أجد من الصعوبة بمكان ان اصدق بأنه توجد قوة او نظام او انسان موضوعي في عالمنا على قناعة ويحدوه الامل التفاؤلي بان اعتى قوى اليمين المتطرف المنضوية تحت لواء حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك لديها أي نية او خطة او حتى جنوح لتسوية سياسية عادلة للصراع الاسرائيلي –الفلسطيني- العربي او لاستئناف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية. فمن يتمسك فكريا وسياسيا بأجندة "حق القوة" المشحون بديماغوغية دينية حول وعود الرب سبحانه وتعالى بمملكة "ارض اسرائيل الكبرى" يهودية نظيفة من "الاغيار" وبديماغوغية سياسية لحماية "الامن القومي" الصهيوني من "وحوش الارهاب" او دوليا، القيام بدور المخفر الامامي كوكيل وكخادم وكشريك في خدمة الاستراتيجية العدوانية الامبريالية ضد مصالح شعوب المنطقة وكونيا، من يتمسك بهذه الاجندة لاغتصاب حق شعب آخر بالحرية والاستقلال الوطني، لاغتصاب حق الشعب العربي الفلسطيني في التحرر من نير الاحتلال الاسرائيلي ومن الشتات القسري في بلاد الغربة والقربى، من يتمسك بهذه الاجندة لا يمكن ان يكون نصير او طالب سلام عادل او يرجى منه خير فالذئب لا شاغل له سوى الافتراس والايقاع بالضحية لالتهامها.
في ملحق الاسبوع الماضي من "الاتحاد" تطرقنا الى الحراك السياسي المكثف والناشط لاوساط عربية واوروبية وتركية وامريكية وروسية وغيرها التي بذلت جهودا لاخراج العملية السياسية من هاوية الركود ودفع عجلة التفاوض الاسرائيلي – الفلسطيني "المكربجة" بسبب التعنّت الرفضي الاسرائيلي.
وأكدنا في سياق تلك المعالجة ان ادارة اوباما الامريكية وراء تحريك مختلف خيوط الحراك السياسي وبتنسيق تام ومتواصل مع حكومة نتنياهو اليمينية. كما اكدنا عدم تفاؤلنا من نتائج ايجابية لهذا الحراك، ولن يكون اكثر من "تبرطع كرار" بدون نتائج جدية كما يقول المثل. وقد اثبتت التطورات السياسية والدبلوماسية المتلاحقة واحداثها المأساوية مصداقية ما اكدناه. فنحن على قناعة تامة بانه ليس لدى التحالف الاستراتيجي الاسرائيلي – الامريكي خطة جدية او مبادرة جدية لتسوية عادلة للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني والاسرائيلي- العربي. وكل ما يجري في الآونة الاخيرة من الاعلان عن مبادرات امريكية للتسوية وعن تصريحات متباينة لمسؤولين اسرائيليين وامريكيين ليست - حسب رأينا- اكثر من مناورات منهجية لاعادة ترتيب اوراق الموقف الامريكي والاسرائيلي، "مكيجتها" ولكن دون تغيير جوهر الموقف المعادي للتسوية العادلة وللحقوق الوطنية الفلسطينية. وسنحاول في سياق معالجة اليوم الوقوف على المدلولات السياسية للافق الاستراتيجي للمناورات الاسرائيلية – الامريكية ومدى خطورتها.
• خيّبوا ظن المعتدلين
بعد اللقاءات المكثفة التي جرت في مصر والسعودية بين مبارك وعباس والملك الاردني ومبارك وفيصل السعودي وعباس وامير قطر وفيصل السعودي وغيرها، والتي لم تثمر ضغوطها في "تليين" الموقف الفلسطيني والرئيس محمود عباس المتمسك بالموقف الوطني انه لا استئناف للمفاوضات مع اسرائيل ما دام المحتل لا يلتزم بوقف جميع اشكال النشاط الاستيطاني وتحديد مرجعية سياسية للتفاوض محددة بجدول زمني، بعد هذه اللقاءات تقرر ارسال وفد عربي مؤلف من رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان ووزير الخارجية احمد ابو الغيط الى واشنطن، كما قام في نفس الفترة وزير الخارجية الاردني ناصر جودة بالتوجه الى واشنطن. وكان الدافع والهدف المعلنان ان ادارة اوباما تبلور مبادرة لاستئناف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية تتخطى عقبة الرفض الاسرائيلي لتجميد جميع اشكال الاستيطان ووقف تهويد القدس الشرقية. وان في جوهر المبادرة التفاوض حول الحدود، بحيث تكون خطوط الهدنة من سنة 1949 وسنة 1967 المرجعية مع تعديلات او تبادل اراض تتيح لاسرائيل ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة وضم القدس الشرقية بغالبيتها الساحقة تحت السيادة الاقليمية الاسرائيلية، وان يجري خلال سنتين التوصل الى تسوية الحل الدائم. وسافر الوفد العربي ترافقه زفة اعلامية انه سيعمل للتأثير على المبادرة الامريكية قبيل مجيء موفد الادارة الامريكية الى الشرق الاوسط جورج ميتشل، تأثير يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية. وعاد الوفد من واشنطن قاطفا ثمار الخيبة، فقد اعلن وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط انه لن يكون قريبا أي لقاء بين عباس ونتنياهو ولن تستأنف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية، ففي محادثات الوزير المصري وكذلك الوزير الاردني مع وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون فقد اكدت لهما ان موقف ادارة اوباما هو استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة، أي تبني الموقف الاسرائيلي وتشجيعه على مواصلة الاستيطان وتهويد القدس الشرقية.
واثناء وجود وزيري الخارجية المصري والاردني في واشنطن برز "تقاسم الوظائف" بين المسؤولين في ادارة اوباما كوسيلة تكتيكية لتجسيد "توازن" موهوم في الموقف الامريكي من اطراف الصراع ولكن دون التخلي عن الموقف المنحاز الى جانب الحليف الاسرائيلي الاستراتيجي. فاثناء وجود الوفد العربي اجرت محطة "بي.بي.سي" التلفزيونية الامريكية مقابلة مع المندوب الامريكي الخاص لادارة اوباما الى الشرق الاوسط جورج ميتشل. وفي هذه المقابلة ركز ميتشل على امرين: الاول، ان على حكومة اسرائيل توفير الظروف والتسهيلات المناسبة لدفع عجلة التفاوض مع الفلسطينيين، وانه بموجب القانون الامريكي فان واشنطن تستطيع حجب او تقليص الدعم عن ضمانات منح قروض من بنوك ومؤسسات مالية امريكية وعالمية لاسرائيل بشروط وتسهيلات مريحة وبمعدلات فائدة بنكية ومصرفية اقل! والثاني، نصيحة حكومة نتنياهو بافشال وعدم اتمام صفقة تبادل الاسرى مع حماس لاطلاق سراح شاليط لان ذلك يمس بالثقة مع الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية ويشجع عمليات الارهاب والخطف عالميا. لقد حاول ميتشل من خلال تصريحه هذا الظهور بمظهر من يقف الى جانب المطالب الفلسطينية والى جانب الرئيس محمود عباس، موقف يستهدف عمليا الضغط "الجنتلماني" لتليين موقف محمود عباس. ولكن بالنسبة لموقف ميتشل من الضمانات لاسرائيل فقد واجه عاصفة من الانتقادات الاسرائيلية والامريكية جعلته يلحس تصريحه ويتراجع عنه، فهو يدرك مدى تأثير اللوبي الصهيوني الامريكي والكونغرس الامريكي المؤيدين للعدوانية الاسرائيلية. فميتشل يضرب على "الوتر الفلسطيني" وكلينتون تضرب على الوتر الاسرائيلي اما الموقف الامريكي الرسمي فيبقى الانحياز الى جانب العدوانية الاسرائيلية. وآخر تقليعة عن اعادة ترتيب الاوراق الامريكية هو ما ذكرته صحيفة "هآرتس" في العاشر من شهر كانون الثاني/ يناير الحالي انه في ضوء رفض الرئيس الفلسطيني استئناف المحادثات المباشرة مع اسرائيل دون وقف جميع اشكال الاستيطان، فان ادارة اوباما تطرح مبادرة للتبلور يتم بموجبها مواصلة الاتصالات بين الفلسطينيين والاسرائيليين في صيغة محادثات جسر الهوة عن طريق مفاوضات غير مباشرة وعبر جولات متعددة. وان ميتشل سيطرح هذه المبادرة على الطرفين عندما يصل قريبا الى المنطقة. مبادرة غير منطقية وغير واقعية، لانها تحرر المحتل الاسرائيلي من اية استحقاقات او التزامات او أي تقيد بقرارات الشرعية الدولية حول الحقوق الوطنية الفلسطينية.
• القلعة العسكرية المغلقة
حقيقة هي انه خلال حوالي اثنين وستين عاما منذ قيام اسرائيل قد حولتها القوى الامبريالية المتعددة وخاصة الامبريالية الامريكية الى ترسانة عسكرية ضاربة والى "اسبارطة صهيونية"، مشحونة بروح حق القوة العسكرية والشوفينية العنصرية والاستعلاء القومي والقرصنة العدوانية مدفوعة الثمن وانسجام وتساوق مصالحها بالتوسع الاقليمي العدواني مع مصالح استراتيجية الهيمنة الامبريالية في المنطقة وكونيا ضد مصالح الشعوب وحركات التحرر والتقدم العالمية. فحتى تواصل اسرائيل قيامها بدور اسبارطة كمخفر استراتيجي امبريالي امامي فان الدوائر الامبريالية الامريكية حريصة على تعزيز التحالف الاستراتيجي متعدد الجوانب عسكريا واقتصاديا وتجاريا وثقافيا مع اسرائيل والمنظمة الصهيونية العالمية، حريصة على ضمان بقاء اسرائيل متفوقة عسكريا، نوعا وكما، على جميع جيرانها وبلدان الشرق الاوسط. فاسرائيل لا تمثل قوتها العسكرية والاقتصادية الذاتية بل القوة العسكرية المتطورة الامريكية والى حد ما الحلف اطلسية. ولهذا لم يكن من وليد الصدفة ان تشن اسرائيل الرسمية وبدعم امبريالي اكثر من ست حروب عدوانية في المنطقة واحتلال مساحات واسعة من الاراضي الفلسطينية والسورية والمصرية (حتى اتفاقات كامب ديفيد) اكبر باكثر من ثلاثة اضعاف مساحة اسرائيل وكان آخرها حروب الابادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية ضد لبنان والمقاومة اللبنانية في العام الفين وستة وضد قطاع غزة في السنة الماضية. كما انه ليس من وليد الصدفة انه في الظرف الراهن وبالرغم من وجود ما يشبه الاجماع الدولي على انه بدون اقامة دولة فلسطينية لا يمكن ضمان الامن والاستقرار والسلام في الشرق الاوسط. رغم كل ذلك فان حكومة قوى الاستيطان والاحتلال والفاشية العنصرية واليمين المتطرف برئاسة نتنياهو تواصل البلطجة العدوانية العربيدة من جرائم استيطان وتهويد ومجازر ضد الشعب الفلسطيني والتنكر لحقوقه الوطنية. ففي مطلع الاسبوع الماضي عاد نتنياهو من خلال اجتماع مجلس وزرائه الى التهديد بحرب اجرامية جديدة ضد قطاع غزة، عاد الى البلطجة العربيدة لدفن أمل قيام دولة فلسطينية مستقلة، كما قدم شكوى للادارة الامريكية ضد الرئيس محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض يتهمها بالتحريض ضد اسرائيل، فهل مدلول هذه الدعوة مؤشر لفرض حصار على محمود عباس والاطاحة بالسلطة الفلسطينية ومعاملته كما عومل الرئيس ياسر عرفات حتى مات مقتولا بالغدر والسم حسب ما يُردَّد، ام هي محاولة لارهاب محمود عباس وتركيعه للاملاءات الاسرائيلية.
إن حكومة "اسبارطة الصهيونية" تخطت كل الحدود الحمراء في معاداتها للشعب الفلسطيني وللتسوية السياسية في المنطقة وذلك باعلان رئيس الحكومة نتنياهو يوم الاثنين (12-1-2010) انه صادق على تحصين اسبارطة بأسيجة وجدران الكترونية وابراج مراقبة من جميع جهات حدودها مع البلدان العربية المجاورة. والخطة التي اعلن عنها هي اقامة الجدران والاسيجة على طول الحدود مع مصر. ويتألف الجدار من مقطعين، مقطع من قطاع غزة جنوبا، من معبر كرم ابو سالم بطول 50- 60 كم مزودا بمجسات انذار والجدار الثاني مقابل ميناء ايلات بطول 180كم شمالا.
وحسب ادعاء اسرائيل ان الهدف من اقامة هذا الجدار هو منع تسلل الارهابيين والمستللين الافارقة ومهربي المخدرات الى اسرائيل. وهذا ليس الدافع المركزي حسب رأينا، فاذا كان هذا هو الدافع والهدف وانه تم الاتفاق على اقامته مع النظام المصري فما الفائدة يا نظام مبارك من اقامة الجدار الفولاذي على الحدود مع غزة، أليس الهدف المشترك مع اسرائيل تضييق الخناق والحصار على قطاع غزة؟ واعلان نتنياهو "انه لا مفر من اغلاق اسرائيل من كل جوانبها" الا يجسد حقيقة ترسيم الحدود السياسية الاقليمية لاسرائيل قبل أي تسوية للحل الدائم؟ الا يعني ذلك من حيث المدلول السياسي تجسيد البرنامج الصهيوني بتحويل اسبارطة المغلقة الحدود الى دولة الشعب اليهودي الصهيونية"!! خاصة وان الحدود مع سوريا ولبنان مغلقة بجدار حتى قبل الاتفاق على مصير الجولان ومزارع شبعا، والقطاع في غزة محاط بجدار "ذكي" على مئات الامتار المنهوبة من اراضي غزة وجدار الضم والعزل العنصري في الضفة الغربية الذي بُني منه حتى الآن ما طوله (510كم) من اصل (810 كم) وينهب الاراضي المقامة فيها الكتل الاستيطانية ومدينة القدس الشرقية المحتلة، كما اقيم جدار قديم على طول الحدود مع الاردن.
ان اقامة هذا الجدار الجديد يقرب الاوضاع في المنطقة الى انفجارات كارثية والى صراعات دموية مرتقبة تدفن الآمال بالتسوية لعشرات سنين مقبلة. فاين المجتمع الدولي وهيئة الشرعية الدولية من هذه البلطجة العدوانية الاسرائيلية، واين المسؤولية الوطنية الفلسطينية، فهل بالانقسامات والصراعات الفلسطينية – الفلسطينية يمكن مواجهة تحديات محاولة دفن الحق الوطني الفلسطيني بالحرية والدولة والقدس والعودة.
