هداة بال؟

single

*تبدأ السهرة وهنا يتناوب الميكروفون فيأتي بدل المتفجرات ليتسلط على بيوتنا بموسيقى صاخبة وبدل ان تطرب الأذن تخدشها خاصة إذا نشط صاحب الميكروفون على استنهاض همم الناس بصراخه هو الآخر هي هو.. بلا أبو فلان أبو علان أويّا.. إلى آخر هذه الظواهر الهمجية..*

 


هنالك آية قرآنية نصها كالآتي "واقصد في مشيك واغضض من صوتك ان أنكر الأصوات لصوت الحمير" صدق الله العظيم. ما رأيكم فيما لو رشحنا هذه الآية الكريمة لتكون أكثر آيات القرآن الكريم ترديدًا في وسطنا العربي في هذه الأيام بالذات... أيام الصيف.. أيام الأفراح والأعراس أيام "هداة البال"!! الله يهدي بال الناس كلها.. جملة نقولها جزافًا لنعبر فيها عن مجاملتنا الغبية لكل الناس في أفراحهم!! مع اننا نعرف من صميم قلوبنا ان هداة بالنا لن تكون مع هذا الجنون الذي يركبنا خاصة في الأفراح.. وكأن فرحنا يجب ان يغطي على تفكيرنا السليم فنسمح لأنفسنا بكل ما يجول بخاطرنا من جنون بشرط ان يبرز بين الأنام.
أي هداة بال نعني حين نبعث صوت الميكروفون (والكلمة مفضلة عندي من كلمة مكبر الصوت العربية) لأنها أصلية في مفاهيمنا! "فالعزايم" أصبحت نبض مسجّل.. لذلك نسمع التسجيل بعد التسجيل يجلجل في شوارعنا.. بفارق دقيقة أو دقيقتين وبعد كل خمسين متر وعلى مدار ساعتين على الأقل من الزمن.. أبو فلان وأبو فلان يدعونكم طبعًا لتناول العشاء أولا ثم لحضور السهرة بمناسبة زفاف ولديهما فلان وفلانة. إزعاج مروّع يفقد المرء الشهية حتى للعشاء!!
وبعد هكذا جولة يعود صاحب الميكروفون للذي كلفه بالدعوة ليعلمه انه "طخ" البلد من أقصاها إلى أقصاها فلم يبق ولا .... إلا وسمع الدعوة!
والآن هيّا للحساب وللأجرة.. فيناوله صاحب الفرح مبلغًا يقال انه يصل إلى ثلاثمائة شاقل؟ أي مبلغًا مضاعفًا لتكاليف الدعوات المكتوبة والتي لا تزعج أحدًا! ولكن ما زال مجتمعنا يخشى ان ينسى ذلك الاسم أو تلك الشخصية فيفضل إلى "أهالي قريتنا الكرام" لتشمل الجميع!!
مشهد آخر.. أيعقل ان يعلن متجر ما عن "تنزيلات هائلة".. كل يوم..! ان هذا ما يحدث على الأرض فعلا!! فالميكروفون يزعق يوميًا تقريبًا ليخبرنا عن التنزيلات التي يضعها المتجر الفلاني بين أيدينا.. فكذا وكذا بمائة شاقل ثم كذا وكذا وكذا بمائة شاقل أيضًا.. المهم ان تلحق نفسك "يا بو العيال"!!
سؤال راحة الناس النيام يوم الجمعة (يوم العطلة الأسبوعي) أو ان شئت نوم طلاب المدارس في يوم عطلتهم أو راحة المرضى والعجّز - كل هذه أمور ثانوية لا يهتم بها احد.. المهم هو الصراخ وجعجعة الميكروفون!!
وصلنا بصحبتك إلى ساعات المساء ها نحن نستمع إلى المفرقعات تهز السماء والأرض.. لنعرف ان "المولد النبوي" انتهى في بيت فلان صاحب الفرح.. وان العشاء وقع.. بعد ساعة أو ساعتين عندما يأخذ الليل يبسط جناحيه وظلامهما على الدنيا وغالبية الناس بجميع أشكالهم يبدأون بالتفكير بالخلود للراحة للنوم.. وإذا بالمفرقات تهز السماوات والجبال مرة أخرى ولكن هذه المرة اعنف وأطول رمنًا.. لماذا؟ الآن العروس قد وصلت للسهرة أو لان العريس دخل لسهرة الحنّا.. المهم التفجير ودوي قنابل الصوت على اختلافها.. ينتهي ذلك وتبدأ السهرة وهنا يتناوب الميكروفون فيأتي بدل المتفجرات ليتسلط على بيوتنا بموسيقى صاخبة وبدل ان تطرب الأذن تخدشها خاصة إذا نشط صاحب الميكروفون على استنهاض همم الناس بصراخه هو الآخر هي هو.. بلا أبو فلان أبو علان أويّا.. إلى آخر هذه الظواهر الهمجية..
أهلنا الكرام دعونا نصدّق من جديد ان القرية بهدوئها مفضلة على المدينة في ضوضائها!! فلنحافظ على أجوائها نظيفة وعلى مجتمعها سالمًا وعلى وجهها وسمعتها من كل هذه الشوائب نحن نستطيع على ذلك ونستطيع الاستغناء عن كل هذا.. في النهاية دامت الأفراح في دياركم زاهرة.

 


(دير الأسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الذكرى المئوية لثورة اكتوبر الاشتراكية: نقطة تحول مهمة في تاريخ العالم الحديث

featured

جولات بيرس وجرائم جيوشه

featured

"ماكو أوامر" وخيول العرب

featured

السياسة و الحرب تزيد من الفقر في ليبيا

featured

الحذاء الفصيح في الزمن غير الصحيح

featured

اغتيال القنطار قرب دمشق

featured

علاجٌ وحيد للاستيطان الإجرامي.. إزالته!