ما أن تحقق الانتصار الأول والحاسم لثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر بازاحة رموز النظام القديم عن سدة الحكم .. وقبل أن تتشكل ملامح الدولة الجديدة، حتى أخذ الجدل (بأشكاله الفكرية والسياسية والدينية) في التزايد على الساحة السياسية والمجتمعية في مصر, حول طبيعة وشكل الدولة القادم، وهل يكون مدنيا - ديمقراطيا؟ أم دينيا – اسلاميا؟ أم مدنيا بمرجعية اسلامية؟ ومن المهم هنا الاشارة الى الحضور القوي لجماعات الاسلام السياسي في مصر منذ زمن السادات، والذي تزايدت قوته نتيجة لعوامل متعددة ليس مجال الخوض فيها الآن.
ولا يزال الجدل دائرا، وأظنه سيبقى حتى اقرار الدستور الدائم لمصر. وقد تمثلت الحادثة الأكثر بروزا والتى أدت الى تسخين هذا الجدل، في الملابسات التى أحاطت بواقعة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، التي خاضتها بعض القوى تحت شعارات دينية واضحة .. بدءا من القول بأن "التصويت بنعم واجب شرعي", وانتهاء باعتبار البعض أن الموافقة على هذه التعديلات وانتصار رأى القائلين ب(نعم) لم يكن ناتجا عن رغبة أغلبية المصوتين في تحقيق الاستقرار والتجاوز السريع لمرحلة الثورة الى مرحلة الدولة، انما هو تعبير عن انتصار لهذا الاتجاه الديني على التحديد، فأسماه أحد شيوخهم ب"غزوة الصناديق".. بما تحمله تسمية (الغزوة) من معاني الغلبة والقهر ذات الطبيعة الدينية الواضحة، بالاحالة الى الدلالات التاريخية للحروب الدينية فى العصور الاسلامية الأولى.
هكذا أخذ الأمر أبعادا تجاوزت الموقف السياسي لتصل الى الصراع الطائفي - الديني المباشر. خاصة اذا عرفنا أن بعض المصوتين ب(لا) كانوا من المسيحيين، الى جانب باقي المصريين بالطبع، الذين رفضوا هذه التعديلات لأسباب متعددة .. لعل أبرزها الاعتراض على الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس. بينما كان دافع القائلين بنعم, من أصحاب الاتجاهات الدينية، هو ما اعتبروه حفاظا على المادة الثانية من التعديل الدستورى، الذى تابع ماجاء فى الدستور السابق، من أن الدين الرسمي للدولة هو الاسلام، وأن مباديء الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
فبدا الأمر وكأنه صراع بين أنصار الدولة الدينية من المحافظين على الصفة الدينية الاسلامية للدولة المصرية.. وأنصار الدولة المدنية (التى يمكن أن تفهم هنا، حسب دعايات الفريق المشار اليه من أصحاب ال"نعم" على أنها دولة لادينية، وربما كانت فى نظرهم معادية للدين على نحو مباشر وصريح).
وبصرف النظر عن واقعة الاستفتاء، (فقد ثبت أنها كانت خالية من المعنى ، نظرا لصدور اعلان دستوري عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بعد ذلك، شمل أكثر من ستين مادة دون اللجوء الى استفتاء أو غيره), فانه من الواضح هنا وجود قدر هائل من الخلط أوعدم الدقة فى تعريف وفهم كلا المفهومين (أى الدولة الدينية والدولة المدنية) .. فهل كانت الدولة السابقة على الثورة دولة دينية لمجرد النص على أن دين الدولة هو الاسلام ؟؟ وبالتالى، هل الغاء هذا النص يعني أن الدولة قد أصبحت ملحدة مثلا ، أو معادية للدين ؟؟ وما معنى الدولة المدنية ؟؟ وما موقفها من الدين ؟؟ وما معنى الدولة الدينية ؟؟ وهل قيامها يحقق صالح الدين أو صالح الوطن ؟؟ وهل حققت تجارب الدولة الدينية المعاصرة نجاحا وازدهارا لشعوبها من أى نوع ؟؟
لقد عرفت البشرية مفهوم "الدولة الدينية"، ومقابله "الدولة المدنية" ورديفها "العلمانية"، في العصور الحديثة فقط، عندما أطلقت هذه التسمية (الدولة الدينية) للدلالة على الدولة التى تتمتع فيها الكنيسة، باعتبارها ممثلة للسلطة الروحية (الدينية)، في الوقت نفسه بنوع من السلطة الزمنية (الدنيوية). أي أنها جهة واحدة تجمع السلطتين معا: الدينية والدنيوية، وهو ما كان حادثا فى أوروبا خلال العصور الوسطى، ولا يزال يحدث حتى يومنا هذا في بعض البلدان. فكانت تقوم بتنصيب الملك ومنحه الشرعية، وتقوم ببعض أدوار الشرطة والقضاء، فتقبض على من تراهم مخالفين، وتطبق عليهم الأحكام. وتجمع الضرائب وتتدخل في الأنشطة الفكرية والعلمية والفنية والسلوك الشخصي للأفراد .. الخ. ولم يخل الأمر من بعض المذابح والكثير من ألوان الاضطهاد والارغام فى حق أصحاب الأديان المغايرة كاليهود (والمسلمين فى الأندلس) .. وحتى فى حق المسيحيين أنفسهم من أتباع الطوائف أو المذاهب المخالفة كالمذابح المتبادلة بين البروتستانت والكاثوليك والتي ظلت بقاياها ماثلة الى عهد قريب فى الجزء الانجليزى من ايرلندا. وكانت الكنيسة تقوم بذلك مدعومة من - أو متحالفة مع – الملك والاقطاعيين، في حلف طبقى - سياسي – ديني، يتحكم في أرزاق ورقاب البشر والشعوب.
حتى قامت الثورة الفرنسية (1789) وما تلاها من ثورات في مواجهة هذا النظام بأكمله، وأصبح من المحتم ازاحة السلطة الملكية الاستبدادية (الأوليجاركية) مع كل حلفائها من رجال الدين والاقطاعيين. لتقيم مكانه نظاما آخر، مدنيا, يقوم على الدستور والقانون والمؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية المستقلة ، وليعود الدين شأنا دينيا صرفا وليس مرتبطا – أو مهيمنا على - بأي شأن آخر، كما هو متعارف عليه الآن في معظم دول العالم المسمى بالحر أو الديمقراطى.
وقد عرف التاريخ العربي والاسلامي، بدوره، ألوانا متفاوتة من الصراع السياسي القائم على أسس دينية وعلى الاستغلال السياسى للدين، بدءا من واقعة التحكيم بين على (رضي)ومعاوية، واضطهاد المخالفين فى الرأى والتعامل العنيف معهم بوصفهم كفارا، مثل ما حدث مع أبو منصور الحلاج والسهروردي وابن رشد والخوارج والشيعة والزنج والقرامطة .. الخ. ولا يزال الاستخدام السياسي للدين قائما بدرجات متفاوتة في معظم البلدان العربية والاسلامية. ولعل أبرزها فتوى تحريم التظاهر ومعارضة الحكام فى السعودية، واعتبار المعارضين من أولياء الشيطان فى ايران.
ان هذا يعني أن الدولة تكون دينية بقدر ما يتحكم فيها (بدرجة أو بأخرى) رجال الدين، أو ممثلو الدين، بمقتضى صفاتهم الدينية أو بارتكازهم على دعاوى دينية (وليس باعتبارهم مجرد متدينين عاديين)، فى الشأن السياسي العام، كأن تتم صياغة القوانين العامة على أسس دينية ولخدمة أصحاب الدين المعين أو حسب تعاليمهم الدينية، دون غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى من المواطنين. أو أن تتم التفرقة بين المواطنين واستبعاد جنس أو طائفة منهم وحذفها من الحياة العامة، كالمرأة أو الأقباط مثلا، تبعا لتعاليم هذا الدين. أو أن يتم قصر نوع من الوظائف العليا على طائفة دينية دون غيرها. أو أن يتم التدخل القسرى بالتحريم أو التجريم والمنع والمعاقبة، فى شئون غير دينية بطبيعتها كالعلم والفن والفكر. أوالتدخل فى سلوكيات الأفراد وحرياتهم الشخصية .. الى غير ذلك، تحت ذرائع دينية مزعومة. مما يمكن أن يصبغ المجتمع بنوع من الاستبداد والشمولية المتسترة بالقناع الديني.
وغني عن القول ان الدولة قد تكون استبدادية ولكنها غير دينية، بينما تستعين برجال الدين أو بالدعاية الدينية في مواقف أو لحظات تاريخية معينة، بغية تحقيق أغراض سياسية واضحة، مثلما فعل السادات ومبارك وصدام حسين وجعفر نميرى وضياء الحق .. الخ. ولكن لايمكن القول أن الدول فى عهود هؤلاء كانت دينية، وانما كانت توظف الدين وتستخدمه كما تستخدم أية أداة دعائية أخرى، فى نفاق أوخداع جمهورها. ان هذا يعنى أن مجرد ذكر عبارة "الدين الرسمى للدولة هو .." الخ، لايعنى بالضرورة أن هذه الدولة تعد دولة دينية بالمعنى الكامل للكلمة. وان كانت قابلة لذلك ، أو مرشحة له على نحو أو آخر، مثلما حدث فى السودان بعد حعفر النميرى.
وقد تقوم الدولة على أسس دينية أو طائفية محددة وواضحة، بما يعني أنها دولة لأصحاب هذا الدين أو الطائفة فقط، وما يستتبع ذلك من اجراءات وقوانين وممارسات، تفضي في مجملها الى أن يتحول كل أتباع الديانات أو الطوائف الأخرى الى مواطنين من الدرجة الثانية, وربما لايصبحون مواطنين بالأساس. وفى المقابل يصبح المواطنون المنتمون لدين الدولة محكومين بمراسيم دينية تتحكم في فكرهم ووعيهم وسلوكهم، بصرف النظر عن اراداتهم أو رغباتهم الخاصة، وتصبح المرجعية الحاكمة التى يقاس عليها صواب وخطأ أية فكرة أو موقف أو سلوك، هى فتاوى رجال الدين أو قادة الجماعات الدينية. وهذا يوضح ما صرح به عدد من بعض أصحاب الاتجاهات الاسلامية المتطرفة، من أن الديمقراطية ليست نظاما اسلاميا، من وجهة نظرهم. لأن الحاكمية فى الاسلام، حسب زعمهم، انما هي لله الذى بث أحكامه فى النصوص الدينية المقدسة، متمثلة فى القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة.
ولأن هذه النصوص متعددة المستويات من حيث الوضوح والتعقيد، فمنها المحكم ومنها المتشابه ومنها الناسخ والمنسوخ، وتتأثر فى فهمها بدرجة الوعى اللغوي، والبلاغي، والوعي بأسباب النزول .. الخ، فانها تحتاج الى شيوخ متخصصين من أجل شرح وتبيين الحكم الديني على وجه الدقة واليقين. من هنا أصبح ما يسمى بحاكمية الله، فى حقيقته، ليس الا حاكمية الأمير أو الشيخ الذى يفسر هذا النص الديني ويستخرج معانيه. ولأن هذا الأمير أو الشيخ مجرد انسان يداخله الهوى والنقصان والغرض، اذا بالدين يتم احتكاره وتأميمه لصالح فئة محددة وربما لصالح شخص واحد، ومن ثم يتحول الى لعبة سياسية بامتياز، وتتحول الدولة التي يستمد حكامها شرعيتهم من الدين الى شموليات استبدادية ظلامية يسودها القمع والقهر والتخلف بمختلف ألوانه وأشكاله، فمنذا الذي يحق له معارضة من ينطق بلسان السماء ويحقق ارادتها !!. لذلك حدث ما عرفه التاريخ الاسلامى بمحنة أحمد بن حنبل وما أشرت اليه آنفا من حروب الخوارج والشيعة والفرق الكلامية التى يدعي كل منها أنه وحده الفرقة الناجية والباقون كفار ومصيرهم فى النار ودمهم حلال .. ومثلما حدث فى دولة طالبان أفغانستان من صدور أحكام بالغة الغرابة والعجب، كتحريم الحلاقة مثلا أوتحريم الموسيقى وتعليم البنات .. الخ. وما يحدث فى السودان والصومال من صراع لانهائى يكون ثمنه ضياع الانسان والأوطان. أو أن يصبح الدين أحد أسلحة "المتغلب" الذى لايتورع عن اشهاره فى وجه خصومه حتى لو كانوا ينتمون الى الدين ذاته، ويستخرج منه ما يبرر اجبارهم على طاعته وتقديس سلطته، والا حق له قتلهم ومحقهم. هل لذلك علاقة بما صدر فى السعودية مؤخرا من مراسيم (غير السابق الاشارة اليها)، مدعومة بفتاوى دينية بالطبع، تحرم توجيه النقد أوالاعتراض لأى من رجال الدين أو الحكام، معا ؟؟.
هذه هي الدولة الدينية التي يرى بعض الفقهاء، مثل الماوردى ومحمد عبده وعلى عبدالرازق وغيرهم، أن لاعلاقة لها بالاسلام. وأن الاسلام، حسب الأخيرين تحديدا، انما يقوم على أن الأمة – الشعب، هي مصدر السلطات وأن نظم البيعة، والشورى، وعدم جواز احتكار الحقيقة الدينية أو الدنيوية، انما هي الأجنة الأولى لدولة القانون والمؤسسات والحريات بالمعنى المعاصر للكلمة.
ان هذا يعني أن البديل الوحيد الممكن، الذى يتفق مع الفهم المتطور لصحيح الدين والذى يقبله عصرنا ويحقق مصلحة بلادنا ويحفظ وحدتها، والذى يستطيع أن يجنبنا مصير أفغانستان والصومال وممارسات الزرقاوى (الملقب بأمير الذباحين والذي قتل من المسلمين أضعاف ماقتل من المحتلين فى العراق) وملالي ايران .. الخ، يتمثل في نموذج الدولة المدنية الديمقراطية. وهى الدولة القائمة على أن السلطة فيها للشعب وهو مصدر شرعية الحكم، وأن مصلحته ورضاه هما معيار الصواب والخطأ فى عمل الحكام. انها تلك الدولة القائمة على حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، وأن الشعب يمثل كيانا واحدا غير مجزأ ولا ينبغى السماح بوجود أى تمييز بين أبنائه في الحقوق والواجبات على أي أساس, سواء أكان العرق أو الدين أو الجنس .. وأن هذا الشعب يمثل، فى جملته، كيانا راشدا لايحتاج الى وصاية ولا هيمنة من أحد مهما بلغ شأنه . وأن هذه الدولة تدار عن طريق دستور يتم اقراره على نحو ديمقراطى ويتفرع عنه جملة من القوانين تقوم بسنها سلطة تشريعية منتخبة ومستقلة، وتقوم بتنفيذها سلطة تنفيذية مستقلة ومسؤولة أمام الشعب، ويفصل في خلافاتها سلطة قضائية مستقلة بدورها، ولا سلطان عليها الا سلطان القانون .. الى غير ذلك من أحكام تقوم جميعها على فكرة أن الدولة انما هى ملك للشعب وخادمة له وليست متسلطة عليه. كما أنها كيان بشري لاقدسية له ويمكن نقده وتعديله وتطويره متى دعت الحاجة ومتى اتفقت ارادة الشعب أو أغلبيته على ذلك.
إن الدولة المدنية، اذن، هى دولة القانون القائمة على فكرة المساواة والعدل والحرية في مقابل كل معاني الاستبداد والقهر والشمولية. كما أنها الدولة الوحيدة التي يمكن أن تحفظ للدين قدسيته وتحميه من الابتذال والاستغلال في غير موضعه وفى غير ما أنزل من أجله، ان دور الدين هو الحفاظ على مكارم الأخلاق (انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والسمو الروحي القائم على التدين الاختياري الخالي من القسر والخوف من المطوعة ورجال الهيئة اياها، والرقي الانساني القائم على الرحمة والعطف والمحبة. كما أن هذه الدولة المدنية هي الوحيدة التي تقوم على حماية حق الاعتقاد والايمان، وتحمي جميع المتدينين من طغيان وقهر أتباع الأديان الأخرى. فالجميع أمام القانون سواء ، والجميع مواطنون مصريون يمتلكون وطنهم وحريتهم.
ولا حرية لوطن يرسف أبناؤه في أغلال العبودية
ولا حرية لأعداء الحرية.
