- "الحل الأمني" كغطاء للخيار العسكري
من المؤكد بان الأزمة السورية ستلج التاريخ من أبواب مختلفة، ولعل اهمها الإعلام الذي بلغ من الانحطاط والافتراء وامتهان عقول الناس والاستخفاف بها مبلغا، لا علم للتاريخ به.
في غمرة القصف الاعلامي بالدماء السورية والتهويش بقمع السلطات، هناك الكثير ممن نسوا بان السياسة هي بامتياز فن قراءة الخبر وفق المصدر. وهذه مهارة تميز نخبة السياسيين، القادرين على النفاذ لجوهر الحقيقة، وذاك اما بالسليقة، او الغريزة، او الخبرة والدهاء. والحالة السورية لم تكن بحاجة الى هذه الترسانة من الملكات خاصة بعد غزو العراق، واحداث ليبيا، ومع ذلك فمن بؤس السياسة ان التجارب تمر، دون ايلاء الجهد في استنباط العبر.
في تاريخ 20.04.12 صدر في ملحق "الاتحاد" مقالة للمعارض السوري نزار نيوف، بعنوان"لا حل ديمقراطيا مع الاسد ولا حل وطنيا بدون فاروق الشرع"، والكاتب يصفع البعض بالحقائق التالية:
" اولا: ان الانتفاضة بدأت منذ ساعاتها الاولى مسلحة حتى الاسنان، ولم يكن التسلح مجرد رد فعل على اجرام السلطة وأجهزتها الامنية، او لمجرد الدفاع عن النفس، كما تقول سردية الرواية السائدة اعلاميا وسياسيا، والتي تنطوي اما على جهل فاضح او كذب سافر مجبول بخبث الطوية. والدليل على ذلك ليس فقط ما كشفه هيثم مناع منذ لحظتها الاولى عن ثلاثة عروض لتزويد المعارضين بالسلاح، ولا ما كشفه الشيخ الضرير أحمد الصياصنة بعد خروجه الى السعودية عن ان الجامع العمري في درعا استخدم منذ الايام الاولى للانتفاضة مستودعا للسلاح ضد رغبته الشخصية، وحسب، بل عدد من المجازر التي ارتكبت من قبل المسلحين، وابرزها المجزرة التي اقترفها مسلحون في درعا خلال الاسبوع الاول من الانتفاضة وراح ضحيتها خلال اقل من ساعة اكثر من خمسين شهيدا من الجيش والقوى الامنية المرابطة في محيط المدينة، وجرت عملية "تواطؤ" بين السلطة والاهالي لعدم الحديث عنها اعلاميا. وكان موقع "الحقيقة" كشف عنها قبل يومين للمرة الاولى. هذا فضلا عن الجرائم التي ارتكبت بحق قافلة المبيت في بانياس...."
هذا النص قذيفة من العيار الثقيل، فيه تفنيد لجملة من الاكاذيب التي حولها استعر نقاش طويل وعقيم، ونذكر بان الإعلام كان يحيل قتل الجنود الى الاعدامات الميدانية لرافضي قتل المدنيين، او لمنشقين عن الجيش... الخ من الاراجيف. ومن جانب آخر فالنص ينسف تلال المقالات التي كانت تدعي كذبا وزورا وبهتانا وإفكا، ان ظاهرة التسلح نتاج للقمع. بعد عام وشهر اقر احد مواقع المعارضة بصدق الرواية الرسمية السورية، نثمن لـ"الحقيقة" جرأتها هذه وان كان بعد تأخير طويل.
لم يكتف النص بتبني الرواية الرسمية، بل بالاضافة فمن الالف وحتى الياء لم يأت على ذكر قتل المتظاهرين السلميين على ايدي الجنود، سردية الاعلام وسمفونيته، ولم ينعت الاسد بالسفاح. ومع ذلك ولطيلة اشهر ثلاثة كان بمنأى عن السنة "الصالحين" من اصحاب الهمم، والسجايا الانسانية، ولم يخرج احدهم ليدين الكاتب نصرة للدماء السورية، وكأن الحقائق لم تعد ذات بال، فمن ولول على الدماء السورية في حينه كان يبغي رأس الاسد، واليوم يحظى هذا النص "الوقح" الذي يبرئ النظام بالرضى والحبور طالما انه يدغدغ مشاعر الحقد على الاسد. وكأننا حيال حالة تسييس الحقد، فيها الحقائق لا تفضي الى نتيجة، بل النتيجة التي تتذرع بدعاوى قد تتناقض فيما بينها اشد التناقض. ولاجل دغدغة مشاعر الحقد، وبلوغ النتيجة المرجوة والمرسومة مسبقا تنحية الاسد، تسفح كل قيم الديمقراطية. فبحد المبضع يتم بتر وانتقاء بعض النصوص، من ذات الموقع الالكتروني دون غيرها، وهذا معلم آخر من بؤس تذويت القيم، فمع هكذا ديمقراطيين لسنا بحاجة الى ديكتاتوريين.
في هذا السياق نعيد الى الاذهان ما رسمته أنامل المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات القطري حول الحراك السوري، وذاك بتاريخ 25.04.11، حينما اصدرت ورقة البحث "الخاص والعام في الانتفاضة الشعبية السورية الراهنة"، ما يلي:
" لم تشذ سوريا عن قاعدة سلمية الحركات الاحتجاجية... لقد كان الطابع السلمي الشعبي ماثلا للعيان مع بداية انتفاضة درعا الشعبية الطابع. ثم عاد هذا الطابع السلمي والناضج للمظاهرات، وتجلى- من دون التباس- حين خففت السلطات من دموية قمعها للمحتجين يوم "جمعة الاصرار" في 15 نيسان ."
واليوم بعد مرور عام وربع العام على الازمة السورية، يبدأ المركز بتحرير الحقائق رويدا وبحذر، ففي ورقة البحث "التفجيرات في سورية، هل فتحت مرحلة جديدة"، الصادرة في حزيران العام الحالي، وتحت وطأة مجاهرة نيوف بكذب الاعلام . يطالعنا النص الصريح التالي:
"بدأت ارهاصات الظاهرة المسلحة تظهر في سورية منذ الشهور الاولى للاحتجاجات، بيد انها حملت طابعا بدائيا تقليديا يعكس واقع البنى الاجتماعية العشائرية والتقليدية التي انطلقت منها. وتجسدت هذه الظاهرة في اطار دفاع بسيط عن النفس، يشرعن حاجته الدفاعية والحمائية بالمعنى الاهلي. لقد برز هذا الامر باشكال متعددة بعد عملية اقتحام الجامع العمري في 23 آذار 2011، وما ارتبط بها الهول الذي اصاب الرأي العام السوري لان القوات الامنية لم تتورع عن مهاجمته وخرق حرمته، وهذا ما ادى ببعض الشباب الى حمل السلاح بهدف رد الاقتحامات الامنية المتكررة، والرد على عمليات الاذلال والانتهاك التي تمارسها قوات النظام – والميليشيات التي اوجدها واناط بها هذه المهمة – بطريقة ممنهجة."
ما بين نصي عام وربع العام اختلفت الحقائق، واقتربت روايات المركز القطري لروايات النظام وليس العكس. والمركز لا يهاب اليوم من الكشف عن عسكرة الحراك في بدايته في درعا تحديدا، فالحقائق ليس بمقدورها ان تعيد انتاج صورة مغايرة للاسد عن تلك التي انتجتها آلة الاعلام على امتداد عام كامل.
إن حجم الافتراء في سوريا كبير، لذلك لا غرابة ان تنساب الحقائق من ثقوب أسمال الاعلام الرسمي، بين الحين والآخر. فيما يلي نص صدر في موقع هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، بتاريخ 10.06.2012، للكاتب محمد حيان السمان:
"كدليل على استحالة حماية التظاهر السلمي بالسلاح، لدينا شهادة بالغة الأهمية صادرة عن نشطاء ميدانيين، اختبروا على الأرض وطوال أشهر مقولة الحماية السلمية بالسلاح، ورأوا النتائج المدمرة لهذا الجمع الأخرق للنقائض في صعيد واحد.
ففي نيسان الماضي أصدرت تنسيقية الثورة في دير الزور بيانا هاما جدا ولافتا، تصدرته هذه المناشدة الحارة لعناصر الجيش الحر في المدينة "نناشدكم أن لا تظهروا بهيئتكم المسلحة داخل المظاهرات السلمية"! ويسوق البيان جملة أسباب دعت إلى هذه المناشدة، تعكس في مجملها وعيا كبيرا بأهمية المحافظة على صورة الاحتجاج السلمي، معتبرين أن النظام يسعى إلى تشويه هذه الصورة أمام العالم من خلال نقل أخبار ومشاهد المسلحين المواكبين للاحتجاجات (هذا جزء من خطة النظام التي أشرت إليها قبل قليل). ويربط البيان بدقة بين غياب المسلحين عن المظاهرات وبين استمرار عامل الاطمئنان الذي وفّرته التهدئة التي تلت أعمال العنف واقتحام الجيش لدير الزور. ويلاحظ البيان أن عامل الاطمئنان يساهم في زيادة أعداد المتظاهرين، وبخاصة أنه يشجع تلك الفئة – التي تشمل أغلب أهالي مدينتنا – و"التي حجبتها بعض المخاوف ومنعتها من النزول إلى الشارع"؛ يشجعها على المشاركة. هذه ملاحظة نادرة حقا، وهي ابنة التجربة والنشاط السلمي اليومي، حيث تجري الإشارة هنا بشكل غير مباشر، إلى أن وجود مسلحي الجيش الحر حول التظاهر السلمي سيؤجج العنف من جديد، مما يساهم في إحجام أغلب أهالي المدينة عن المشاركة بالاحتجاجات السلمية.
....
كان يمكن لهذا البيان، في ظروف أخرى وسياقات مختلفة، أن يكون حافزًا للمعارضة السياسية والقادة الميدانيين للحراك، على إعادة نظر جذرية في مسألة عسكرة الثورة وتسليحها، والكف عن ترداد مقولة أن السلاح يكفل حماية التظاهر السلمي. ولكن – للأسف – تم تجاهل هذا البيان بشكل كامل، وتُرك كصوت بدون صدى ينطفئ في الصمت، أو في ضجيج قعقعة السلاح."
صحيح ان النص لا يؤرخ لظاهرة المظاهرات السلمية المسلحة، او المسلحة السلمية، الا انه على الاقل يقر بان هذه الظاهرة ضاربة في تاريخ الحراك السوري. وبعد والأهم فبيان التنسيقية في دير الزور، يربط بشكل لا لبس فيه بين غياب المسلحين مع ارتفاع منسوب الاطمئنان لدى الاهالي وبالتالي ازدياد المشاركة الشعبية، وما كان لهذا الاطمئنان ان يزداد لو كانت مروية قتل المتظاهرين السلميين صحيحة. والانكى ان هناك من تعمد ان يضرب عرض الحائط بهذه المناشدات لامر في نفسه، ونعني رفع منسوب الدماء بكل وسيلة او ثمن، مع الركون على قدرة الاعلام على خداع الناس، وتحميل وزر الدماء للنظام السوري، كوسيلة لاستدرار التدخل الاجنبي. والبيان بخباثة طوية لا يفصح عن ممارسات القوات المسلحة في التظاهرات السلمية عند غياب قوى الامن بالمطلق، وهذا ما جربته السلطات في حماة وحمص، فتمخض عن احتلال المدينتين، مقرونة بابشع ممارسات تنكيلية لعناصر الموالاة، والموظفين الحكوميين.
في رحلة تقصي الحقائق تجشمنا الكثير من متاعب البحث والتنقيب، مع العلم ان الحقيقة اقرت على يد مركز ستراتفور المخابراتي الامريكي، وان كان بصورة غير مباشرة، اي على لسان مصدره في دمشق، والذي حرر بتاريخ 26.04.2011 النص التالي:
• "المخاوف ليست بفعل المظاهرات الصغيرة المحدودة، وانما بفعل "العصابات الخفية المسلحة" التي ظلت تستهدف الجميع: المتظاهرين وقوات الامن.
• توقعت هذه الجمعة ان تكون الاوضاع افضل طالما ان حالة الطوارئ قد تم رفعها، ولكن، وعلى خلفية قيام العصابات المسلحة باستغلال رفع حالة الطوارئ فقد ازداد عدد الضحايا، وهذا معناه بالنسبة لي ان الوضع خلال فترة الطوارئ افضل من الوضع بعد رفع الطوارئ."
إن الحقيقة الدامغة الناتجة عن ثبات مروية النظام مع التبدل الفظيع في مرويات مناوئيه، تقر بأن ما يسمى بالحل الامني هو نتاج للمظاهر المسلحة التي واكبت واغتصبت الحراك الشعبي منذ اللحظة الاولى لانطلاقته، لا ردا على الحراك السلمي الشعبي. والذي يزداد – للمفارقة - اطمئنانه وبالتالي جماهيريته في غياب سلاح الذود عن المتظاهرين، لا في وجوده.
إن مقولة الحل الامني هي المقولة التي صيغت بدهاء لدى ارباب الاعلام الرسمي بهدف قصف العقول وصرف الانظار، عن حقيقة تبني جماعات ما يسمى بالاسلام السياسي اساسا - ونعني الاخوان، وحزب التحرير، والسلفيين الوهابيين على انواعهم، ومن حولهم الليبراليين المتواطئين - للخيار العسكري منذ البداية، كخيار استراتيجي القادر على انتزاع السلطة الى ايديهم، وهذا الخيار يتماهى تمام التماهي مع مآرب الامبريالية والرجعية واسرائيل في تحطيم الجيش العربي السوري، العقبة الكداء أمام تسلم تلك السوائب الفاشية للسلطة.
إن مقالة نزار نيوف هي بامتياز اعلان الافلاس التام لفكرة الخيار الثالث، وكل عاقل يدرك بان حجم التدخل الامبريالي والرجعي والاسرائيلي والتركي في الشأن السوري، وبالتالي حجم التفاوت في موازين القوى، لا يتيح وليس بمقدوره الا ان ينتج استقطابا تكون القيادة السورية أسوة بالمعارضة الوطنية في مواجهة المعارضة المرتهنة لتلك الدول. والحاصل ان الخيار الثالث بقي بالنسبة للبعض كالمهدي المنتظر، وبالاخير ذابت مقولة لا للنظام ولا للمعارضة المتواطئة، ليتمخض ذاك الخيار الخالي من الرموز والحضور، عن فاروق الشرع ابن النظام بلحمه ووشائجه، وما كان للشرع ان يكون من المفكر به لو كان الخيار الثالث خيارا.
وأحبولة النظام الذي لا يؤكل يقضم، لا تمر على عامة السياسيين فكم بالحري بسياسي محنك مثل الشرع. الذي يعرف الاقصوصة الروسية - الاطفال والذئاب.
* * * * (2-2)
- أسلوب النضال هو محور النقاش
الشعوب قوة التغيير، مقولة ليست حمالة أوجه، وهي تعني اولا واخيرا بان الامبريالية والرجعية والصهيونية، ليست جزءًا من قوى التغيير، ولا يمكن تحت اي طائل تبرير الاستعانة بها. بمثل هذا الحزم السياسي واجهنا الحزب الشيوعي العراقي وفرحته بسقوط صدام في ظل الاحتلال. ليست الشعوب العربية بأدنى من الشعب الايراني الذي اجترح التغيير بقواه ورغما عن انف الامبريالية والصهيونية والرجعية والشاه مجتمعة.
إن الظن بان الشعار الثوري فوق الواقع واصطفاف القوى المحلي والعالمي هو الخطا بعينه. فشعار اسقاط النظام قد يكون تقدميا ثوريا في حالات، وقد يتحول الى معادٍ لحقوق الشعوب وتقدمها في حالة تحوله الى شعار تسعى الى تنفيذه قوى على شاكلة الامبريالية والصهيونية والرجعية.
كيف يكون التغيير مع الاحتفاظ بوحدة الوطن واستقلاليته السياسية، ودحر القوى المعادية للشعب السوري؟ هذا هو السؤال السياسي الفكري المركب، وكنا اجبنا عليه مرارا وتكرارا، وقلنا بان النضال السلمي لاجل الاصلاحات والمزيد من الاصلاحات، هو اقصر الطرق والاقل كلفة، لبلوغ التغيير مع الاحتفاظ بموقع سوريا الممانع، فهل انفردنا فكريا بهذا الطرح؟ للمفاجأة نقول لا.
لنقرأ المطولة الفكرية التالية:
" ولا يمكن للحركة الديمقراطية ان تتجذر وتستمر وتتحول الى حركة ثابتة ودائمة في الفكر والسياسة العربيين الا اذا راعت في نضالها العنيد من اجل الحريات العامة وتداول السلطة والتعددية، حتمية الحفاظ على الاستقلال الوطني وضرورة التقيد بالتحالفات والتركيبات التي تساهم في دفع مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يعني ان اي انتصار للسلطة الديمقراطية على حساب الاستقلال الوطني وفرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية، لا بد من ان يكون انتصارا مؤقتا لا مستقبل ولا قيمة له. فمن الممكن لبعض القوى الديمقراطية ان تصل الى السلطة عن طريق الدعم الخارجي وعلى رماح القوى الاجنبية، لكنها لن تستطيع ان تبقى ديمقراطية ابدا، لان من المستحيل ان تعيش الديمقراطية من دون الالتزامات الوطنية. ومن الممكن كذلك لبعض القوى الديمقراطية ان تتسلم الحكم من خلال تحالفات مشبوهة مع بعض القوى المحلية الفاشية او العميلة، ولكنها لن تستطيع ان تحرز اي تقدم في ممارسة القيم الديمقراطية. ومن المفضل ان يكون التقدم بطيئا على الجبهة السياسية مع الاحتفاظ بالحد الاعلى من الاستقلالية وفرص التنمية على ان يكون سريعا في سياق تراجع وتدهور في استقلالية الامة، وتقهقر في وتائر نموها وازدهارها الحضاري".(1)
هذا الكلام لبرهان غليون قبل ان ينفق في سوق النخاسة السياسي، والنص واضح يربط بين تركيبة قوى التغيير بماهية التغيير، وبالتالي يقيم التضاد بين الاستعانة برماح القوى الاجنبية وبين قدرة القوى المدعومة على اقامة الديمقراطية. وبرهان صاغ شقي المعادلة الدعم الاجنبي والتفريط بالالتزامات الوطنية، وبرفضه للدعم الخارجي رسم مسار التقدم البطيء، درءً للمس باستقلالية الامة، وتقهقر وتائر نموها.
وبعد، لنستمع الى مفكر البلاط القطري، الموفيكر عزمي بشارة، ففي معرض تعداده للخيارات الماثلة أمام الحراك الشعبي، في الدراسة التي أصدرها، بعنوان "الثورة والقابلية للثورة"، ص54 و55:
" لقد ثبت في حالة الثورات العربية، ان من الصعب الاستيلاء على الحكم من دون انشقاق الطبقة الحاكمة، وانضمام الجيش او قسم منه على الاقل الى الثوار. وحيث لم يحصل ذلك، ظلت السلطة قلعة حصينة مسلحة وعصية على الاختراق، مهما غادرها بعض موظفيها ومسؤوليها، وادى ذلك الى تحول الثورة الى حركة مسلحة والاستعانة بالتدخل الخارجي في حالة ليبيا.
من هنا فان الخيارات هي بين:
1. أن تؤدي الثورة الى شق الطبقة الحاكمة واختراق النظام، فإما ان ينهار حينها او يبدأ الاصلاح، ويصح هذا بشكل خاص في الدول ذات المؤسسات، ومن ضمنها الجيش صاحب التقاليد والذي يرفض ان يتحول الى شرطة قمع، وهي عموما الدول التي يمكن فيها الفصل بين الولاء للدولة والولاء للنظام.
2. الدخول في مساومة طويلة المدى، تؤدي الى اصلاح متدرج بضغط مستمر من ثورة الشارع.
3. الاستعانة بالتدخل الاجنبي، وهي استعانة محفوفة بمخاطر كبيرة جدا على مستقبل البلد وسيادته ووحدة شعبه".
بين الرضوخ للفئة الحاكمة المتماسكة او الاستعانة بالقوى الاجنبية، فان الخيار النضالي الثالث الوطني والديمقراطي هو النضال الشعبي لاجل الاصلاح، هذا ما يكتبه بشارة فكريا، للفئة المحدودة جدا التي تقرأ. لدى بشارة وغليون لا وجود لشعار فوق كل اعتبار، والتناقض بين الفكر والممارسة لديهما هو وليد الانتهازية السياسية، والمواقف المدفوعة الاجر بالمال والجاه، والتي تملي عليهما خيانة فكرهما، لم ينهيا عن امر الا واقترفاه عند التطبيق.
نكتب هذه الامور لكي نضع اولا مسار النقاش الحقيقي، بعد ان استُبدل بالبحث في سراب البديل الثالث القيادي عوضا عن اسلوب النضال الحقيقي. ثانيا، لمن حفظ شيئا حول مسؤولية النظام في الازمة وغابت عنه اشياء، بأن السياسة ليست من النزق والخفة لكي تنكر بان للصراع على الاقل طرفين، وبأن المعارضة وفي الصلب منها حركات ما يسمى بالاسلام السياسي في سوريا، قادت بارادتها ولمآربها ومنذ البداية، الحراك الى مهاوي الصراع المسلح ضد الجيش، بتواطؤ وبدعم من الرجعيات والامبرياليات. ضاربة عرض الحائط بكل بديل نضالي. وشتان ما بين مسؤولية قيادة ذادت عن الجيش وبالتالي عن وحدة الوطن والشعب، واخرى تآمرت عليه. لا انقياء في هذا الصراع، ولكن هناك بالتأكيد من خان الوطن والشعب ونضاله من اجل حقوقه، ومن لا يدين تلك الفرقة المارقة وسوائبها، لينسجم صوته مع صوت الاعلام الصادح بلحن مسؤولية النظام، يتحمل عاقبة موقفه، والتاريخ لا يرحم.
يكبر في عين الاعلام الصغار، ويصغر في عينه الكبار، فمن مصلحة الاعلام الرسمي ان يصمت عن اصلاحات القيادة السورية، حتى لو فاقت ما انجز في مصر وتونس. وكلما تقدمت القيادة السياسية السورية في الاصلاح، استشرس اصحاب العمالة في الغي العسكري. ولان الاعلام لم يهلل للاصلاحات لم تكلف نفسها الغالبية الطاغية جهدا في قراءتها، والانكى ان هناك من يملك كل الوقاحة والغباء لينكر الاصلاحات برمتها، هذا مع العلم بان اقرار الدستور بمشاركة 57 بالمئة من سكان سوريا ، وفي ظل ارهاب حال دون مشاركة المزيد من السكان، لا يعتبر تتويجا للاصلاحات، بل اعادة شرعنة القيادة السياسية، شعبيا.
إن من يتحمل مسؤولية استفحال الازمة في سوريا هو من ارتهن لقوى امبريالية ورجعية، ورفض كل اصلاح، وكل حوار، وسعى على الارض لاقامة مناطق عازلة، وحث الدول الغربية على مزيد من العقوبات، وحاول استصدار قرار بالتدخل العسكري، والانكى الذي عادى المراقبين العرب، وبالتالي المراقبين الاجانب وتنبأ بفشلهم قبل قدومهم، ورفض خطة عنان، وكالمجرم المتلبس حتى اخمص القدمين بالدم السوري، رفض مناقشة تقرير المراقبين العرب في مجلس الامن، بالرغم من الالحاح الروسي. مع التأكيد على مسؤولية الامبرياليات والرجعيات وقوى اقليمية اخرى.
- الأزمة السورية الى أين؟
عام وربع العام ولى وأدبر على الأزمة السورية وقد تفتق عن الوقائع السياسية التالية:
* لم تعد الامبرياليات تحتكر القرار السياسي في مجلس الامن، ان ما تراه الأعين سقوط للسياسة الامبريالية اجلاء قيادات واملاء اخرى. ان صمود القيادة السورية هو تمرد على الاستبداد الاخطر، ونعني تعسف الولايات المتحدة في فرض املاءاتها.
* إن سياسة شرذمة وتقسيم الدول التي طفقت بداية في العراق ومن ثم السودان وليبيا، لم تستطع ان تنال سوريا.
* إن زحف قوى الاسلام السياسي للسلطة، وتحديدا نعني ربائب الامبرياليات والرجعيات، الاخوان والسلفيات الوهابية، تم ايقافه على اعتاب الشام.
* إن سلاح الاعلام، الكتيبة المتقدمة للامبرياليات والرجعيات، لم يستطع بكافة ادواته وعدته وعتاده وامواله، ان يفت من عضد الشعب السوري او ان يسلب انظاره عن الاساس بان التهويش للاطاحة بالقيادة السياسية، يراد به تنصيب قيادة معادية له.
* تعاني الرجعية العربية المتمثلة اساسا بدول الخليج من مأزق، ان الفشل الذي منيت به في سوريا، يقابله استمرار الثورة في البحرين، والاحتجاجات في سلطة قبيلة آل سعود. في هذا السياق نؤكد بانه ولبلوغ التغيير لا بد لتلك الاحتجاجات ان لا تكتفي بالعداء للامبريالية على اهمية هذا الموقف، بل ان تكون وطنية مدنية جامعة داخليا.
* في سوريا المعركة فاصلة في العديد من النواحي ومن ضمنها على الاسلام وفقا للمذهب السني. فهناك اسلام سني وطني مدني متنور يضع التناقض الاساسي مع الامبرياليات واسرائيل، يقابله اسلام سني غيبي ظلامي ينزع اربابه الى ما هو اشد من الفاشية، اي اعادة فتوى ابن تيمية بقتل العلويين وجواز قتل ثلث الشعب السوري ليسعد الثلثان، كما عبر عنه احد المأفونين الوهابيين "الشيخ" اللحيدان. ويجد منتحلو الاسلام في الشيعة العدو الاساسي. ستُكتب من نار ونور بطولات أئمة السنة السوريين وتحديدا البوطي وحسون، اللذين واجها ببسالة طاحونة ائمة الاخوان والسلفيين، وقد اصيب حسون بطعنة نجلاء، حينما خسر نجله دفاعا عن الاسلام السني النضر الوطني والمناهض للامبريالية.
* يلهو البعض من فرط ضيق الافق بمنازلة بوتين وروسيا، دون الانتباه الى ان روسيا هي القوة العسكرية في التحالف الذي أخذ بالبزوغ ونعني دول البريكس، والتي تضم اكثر من نصف البشرية، لكونها تجمع الدول التالية: البرازيل جنوب افريقيا الهند والصين وروسيا، ولعل الصين هي القلب النابض اقتصاديا لهذا التحالف الذي اشتد عوده من خلال الأزمة السورية. وهو آخذ بالتبلور كتحدٍّ اقتصادي سياسي عسكري للامبرياليات الهرمة. هذا هو جديد خارطة موازين القوى العالمية تحتاج لرؤية استراتيجية ثاقبة، في استغلال هذا المكون في الصراع مع اسرائيل والامبرياليات والرجعيات، وفقا لمقتضيات السياسة القائمة اساسا بدون الحاجة الى عبقرية فذة على اساس المصالح. يقابل ضيق الافق ذاك قراءة اسرائيلية لموازين القوى، فقد علمتنا التجربة لمن يعنى بالتعلم، ان اسرائيل تسارع بالارتباط مع القوة الاقوى عالميا، ولكن مع الانحطاط السياسي السائد في العالم العربي، والتهويش الاعلامي العربي ضد روسيا كألد الاعداء، فان لا حاجة لاسرائيل ان تقلق، فمن غباء الاعداء تصنع انتصاراتها.
* مع ذلك فإن سوريا اليوم تخوض معركة فاصلة على وجودها الجغرافي السياسي، وعلى قدر اقل يمكن القول ان العراق تخوض معركة على وحدة ما تبقى من سيادتها المتهلهلة، اضافة الى ان الخطر على وحدة تركيا اصبح قاب قوسين او ادنى، خاصة وان معركة حلب والشام بعد مقتل صفوة القيادة العسكرية قد استنزفت الجيش السوري وبددت مقدراته، وبالتالي خفت وطأته في المناطق الكردية السورية.
* في تطور لافت للنظر ارسلت الصين بقطع حربية الى سوريا، وهذا خروج عن المألوف الصيني، وهو يشي بان المعركة اصبحت مسألة وجود لمختلف الاطراف العالمية والاقليمية والمحلية، وبالاضافة فإن هناك حركات على نسق الاخوان المسلمين، وجحافل من السياسيين والمفكرين ممن راهنوا على سقوط بشار، وبالتالي اصبح مستقبلهم السياسي رهينة ذاك الرهان. مسار الازمة يعتمد اساسا على وعي الشعب السوري وقدرته على تحمل الخسائر الفادحة في صراعه على وحدة اراضيه وشعبه، ومن ثم فإن سير الازمة يعتمد على ارادة الشعوب العربية التي ما تزال اسيرة احابيل الاعلام الرسمي، بالطبع ان اكثر ما تهابه طواغيت العالم في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، هو ان يطلق الشعب الفلسطيني يد النضال، حينها سيعاد موضعة الاعداء الحقيقيين للامة في خاناتهم، وسيعاد فرز القوى واصطفافها، ومن سوء مقادير الشعب الفلسطيني هو انه يئن تحت ثقل قيادة تراهن على العمل الدبلوماسي، وكأنها تعيش في عهد ثمود لا تمت لواقعها بشيء، وقيادة اخرى اصولية ولاؤها لحركة الاخوان ولمصلحتها اشد من ولائها لشعبها، مع استعدادها التام لقاء السلطة ان تقدم على ما نهت حركة فتح عنه اي التهادن مع العدو الاسرائيلي، بئس القيادتان.
(انتهى)
//مصادر:
1. مركز دراسات الوحدة العربية، المسألة الديمقراطية في العالم العربي، ص257.
