*في وداع الصديق د. جبّور خوري 8.11.1957 – 20.5.2013*
يومَ الإثنين (20.5.2013)، مساءً في السابعة، في أحد مشافي حيفا، حين فاضت الروح الطاهرة، قلتُ في سرّي عنّي: اليوم، تَمَّ اليُتْم.
مرّتين يُتِّمتُ من قبل (في الحادي عشر من تمّوز عام ألف وتسعمئة وسبعة وتسعين، وفي الثالث والعشرين من تمّوز الأخير). مرّتين يُتِّمتُ، واليوم ها هي الثالثة. كرحيلِ بيتٍ هو رحيل الصديق، كرحيل وطن.
إنْ بكيتُ، فإنّما أنا أبكي نفسي. إن بكيتُ، فإنّي أبكي روحي... روحي المنقوصةَ التي رحل توأمها. اليوم، اليوم تَمَّ يُتْمي، يا توأم الروح.
لو كان المرغوب والمتمنَّى في اليد، لاقتسمتُ معك ما تبقّى لي من أعوام على هذه الأرض الحانية القاسية. كم تمنّيتُ ذلك، يا جبّور! كم تمنّيت هذا الاقتسام منذ عرفتُ بِلَعين الأدواء -هذا الذي تحدّيْتَه بشجاعةِ محاربٍ باسلٍ طيلة عشرة أشهر، لم نعرف أطول منها ولا أقصر، ولا أقسى!
الكثيرون بتحسُّر وانكسار تمنَّوْا لو وُهِبتَ العمرَ المديد، فذكّرناهم بأنّه كان من نصيبك عمْرٌ عريض مفيد. عمْرٌ عريض حافل بالخير، طافحٌ بالعمل وبالفائدة.
ذكّرناهم بأنّ الذِّكْر الطيّب عمْرٌ آخَر يُمنَحُ للمرء الصالح.
ذكّرناهم بأنّ الذِّكْر الطيّب عطرٌ هو يملأ الذاكرة والنفوس.
لست أنسى كم أحببتَ وحبّبتَ بأغنية الفيروزة "دِقَّيْت". مِرارًا تَحدّثنا عنها، ولا سيّما عن خاتمتها حيث ينطق الورد فيقول: "علَّمِتني حلوة الحلوين انْ فِلَّيْتْ إترُك عطر بهالكَوْن". وأنت، يا جبّور، أيّها الورد العاطر المبهج، أتقنتَ التأثُّر كما أتقنتَ التأثير. كنتَ تتقن التأثُّر بما هو جميل وخيِّر. جملة كهذه ("علّمِتني حلوة الحلوين انْ فِلَّيْتْ إترُك عطر بهالكون") سَرَتْ في أحنائك وسِرْتَ على عطرها /على هَدْيِها، فكانت حياتُك حياةً...
كانت حياتك عطاءً بلا حدّ، وعبيرًا يضاهي كلَّ ورد، ونجاحًا يتخطّى كلَّ سدّ. أعطيتَ وأعطيتَ. قدّمتَ المال، والكتاب (إعارةً أو هديّةً)، والقرصَ المُدْمَج، والعلاج، والنُّصح والهَدْيَ والجهد، والمعونةَ بأنواعها وأشكالها. لم تَسْتثنِ ولم تتردّد. حتّى أولئك الذين قد يَرى غيرُك أنّهم لا يستحقّون، أعطيتهم. أعطيتَ أحيانًا دون أن تشعر أنّك تعطي. أعطيتَ ولم تندم. لم تندم على صَنيعِ خيرٍ قَطّ، ولم تَنتظر جزاءً أو مردودًا.
* * *
وجهان لعملة واحدة هما عندي: جبّور والصداقة. وكم تمنّيتُ لهذه الربيعيّة ابنةِ العشرين، صداقتِنا، كم تمنّيتُ أن يتاح لها ربيعٌ آخَر، ربيعٌ تحتضنه الكهولة وشيخوخةٌ ما! تمنّيتُ ذلك دومًا، تمنّيتُه ظنًّا منّي أنّ مشاغلنا في هاتين المرحلتين العمْريّتين ستكون أقلّ وأخفّ، وأنّنا عندذاك ستتاح لنا أوقات من الفراغ سنملأها بلقاءات شبه يوميّة، وبأحاديث شهيّة تبدأ وتأبى أن تنتهي.
وجهان لعملة واحدة هما عندي: جبّور والصداقة. جبّور ومَن هم كمِثْله، ممّن هم صدْق وحبّ وعطاء ووفاء، هم الذين يجعلون العيش طِيبًا وطِيبةً. هم الذين يجعلون العمْر عامرًا بالخير والنور. جبّور من أولئك الذين يجعلونك تعتب وتغضب على من ادّعى قديمًا أنّ الخِلّ الوفيّ هو أحد المستحيلات الثلاثة.
* * *
يا أهل الغالي الأحبّاء... العمّ أبو جبّور، الخالة أمّ جبّور؛ أختي متيل؛ جريس، ميّاس، شادن، رندلى، ديليمار؛ أنيسة، باسم، سامي، سيمون، عماد، كلير، أنطون، ديالا... يا أقرباءَ الحبيب وأعزّاءه وأحبّاءه، أعمامًا وأخوالا وخالاتٍ وجيرةً وصَحبًا...
لا نصيحة لديّ أوجّهها، ولا موعظة. فرحيل الغالي موعظة، كحياته تمامًا هو موعظة. لا نصيحةَ لديّ ولا موعظة. كلّ ما لدينا -أنا وسائرِ أصدقاء جبّور- حبٌّ وطلب. الحبّ نحاول أن نترجمه إلى عمل فيه جدوى، والطلب نتمنّى أن ينال اهتمامًا وتفكيرًا: نتمنّى ألاّ تتردّدوا في القيام بما يريح ويُفْرح روحَ الغالي. لو كان الحِداد واتّشاحُ السواد طويلاً هما الحلّ لِما نحن فيه، لكنتُ أوّلَ الممتنعين عن فكّ الحِداد وخلْع السواد طَوال العمْر كلِه.
لن نتردّد في التحدّث عن هذا الرجل النادر. ذكرياتنا المشتركة معه كثيرة، والمواقف والاهتمامات التي جمعتنا به عديدة وتستحقّ الخوضَ فيها. عن جبّور قلتُ الكثير، وبقي أكثر. سنتحدّث عنه أكثرَ في أوقات لاحقة عديدة، وسنكتب بمتعة وابتهاج، مَهما كان الأسى ومَهما حضرت الحسرة. حين نتحدّث عنه، سنحسّ به حاضرًا معنا. لذا سوف نتحدّث. لن نتهيّب التحدّث عنه. في الحديث استذكار، وفي الاستذكار حضور أو استحضار. ألم يقل أحد عظماء المهجريّين الكبار إنّ "الذكرى شكلٌ من أشكال اللقاء"؟!
من ذكراك الحلوة كروحك، أيّها الغالي، سنستمدّ ما في وسْعنا استمدادُه من عزم وفرح.
في كلّ أغنية عذبة سنستمع إليها، ستكون معنا.
في كلّ لحن شَجِيّ، ستكون معنا.
في كلّ كلمة صادقة عميقة، في كلّ عبارة معبّرة ظريفة نقرأها أو نسمعها، ستكون معنا.
في كلّ كتاب يستحقّ القراءة، سنجدك معنا.
في كلّ لوحة حلوة، ستكون معنا.
في كلّ صورة التُقِطت بإتقان، ستكون معنا.
في كلّ مشهد طبيعيّ آسر، ستكون معنا.
في كلّ زهرة متفتّحة، سنراك؛ فالزهر يذكِّر بالزهر.
في كلّ طبيب ناجح راجح، سنرى بعضًا منك.
في كلّ قضيّة إنسانيّة، سنراك.
في كلّ امرئ لا ينسى أن يكون إنسانًا، سنراك.
في كلّ فنّ جميل، سنلقاك.
في كلّ جميلٍ وخيّرٍ سنراك، سنراك دائمًا عاليًا غاليًا -كما كنتَ وكما ستبقى.
* * *
أخي الحبيب جبّور... الآن... وأنت تبتعد فتقترب... الآن وأنت ترحل عنّا لتتوطن فينا... الآن لا بدّ من بَوْح لا نَوْح فيه:
محظوظ بامتياز أنا، محظوظ إذ أتيتُ إلى هذه الحياة؛ لأنّها جمعتْني بك وبكلّ مَن هو كمِثْلك. ومنقوصةٌ -رغم كلّ شيء- حياةٌ ترحل أنت عنها. ورغم أنّها منقوصة، بل لأنّها كذلك، سنعيشها. سنحياها كي تبقى أنت حيًّا. ما دام محبّوك أحبّاؤك على قيد الحياة، فأنت حيٌّ.
تباركتْ حياةٌ يأتي إليها أناسٌ كمِثلك، فيجعلونها أبهى وأحلى وأغلى وأنقى.
تباركت الحياة...
(عبلّين)
