"في الطريق الى "اللينش"
التاريخ 1.7.2014
الساعة 17:08
المكان: القدس
تحديدا- داخل القطار الخفيف في القدس.
اجلس بهدوء قبالة مظاهرة الالاف من الاسرائلييين، التي هزت المدينة بشعارين، الاول "الموت للعرب" والثاني "انتقام انتقام". لم احرك ساكنا ، نظرت من خلف نظارتي الشمسية، اظنهم لا يميزون بأنني عربية، لأن العقل الاسرائيلي الذي يبني صورة "الفتاة العربية" لا يستوعب صورة "العربية بدون حجاب".
توقف القطار لأسمع صراخا من داخله، اتلفت حولي لأرى صبية عربية محجبة مع ابنها البالغ من العمر 5 سنوات منزوية على نفسها ترتجف وتبكي بينما تقف اسرائيلية وتصرخ عليها وتريد انزالها من القطار الى الجموع الغاضب الذي يطالب بالانتقام.
لم اعلم حتى تلك اللحظة تأثير الصوت العالي ولكني وجدت نفسي اصرخ عليها بكل ما اوتيت من قوة.
ربما كان خوفي وراء صراخي.
جلست بجانب المرأة وابنها وتجمهر حولنا كل العرب اللذين تواجدوا حينها في القطار وعددهم خمسة.
وعندما بدأ القطار في التحرك كانت الايادي الغاضبة التي تريد الوصول الينا من خارج القطار تخبط بقوة على الشبابيك وعلى القطار نفسه. كانت اطول 12 دقيقة في عمري.
في اليوم التالي سوف تندلع المواجهات الشديدة انطلاقا من شعفاط لتطال مناطق اخرى في القدس على خلفية خطف وقتل الفتى الفلسطيني محمد ابو خضير البالغ من العمر 16 عاما اثناء خروجه لصلاة الفجر.
سأفضل عدم الخروج من البيت الذي اسكنه والمتواجد على الحدود ما بين شعفاط والتلة الفرنسية حفاظا على سلامة عقلي وجسدي، اسمع بشكل واضح صوت اطلاق الرصاص وصفارات سيارات الاسعاف الذي ينقل المصابين الى مستشفى "هداسا – العيسوية" كما اعتدنا تسميتها.
الشارع يقول كلمته
القضية ليست فقط خطف وقتل ابو خضير بقدر ما هو السياق السياسي الذي وصل الحضيض والشعور باليتم لعدم وجود قيادة متواصلة، فكريا وسياسيا، مع القاعدة الشعبية الميدانية التي تدفع بشكل عام الضريبة المباشرة لعدم الاستقرار السياسي. هذه القاعدة هي التي صبت سخطها على مركز الامن الفلسطيني عندما تم اجتياح رام الله من قبل الجيش الاسرائيلي وبمساعدة التنسيق الامني الفلسطيني-الاسرائيلي. هذا التنسيق الذي حول المناضلين الفلسطينيين الى "حراس" للجنود الاسرائيلين. هذا التنسيق الذي مرمغ كرامة المناضل الفلسطيني وجعله مشروع قمع مزدوج- من السلطة الفلسطينية نفسها ومن سلطات الاحتلال. وهي نفس القاعدة التي تنتفض اليوم في القدس دون توجيهات من اي قيادة عليا. ربما سوف يقول البعض انها "انتفاضة عفوية" وهنا نخطئ في قراءة الواقع. لا يوجد انتفاضات وحراكات عفوية، بل يوجد سياق حتمي يدفعك لتبني الانتفاضة او التمرد كآلية نضال. والعنوان كان مكتوب على الحائط، لكن قيادتنا السياسية حصرت التحرك في رأس الهرم وتجاهلت القاعدة، والتي هي رأسمال كل شعب واقع تحت الاحتلال ويسعى للتحرر منه. ما فعلته القيادة السياسية الفلسطينية هو تهميش القاعدة الشعبية لتصبح هي نفسها قيادة هشة، دون اي رصيد او اي ورقة قوية في يدها- لتصبح قيادة "فالصو"، لا تستطيع ان تحرك الشارع لأي جهة. من الجدير بالذكر بأن الانتفاضة الاولى –سبقتها عدة انتفاضات خفيفة والتي استمرت لبضعة ايام. الانتفاضة الاولى والتي كانت بمثابة الهبة الشعبية التي انتفضت بها كل شرائح الشعب الفلسطيني، عمريا واقتصاديا ومجتمعيا وجغرافيا- عندما اقول اقتصاديا اقصد انضمام طبقة التجار ودعمهم للانتفاضة مما ساهم في استمرارها. وعندما اقول مجتمعيا، اقصد العامل، الفلاح والاكاديمي. وجغرافيا- تكاتف المخيم والقرية والمدينة في النضال ضد الاحتلال.
استمرار الانتفاضة على الاقل في سنواتها الاولى، كان نتيجة بناء تنظيم سياسي واداري يلائم الواقع السياسي لطبيعة الخارطة السياسية المتواجدة في الضفة الغربية وقطاع غزة. بنيت "اللجان الشعبية" التي حافظت على النظام والتي مثلت الفصائل المتواجدة في البقعة الجغرافية المحددة. المعروف ان هذه اللجان اصدرت البيانات وقادت العمل النضالي بشكل وحدوي، مما حدت روح التنافس بين الفصائل والذين اعتبروا وتعاملوا على ان الاحتلال الاسرائيلي هو العدو المشترك ويجب قلعه.
لا احد يستطيع ايقاف نبض الشارع.
لكن الحاجة الماسة الى قيادة تقود هذا الشارع وتوجهه.
ثلاث امور على المحك:
اولا: القيادة الفلسطينية الحالية غير قادرة على حماية الشعب الفلسطيني بتاتا حتى في مناطق أ التي من المفروض ان تكون خاضعة للسيادة الفلسطينية. اوامر هدم البيوت التي تصب في خانة "العقاب الجماعي" للشعب الفلسطيني توزع ايضا في مناطق أ. اضافة لعمليات الاغتيالات والقتل والاعتقالات المستمرة. وهي قيادة لا تستطيع حماية المصالح الفلسطينية التي تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني كله.
ثانيا: الفصائل الفلسطينية التي تحولت الى احزاب تتنافس على تبوأ السلطة وعلى التنسيق الامني، طبعا كل على هواه. لا يمكن ان تقود عملية تحرر من الاحتلال. لا انكر الدور التاريخي للفصائل، الا ان الاندراج تحت وهم "السلطة" التي تتمثل بعلم وشعار ونشيد وطني، هو كمن يطلق الرصاص على رجله.
ثالثا: الشارع سيقول كلمته، وهو ما يجب ان تكون القيادة الفلسطينية جاهزة له. فاما ان تقف وراء ارادة شعبها وتقوده نحو التحرر واما ان تنكفئ على نفسها وعلى العقلانية السياسية التي رافقت النهج السياسي لسنوات عديدة.
خاتمة الكلام: لا يوجد اي شعب ناضل من اجل التحرر من الاحتلال دون دفع الثمن. الشارع الفلسطيني يقول اليوم: لم نتعب ولم نهرم.
