قمّة عربية بالزيّ الأمريكي

single

حالة الانهراق والتوتر والتحضيرات الجنونية التي قامت بها حكومة نور المالكي في العراق في هذه الأيام استعدادا لمؤتمر القمة العربي في بغداد، هذه الحالة لا تختلف عما قام به الخديوي إسماعيل الذي حكم مصر في العقدين السادس والسابع من القرن التاسع عشر.هذا الخديوي المعروف بإسرافه وتبذيره للأموال أوصل الخزينة المصرية في ذلك الوقت إلى حالة من الإفلاس، فقد استدان ملايين الجنيهات من بيوت المال الأوروبية كي يصرفها على إقامة الاحتفال بانتهاء العمل بأكبر مشروع مائي عرفه التاريخ وهو حفر قناة السويس البالغ طولها 160 كم ،كان هدف هذا الكرم والسخاء، حتى يشعر ضيوفه الأوروبيون بالراحة والنعيم، من أجل ذلك أقام الفنادق ودور الضيافة كي يستمتع بها ملوك وأمراء أوروبا، وحتى يتمتع الضيوف بمناظر الاهرامات شق لهم طريقا خاصة للوصول إلى هذا الصرح الأثري الهام. تحمّل الشعب المصري وحده كل تبعات هذا التبذير المالي الذي أدى في النهاية الى اضطرار الخديوي بيع حصة مصر في أسهم قناة السويس بمبلغ زهيد، وقد تبع بيع الأسهم قيام بريطانيا باحتلال مصر بكاملها سنة 1882 كي تحافظ على مصالحها الاستعمارية في المنطقة.
وما تقوم حكومة المالكي الطائفية وبرلمانه العشائري في بغداد اليوم ليس بعيدا عن هذا السيناريو، فالعراق الذي دمره الاحتلال وصادر هويته العربية القومية يعتقد بأن باستطاعته العودة إلى الصف العربي حتى لو كان هذا الصف مشتتا وبالزي الأمريكي وتحت حماية الطائرات والأقمار الصناعية الأمريكية.من أجل تحقيق هذه الغاية حوّلت حكومة المالكي العراق في هذه الأيام إلى سجن كبير خدمة لعيون الوفود العربية التي ستحضر المؤتمر، جميع المراسلين يؤكدون بأن بغداد وضواحيها تحولت إلى ثكنة عسكرية ، تم حشد حوالي مائة ألف رجل أمن وجندي تدعمهم الدبابات وأسراب من الطوافات الأمريكية .من بين الخطوات التي قامت بها حكومة المالكي لإنجاح مؤتمر القمة العربي صرف حوالي نصف مليار من الدولارات استغلت لترميم العديد من المؤسسات التي لها علاقة بسير المؤتمر، تم ترميم القصر الجمهوري وستة فنادق، كما تم تعبيد طريق مطار بغداد الدولي الذي كان يسميه الأمريكان شارع الأر- بي- جي بسبب تكرار هجمات رجال المقاومة العراقية ضد جنودهم على طول هذا الطريق.الخطوة الثانية التي قامت بها حكومة المالكي شل الحياة لمدة أسبوع كامل في العراق، فقد فرضت هذه الحكومة عطلة كاملة منعت من خلالها الملايين من الموظفين والعمال من مزاولة أعمالهم حتى تضمن بقاء المواطنين في بيوتهم، والسؤال الذي يطرح نفسه من سيحاسب حكومة بغداد العميلة على الأضرار الاقتصادية التي سيسببها هذا الاضراب المكره؟
أما الخطوة الثالثة فقد أبرم العراق اتفاقا مع مجلس العسكر الحاكم في مصر يلتزم بموجبه بدفع 300 مليون دولار كتعويضات للعمال المصريين الذين كانوا يعملون في العراق قبل الاحتلال الأمريكي لهذا البلد، كل هذا مقابل حضور الحكومة المصرية هذا المؤتمر، كما التزم العراق بأن يدفع للكويت مبلغ 500 مليون دولار تعويضا عن قسم من الأضرار التي سببها احتلال العراق للكويت سنة 1990. أما الخطوة الرابعة فقد التزمت حكومة المالكي للسعودية بعدم تنفيذ أحكام الاعدام بحق سجناء سعوديين تم اعتقالهم في العراق، لم تكتف السعودية بهذا الشرط فقد أصرت على ابتزاز المالكي أكثر عندما طلبت منه بأن يتعهد بعدم توجيه دعوة لإيران لحضور حفل افتتاح هذا المؤتمر وقد وافق المالكي على هذا الطلب لأن هذه هي رغبة أمريكا. الحقيقة التي لا يختلف بسببها اثنان هي أن دور هذا المؤتمر ونتائج قراراته لن تكون أفضل من نتائج وقرارات القمم السابقة، لأن أية قرارات عربية جديدة لن تصدر قبل أن تمر من المطبخ الأمريكي، ولأن أمريكا حاضرة في هذا المؤتمر وممثلة بغالبية الأشخاص أو الأعضاء المشاركين فيه ،خاصةً وأن سوريا العرب كانت الدولة الوحيدة في المؤتمرات السابقة التي كان يُعمل لها حساب لأنها كانت الصخرة التي تتحطم عليها مشاريع الأنظمة العربية المتواطئة مع أمريكا وإسرائيل . إن من يدعمون عودة العراق إلى الساحة العربية هم أنفسهم من تآمروا على عروبة العراق، هم أول من مهّد ودعم العدوان الأمريكي على هذا البلد وساندوه في تدميره ونهب ثرواته حتى  أصبح عاجزًا عن توفير الكتب التدريسية لأطفاله وغير قادر على توفير الطاقة الكهربائية لمواطنيه.
القادة والزعماء العرب ومعهم جامعة الدول العربية لن يعيدوا الكرامة للشعب العراقي ولن يوقفوا نزيفه الذي سببه الاحتلال، لأن هؤلاء القادة ينزفون بالفساد والتخلف والتبعية، إنهم غير معنيين بأي وفاق عربي تقدمي وحضاري لأن مثل هذا الوفاق سيقاوم وجودهم، غالبية هؤلاء القادة غرباء عن هذا العصر ليس بحياة الترف والمجون بل غرباء في تفهم متطلبات شعوبهم خاصةً من جيل الشباب، شعوبهم تنتظر من يخلصها من استبدادهم ولهثهم وراء رموز دينية غارقة بالجهل تقاوم التحضر والتطور الفكري.عكاكيز الحكم في السعودية وعربان الخليج لا يستطيعون بواسطة القمة العربية أو غيرها إعادة البسمة إلى أي مواطن عراقي لأنهم يصادرون هذه البسمة من مواطنيهم القابعين تحت حكمهم الظلامي، إنهم لا يريدون سوى عراق التجزئة والحرب الأهلية والطائفية، إنهم غير معنيين بعودة العراق إلى دوره العربي الريادي الدائم للقضية الفلسطينية والمقاومة بكل أماكن تواجدها.
لن يغيّر مؤتمر القمة القادم في بغداد من حال العراق ما دام هذا البلد يرزح تحت نير الاحتلال الأمريكي، لأن جميع المؤسسات التي تحكم العراق حاليا من حكومة وبرلمان وأحزاب طائفية هي من مخلفات الاحتلال.أي أن أمريكا اليوم تحكم من يحكم العراق، القوات الأمريكية التي انسحبت من العراق تجمعت حوله في الكويت وقطر والبحرين والسعودية، تستطيع العودة إلى أرض العراق متى تشاء، لن يتصدّى لها غير المقاومة .لقد كلفت وزيرة خارجية أمريكا كلينتون خاطرها واعترفت بماذا تريد من هذا المؤتمر، إنها تريد من المؤتمر التشديد أكثر في حصار سوريا لتقويض نظام الممانعة فيها وقد اعترفت كلينتون بأن هذا المؤتمر مغاير للمؤتمرات العربية الأخرى لأن سوريا مُنعت من حضوره، ما تريده كلينتون أيضا موقف عربي شامل من عداء إيران ومقاطعتها وقد أشار إلى هذا الموقف المعادي لإيران الشيخ القرضاوي في آخر خطاب ألقاه قبل أقل من أسبوع من أحد قصوره في الدوحة، قال على العرب جميعا معاداة إيران ومقاطعة حزب الله لأنهما يدعمان المقاومة ويدعمان سوريا هذه هي وصية القرضاوي لقمة بغداد ولا نبالغ إذا قلنا بأن هذه الوصية مستوحاة من الموقف الأمريكي ومنسجمة معه كل الانسجام .  لن تتغير أحوال العرب بعد انفضاض هذا المؤتمر، كل شيء سيبقى على حاله ،الاحتلال الاسرائيلي سوف يزداد وحشية ، ستبقى غزة محاصرة وبيوتها مظلمة لأن آلة اسرائيل العسكرية أحق من الفلسطينيين بالنفط الذي يتدفق اليها من حقول أبو ارديس المصرية ،الشيء الجديد الذي سيشهده المؤتمر هو زيادة عدد الزعماء من بين المشاركين الذين سيقفون في صفوف الصلاة .

قد يهمّكم أيضا..
featured

أسئلة ملحّة تطرح نفسها على الفلسطينيين

featured

علم القرامطة كان أحمرًا

featured

وعليك من الله سلام... يا سلام!

featured

الحاخام أيال كرايم، وفتواه الشريرة

featured

كلمة السلام ترهب الاستعمار

featured

الكنيست يفتتح عطلة على إيقاع الحملة الشعبية وسيختتمها على إيقاع أيلول(2-2)

featured

نواطير الحياة