الساعة العاشرة مساءً، نصل إلى قاعة مطار برلين، بعد عطلة دامت بضعة أيام. نتوجه إلى الصالة الخاصة بالمقلعين إلى تل أبيب. أكوام من الإسرائيليين تتزاحم وتأخذ أمكنتها في طابور طويل جمع شرائح المجتمع الإسرائيلي على كل فئاته. عائلات شرقية، أزواج شابة، أكاديميون بأعمار متفاوتة، أشكنازيون، متدينون وبعض العائلات العربية القليلة، إسرائيل صغرى وقفت في مطار برلين تتأهب للعودة إلى إسرائيل الكبرى.
أقف متأملاً وجوهاً متعبة بعض الشيء، لكنها تفيض، غالباً، بقسط من الفرح والقناعة بما وفرته العاصمة الألمانية من متعة وتجربة وطيب مأكل ومشرب.
ثلاث رحل تزامنت وأُعدت لتنقل ما يزيد عن ألف مسافر إسرائيلي من برلين إلى تل أبيب، جاؤوها سائحين راغبين بإجازة فيها، من دون عواصم ومدن العالم كله، وأنا وسطهم أقف ويسكنني تساؤل الحائر: كيف ومتى ولماذا تصالح هؤلاء مع برلين؟ هل حقاً استطاعوا أن يغفروا ما سطّره تاريخ المكان من جريمة بحقهم وبحق غيرهم من ضحايا؟ هل حقاً استطاعوا أن يدفنوا ضغينة الماضي وتصالحوا مع الحاضر، لأننا في النهاية كلنا في الإنسانية سواء؟.
أتفرَّس وجوه الواقفين وأكبِتُ صرخة وقفت على شفتي، إنها إنسانية مواربة، فيها من الرياء ما يستدعي القلق والشك. كدت أصرخ، كلكم تهافتم على ما تبقى من أثر ونصب لسور برلين، أبقاه من احتفى بإسقاطه، معلماً لانتصار الحرية وتذكاراً لما يجب أن تكون عليه الحياة، بدون قمع وبلا قهر ومهانة. تسابقتم لالتقاط صوركم على خلفية بقايا التاريخ ووجوهكم تفيض بالبسمات والنشوة. رأيتكم هناك في برلين، في معبر "تشارلي" تحتفون بلحظة إنسانيتكم، هكذا أنتم مقتنعون، أما أنا فكدت أصرخ في وجوهكم، أنه الرياء وإنها لحظة العبث والزيف، فبماذا تحتفون؟ وعلى ماذا تنتشون؟ على بقايا سور دُكَّ باسم الحرية والإنسانية وفي دياركم تشيِّدون أسواراً من البغضاء والكراهية. ما هذا الرياء والزيف وكلكم أيَّدَ ودعمَ من قضى وقرر تشييد سور القمع والتفرقة هناك في فلسطين، سور أسس وكرس عشرات الجيتوات التي فيها حشرت آلاف مؤلفة من العائلات الفلسطينية، معدومة الحرية، مقهورة، مقموعة ومهانة.
هناك في صالة المقلعين أقف مشدوهاً وفي أذني يتساقط بعض من رذاذ الفكاهة والتندر، تتراشقون به من على ما حملت أيديكم وجنت من أسواق برلين الحرة الرحبة الخضراء. لا أعرف كم منكم ينتمي لعائلة المجندة "أبرجيل"، لكنني على يقين أن "أبرجيل" هذه، التي استغرَبَت تلك الفوضى والضجة المثارة حول بعض صورها مع أسرى فلسطينيين، ليست إلا "غزة إبرة" قبالة ما قام به بعضكم عندما "خدم" الجيش ودولته.
"أبرجيل" هذه وصفت أيام "خدمتها" بأجمل أيام حياتها، من منكم يختلف معها؟ لا انتظر أجوبتكم، فبداية، كم منكم قرأ عن "أبرجيل" وقصتها؟ وكم منكم قرأ واهتز لما ترمز إليه هذه الحكاية؟ وكم منكم قرأ واهتز واستعد أن يسمع موقفاً أو يخطو خطوة هنا في إسرائيل ليوقف هذا الانحدار والمنزلق؟
يمضي الوقت بطيئاً في صالات الإقلاع، ويكون أبطأ عندما ترافق الانتظار غصة، لكن النهاية دائماً في مقعدك المحجوز في الطائرة.
لم أفلح باقتناص ساعة نوم، فرحتُ أمضي الوقت في قراءة كتاب زاد غصتي غصة، ربما عنه سأكتب في مقالة خاصة. معظم الركاب استطاعوا النوم وساد الجو هدوء، باستثناء بعض الوشوشات الخافتة من بعض المقاعد. مع الفجر وصلنا مطار بن غوريون. تساقط الركاب بهرولة أثيرة عند الإسرائيليين، فإجازة برلين انتهت ومعها تبخرت ما فرضته الحالة البرلينية من كياسة ونظام وسلوك وقواعد، فهنا وما أن تحط الأقدام على أرض "بن غوريون" يعود الهابط لما كان عليه، فهي الغريزة، غريزة المكان والفضاء والثقافة.
أتممنا معاملة المغادرة، وفي الصالة الرئيسية أقرأ عناوين صحف الصباح. قضية "أبرجيل" تحظى بكلمة التحرير الرئيسية في جريدة هآرتس. قضية ما يسمى بـ"حرب الجنرالات ووثيقة جالانت" تتفاعل وتستدعي مخاوف الكثيرين، فهؤلاء آمنوا أن الفساد وإن ضرب فلن يمس بقدس أقداس الدولة وبالذات بمؤسسة "هيئة الأركان"، ومن صمت منهم خلال سنوات مضت قرر أن الوضع خطير وأن الدولة في خطر! مجموعة من رجال الدين اليهود تعقد مؤتمراً تحتج من خلاله على قرار الشرطة الإسرائيلية استدعاء كتبة كتاب "توراة الملك" الذي يوضح ويشرح متى وكيف يتوجب قتل الأغيار! أخبار عن إلحاح أمريكي على إسرائيل لتضرب إيران وضرورة تنفيذها ذلك في غضون أيام. استمرار تصاعد قضية هدم قرية العراقيب وكونها خلفية وسبباً لاعتذار رئيس لجنة المتابعة السيد زيدان عن تلبية دعوة رئيس الدولة شمعون بيرس للمشاركة في حفل إفطار رمضاني في القدس.
لم أواصل قراءة العناوين وآثرت أن أبقي بعضاً من حلاوة الإجازة في حلقي، الذي لم يكن بحاجة لما يغصه، ففيه ما يكفي وأكثر. دلفت مسرعاً خارج بناء المطار، حيث كان الصبح قد انبلج، وصلت إلى بيتي في القدس وبعد ساعتين من ما يشبه الراحة توجهت إلى رام الله حيث أعمل. فكرت مليًا وقلت لمَ هذه القسوة؟ فإن استطاع هؤلاء وفي أقل من ستة عقود أن يصفحوا ويغفروا ويقيموا هذه العلاقة الطبيعة مع برلين وما عنته لهم فلماذا لا يكون هذا بارقة أمل ومدعاة لتفاؤل حذر، فعساهم يستطيعون فعل ذلك في الحالة الفلسطينية والعربية بشكل عام، تفاؤل يأتي رغم قتامة الصورة والرياء الذي تحدثت عنه.
وأنا في حيرة وتضور، عرجت على تلة المصيون، حيث الشاهد يروي أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وطفقت أتمتم لصاحب الشاهد: لقد كنت الأدرى والمحق حينما قلت أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأستأذنته للحظة لأقول في حضرته أن في هذه الأرض من يستحق الحياة!
