يمّة وحامل بشارة
عمر الوطن ما بينسى ثواره
لما يطول الليل وتزيد أسراره
وجرح الوطن يمتد وتفيض أنهاره
راجع بطلّة فجر حامل مع انواره
حتى نضوي للوطن ويعودوا احراره

وحينها أنشد اهالي فلسطين مع الشهداء قصيدة مطلعها:
   يا ظلام السجن خيّم
     اننا نهوى الظلاما
   ليس بعد الليل إلا
     نور فجر يتسامى

أما الشاعر الشعبي نوح ابراهيم فكتب وأنشد بصوته قصيدة باللغة المحكية بعنوان «الثلاثاء الحمراء» جاء فيها:

  من سجن عكا طلعت جنازه
                         محمد جمجوم وفؤاد حجازي
  وجازي عليهم يا شعبي جازي
     مندوب السامي وربعه عموما
  محمد جمجومة مع عطا الزير
     فؤاد حجازي عز الذخيرة
  أنظر المقدم والتقاديري
     بَحْكام الظالم تَيعدمونا
وهذا وقد دفن الثلاثة شهداء في مقبرة النبي صالح- عند المدخل البحري الشرقي لمدينة عكا (خارج الأسوار).

قد يهمّكم أيضا..
featured

تعيش الناصرة

featured

مبروك للاتحاد عودتها إلى مقرها التاريخي: كي تواصل دورها

featured

ألعم الشيخ أبو سلمان رزمك قويقس وابن العم الرفيق أبو محمد أحمد سعد

featured

نوال السعداوي.. زهرة ميدان التحرير

featured

توفيق طوبي - خالد مدى الدهر ..

featured

بوصلة لا تشيخ

featured

نظرة على نتائج الانتخابات البرلمانية

featured

النظام يتآمُر بدعم أمريكي