جميل.. وماذا عن تدخلها في العراق وافغانستان!

single

بوتين  - ليس يلتسين المخمور ولا غورباتشوف المستسلم!




هناك حالة من الهيستيريا تجتاح الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها الاوروبيين بسبب تدخل الروس عسكريا في شبه جزيرة القرم الاوكرانية، ويعتبرون هذا التدخل غير شرعي وغير قانوني.
لسنا هنا في صدد الإغراق في تفاصيل الازمة وجذورها، فقد سال حبر كثير في هذا المضمار، لكن ما نريد التوقف عنده هو هذه اللهجة الامريكية التهديدية للروس بالمقاطعة التجارية والحصار الاقتصادي والعواقب "الوخيمة" الاخرى حتى لكأن روسيا جزيرة "غرانادا" او دولة بنما الصغيرة، وليست دولة عظمى تملك قنابل نووية واوراقا اقتصادية وحلفاء في وزن الصين والهند.
شبه جزيرة القرم روسية، يقال الرئيس الروسي خورتشوف  اهداها الى اوكرانيا عندما كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي، والغالبية العظمى من سكانها من اصول روسية، وكذلك اجزاء كثيرة من شرق اوكرانيا، وما كانت الامور تصل الى هذه الدرجة من التوتر لولا التدخلات الامريكية السافرة في الفناء الداخلي الروسي.
جون كيري وزير الخارجية الامريكي يهدد بطرد روسيا من مجموعة الدول الثماني الكبرى، وفرض عقوبات اقتصادية ضدها، وتهدد دول الاتحاد الاوروبي التي عقد وزراء خارجيتها اجتماعا طارئا لبحث هذا الامر،  بالاجراءات نفسها مثل الببغاوات، وهي التي ستدفع ثمن اي حرب او حتى حصارات اقتصادية، بينما اعلن رئيس وزراء اوكرانيا الجديد صارخا "اننا على ابواب كارثة"، واستدعى الاحتياط كرد على التدخل الروسي في القرم، والغى قرارا سابقا باعتبار اللغة الروسية، التي يتحدثها اكثر من نصف السكان كلغة رسمية للبلاد في استفزاز متعمَّد لهؤلاء ومشاعرهم وثقافتهم، مثلما هو استفزاز لروسيا وقيادتها.
***
الغالبية العظمى من الشعب الاوكراني صوّتت ضد الانضمام الى حلف الناتو في استطلاعات رأي محايدة مثلما صوت ضد الغاء المعاهدات الاقتصادية مع روسيا لحساب الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، حتى ان الرئيس الاوكراني المنتخب فيكتور يانوكوفيتش جعل من معارضة الانضمام لحلف الناتو على قمة برنامجه الانتخابي ونجح بسبب ذلك ولاعتبارات اخرى، ومع ذلك يقرع سكرتير حلف "الناتو" المستر اندرياس فوغ راسمسن طبول الحرب، ويتأهب للتدخل، ويقول في مؤتمر ميونخ للامن "لولا هذه الوحوش الروسية لكانت اوكرانيا جزءا منا".
هذا هو الفجور الامريكي الاوروبي في ابشع صوره وشاكلته، فأي دولة لا تخضع للشروط الامريكية عليها ان تواجه الحرب او الحصار لشعبها، او الاثنين معا، صغيرة كانت مثل غرانادا او دولة عظمى جبارة مثل روسيا.
من المعيب ان تصف الادارة الامريكية التدخل العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم بانه غير شرعي، فهل كان تدخلها الدموي في العراق وافغانستان شرعيا؟ وهل دعمها اللامحدود للعدوان الاسرائيلي على الامة العربية واحتلال شعوبها ومطالبتها للشعب الفلسطيني الاعزل بالاعتراف باسرائيل دولة يهودية عنصرية اخلاقيا وقانونيا ايضا؟
امريكا تدخلت عسكريا وقتلت اكثر من مليون عراقي تحت ذرائع كاذبة بوجود اسلحة دمار شامل، ولنشر قيم العدالة والديمقراطية، والشيء نفسه فعلته في كل من ليبيا وسورية بطرق مباشرة او غير مباشرة، ولكنها تفعل عكس ذلك تماما في اوكرانيا، وتحشد البوارج الحربية وتهدد بالعقوبات لدعم انقلاب على رئيس شرعي منتخب في انتخابات حرة نزيهة، بغض النظر عن كل الاتهامات له بالفساد، ونحن لسنا معه اذا ثبت فساده فعلا، ولكن من يحاسبه هو القضاء وليس الوزير كيري.
كان امرا مثيرا للسخرية ان يتحدث الاعلام الغربي عن قصر الرئيس الاوكراني يانوكوفيتش وبذخه، فمن يتأمل الصور التلفزيونية يجد ان القصر المملوك اساسا للدولة وسياراته ايضا يتواضع جدا اما قصور رؤساء ورؤساء وزارات اوروبيين، ونحن لا نتحدث هنا عن قصور ملوكنا وامرائنا ورؤسائنا العرب.
استخدموا الاسلوب الرخيص في الحديث عن قصور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وبهدف التشويه والتحريض والتضليل نفسه، ورددنا على ذلك في مقابلاتنا التلفزيونية بان هذه القصور ستبقى للشعب العراقي، مثلما بقيت قصور اسرة محمد علي ومن قبلها مقابر الفراعنة (الاهرامات) للشعب المصري، وهذا ما حصل فعلا فمن يقيم في قصور صدام الآن في العراق؟ ومن سيقيم في قصر الرئيس الاوكراني المعزول لاحقا؟
امريكا تعيش حالة من السعار، وتريد جر العالم الى حرب عالمية ساخنة، ومن المؤسف ان اوروبا تجاريها في ذلك، وتلث خلف نواياها التدميرية هذه وهي مفتوحة الاعين.
***
الاتحاد الاوروبي تقدم بمبادرة حملها مبعوثوه الى اوكرانيا لحل الازمة بالطرق السلمية، ووافقت جميع الاطراف عليها، بما في ذلك الرئيس الشرعي المنتخب ، تنص على اجراء انتخابات رئاسية مبكرة في ايار المقبل، لكن المتظاهرين المتطرفين، والمحرضين (بفتح الراء) من قبل الادارة رفضوا هذه المبادرة واجهضوا آخر فرصة للحل السلمي.
نفهم ان الديمقراطية هي حكم صناديق الاقتراع والاختيار الشعبي الحر، ولكن يبدو ان الولايات المتحدة ترى مفهوما آخر، اي تحريض الشعوب للثورة، والاعتصام في الميادين العامة وسط كييف للاطاحة بحكومة ورئيس منتخبين لان هذا الرئيس ليس صديقا لها، ولا يأتمر بأمرها.
أمريكا قد لا تخرج فائزة من "محنة كييف" ليس لانها ضعيفة، وانما لان قيادتها لا تدرك ان العالم تغير، وانها لم تعد القوة العظمى الوحيدة فيه، وان التقارب الروسي الصيني في ذروته، وان ساكن قصر الكرملين ليس يلتسين المخمور، ولا غورباتشوف المستسلم، وفوق كل هذا وذاك ان امريكا باتت عنوان الكراهية في العالم بأسره لتدخلاتها العسكرية الدموية.
اوكرانيا على حافة الهاوية، وقد تجر العالم بأسره خلفها اذا ما انهارت واستمر الغرب وامريكا في سياسته المسعورة الساعية للمواجهة العسكرية ولا بديل في رأينا عن الحوار للخروج من هذه الازمة قبل ان تحرق العالم بأسره. (رئيس تحرير "الرأي اليوم")

قد يهمّكم أيضا..
featured

حقائق يجب معرفتها

featured

زياد رحباني... سنفهمك يوماً

featured

حدود الشخصنة!

featured

ليس التألّم علامة الخضوع !

featured

من المستنقع للوحل؟! لا يكفي

featured

استقالة غامضة لرهينة أل سعود