اطمح للحراك الثقافي في اي موضوع كان .. اطمح للنقاش و الحوار من على ظهر صفحات الصحف وخصوصا صحيفة "الاتحاد" الغالية على قلبي ، والتي أتعامل معها تارة كأم وتارة اخرى كأخت . لا اكتب بالرموز انما في الواقع ، فقد كانت وما زالت "الاتحاد" ترضعني حليب الإباء والشمم وعزّة النفس والمبدئية ، وهي تمشي في شراييني كما مشت أمي وثلاث من اخواتي غير الشقيقات اللواتي أرضعنني حليب المروءة، عندما كنت رضيعا، وشاء القدر أن يجف ثدي والدتي، نتيجةً لمرض ألمّ بها في حينه قبل ما يقارب سبعة وستين عاما . صحيح أن حرّيتي تنتهي عندما تبدأ حرّية الآخرين، ولكن عندما يكون هناك مشروعان مختلفان ، وفي حالتنا مشروع المجتمع المدني، الديمقراطي،والعلماني المنفتح على جميع حضارات العالم ، أي مشروع الإنفتاح على كل شيء بما في ذلك المشروع النقيض – المشروع الثاني، الذي هو المشروع الديني، الذي لا يضمن لي أي نوع من أنواع الحرية. فإن حريتي تبدأ ولا تنتهي ، فالحرّية هي شرط الإبداع، والنقد شرط التقدم، ونور العقل البشري قبس من نور الله السابح في اللا نهاية .
صحيح أننا نعيش هنا في هذه البلاد ظروفا غير طبيعية، وصحيح أن هذا الإقتلاع وهذا التضييق علينا يشملنا جميعا ... وصحيح أن سياسة دولتنا العليّة الاسرائيلية بفرماناتها المختلفة لا تفرق بين مشروعينا آنفي الذكر، مما يحتم علينا الوحدة في هذا التوحد الاشكالي . يحتّم علينا أن نسير معا فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما نختلف، كما قال ذات يوم الأستاذ حسن البنا، المرشد الأول لحركة الاخوان المسلمين، وبقي قوله هذا، بحسب تاريخ الإخوان مجرد قول دون ترجمة لفعل ... ومن يرد ان يتحقق من هذا، فليرجع لتاريخ هذه الحركة، وكيف تحوّل الحوار من الكلام و النقاش الى الرصاص ... وكيف فرّخت هذه الحركة حركات أخرى فسارت من التطرف الى مزيد من التطرف . فالحوار عادةً هو مع من يريد الحوار... والنقاش هو مع من يريد النقاش، ومع من يؤمن بالديمقراطية والمساواة بين المتناقشين. أي الإحترام المتبادل والحق في الاختلاف والدّق على المشترك...
ومع مرور الأيام تحول هذا الانسان - حسن البنا- الى رمز (الإمام الشهيد) وعند البعض الى رمز مقدّس – على الرغم من أنه لا كهنوت ولا تقديس لبشر في الاسلام. ولغة التقديس هذه، تتحول مع الزمن الى لغة التكفير، ولغة التكفير تعود وتتحول الى رصاص بعد عنف الكلام . إن هذه الحركات التي تلعب في ساحة المقدس، هي حركات سياسية في الأصل، ويجب التعامل معها على هذا الأساس .
عندما توفي العبقري النبي محمد باني دولة الاسلام الاول ، حدثت الهزة التي تحدث عندما تفقد الأمّة بانيها ، فقال عمر بن الخطاب للمهزوزين والمنافقين: من كان يعبد محمد فان محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت . و النبي الكريم نفسه قال : انما انا بشر مثلكم ...
فاذا كانت بشرية محمد ترفض تقديس الذات، ماذا نحن صانعون ؟ كذلك الامر مع السيد المسيح الذي يعتبر نفسه "ابن الانسان". وعليه ففي كل من المسيح ومحمد جانب إنساني، هما نفسيهما شدّدا عليه في مراحل معينة من حياتهما. فإذا كان هذا يحدث مع أنبياء، فكيف يكون الأمر مع من هم ليسو بأنبياء؟
احترام الرموز واجب، لكن الرموز السياسية متحركة في هذه الحياة التي لا تعرف الثبات . وذلك القبس الإلهي الذي هو في الانسان عامةً، لا يعرف الكلل ولا الملل في مغامرات العقل وفي عملية البحث عن الذات ، والذي مهما سما لن يجعل من هذا الإنسان إلها... فهل في هذا إعتداء على أحد ؟ أم أنه مجرد اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ !؟ ومع هذا كله لا جدل في الايمان والمسائل الايمانية لانها تصديق بالقلب ، إنما الجدل مع السياسي الذي يمتطي صهوة الدين فيسيء في ذلك إلى الدين وإلى السياسة.
