منذ قيامها وضعت الحركة الصهيونية هدفا استراتيجيا لها، تمثل بسرقة الارض العربية في فلسطين بشتى الطرق والاساليب. وقبل نكبة الشعب العربي الفلسطيني عام 1948 اتبعت الحركة الصهيونية المدعومة من الاستعمار وبالذات الانتداب البريطاني، الذي كان وصيّا من قبل "الشرعية الدولية" على فلسطين، الا انه كان في حقيقة الامر مستعمِرا لفلسطين، متواطئا مع المشروع الصهيوني وشريكا له في سرقة الارض العربية.
ومن المعلوم للجميع ان الاقطاعيين العرب الفلسطينيين وغيرهم كانوا يملكون الجزء الاكبر من الارض في فلسطين. لذلك ركزت الحركة الصهيونية جهودا كبيرة لاغرائهم بالمال، بالذهب وبقالفضة وبالاغراء الجنسي للحصول على ملكية الاراضي الواسعة التي كانوا يمتلكونها. وبهذه الطرق استطاعت الحركة الصهيونية سرقة مساحات واسعة من الارض العربية الفلسطينية طاردة الفلاحين الاقنان الذين كانوا خدما وعبيدا عند اولئك الاقطاعيين الاسياد الذين كانوا منغمسين في الترف والفسق والانحلال الخلقي والاجتماعي والفوضى.
وفي عامي 1947 و 1948 استولت العصابات العسكرية الصهيونية على مساحات واسعة في فلسطين، حيث هدمت المئات من القرى والتجمعات السكانية الفلسطينية واستولت على اراضيهم وطردتهم الى الشتات في الضفة الغربية وقطاع غزة، والدول العربية، وباقي بقاع العالم.
بعد النكبة الكبرى، وقيام اسرائيل على مساحات اكبر بكثير مما نص عليه قرار التقسيم اياه، سنت اسرائيل بشكل "دمقراطي جدا" القوانين الخاصة باتمام عملية نهب الاراضي العربية، مثل قانون املاك الغائبين والاحراش، وغيرها الكثير من القوانين الجائرة بهدف سرقة ما تبقى من الارض العربية في الجليل والساحل، والمثلث والنقب، مستغلة الاوضاع الصعبة التي عاشها ابناء شعبنا العربي الفلسطيني الذين لم تنجح الحركة الصهيونية وحكومة اسرائيل باقتلاعهم من وطنهم، رغم الحكم العسكري البغيض الذي جثم على صدورهم حتى العام 1966.
ومنذ النكبة الكبرى كذلك، عملت دولة اسرائيل ومؤسساتها على عزل الجماهير العربية الفلسطينية مواطني اسرائيل عن بعضهم البعض، ابن المثلث بحاجة لتصريح من الحاكم العسكري لكي يلتقي مع اخيه ابن الناصرة او عكا او شفاعمرو، او اخوته الذين بقوا في حيفا عروس البحر او يافا القدس او اهلنا في اللد والرملة. اما الالتقاء مع الاهل في النقب، فكان امرا شبه مستحيل.
ومع ذلك فان حكومات اسرائيل كلها، فشلت فشلا ذريعا في قتل الهوية العربية الفلسطينية لاهلنا الذين تشبثوا بتراب الوطن ولم تستطع جرافات الاقتلاع من اقتلاعهم وطردهم الى الشتات. بعد نكسة عام 1967 واحتلال باقي الارض الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية ، التقى الاهل ببعضهم البعض، ونما لديهم الانتماء القومي الوطني رغم مرارة الهزيمة النكراء. الا ان مشاريع حكومات اسرائيل المتعاقبة استمرت بسرقة الارض العربية في الجليل والمثلث والنقب ولم تتوقف عن ذلك ابدا. هذه المشاريع فجرت يوم الارض المجيد الذي كان نقطة تحول في صمود اهلنا ليس في الجليل والمثلث والنقب والساحل فقط، بل اثرت على صمود اهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين وعلى اهلنا في الشتات.
ومنذ النكبة الكبرى وقيام اسرائيل كان هدف الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة هو سرقة الارض العربية في النقب الصامد، وقد استعملت في سبيل ذلك، الاغراءات المادية، القوانين الجائرة، العنف الكلامي والجسدي، تسميم واقتلاع المحاصيل، هدم القرى والتجمعات السكانية وجربت سياسة فرّق تسد بين الاهل والعشائر، كما اطلقت العنان للغرباء المستوطنين البيض امثال رئيس "عومر" ومن هم على شاكلته. الا انها لم تنجح في تنفيذ مشاريعها، بالاستيلاء على الارض العربية وحشر اهلنا في تجمعات سكانية اشبه ما تكون باحياء الفقر.
هنالك عشرات القرى العربية البدوية غير المعترف بها. وهنالك العديد من القرى التي هدمت مرات ومرات. ولم يتزحزح اهلنا قيد انملة عنها مثل العراقيب واخواتها، ومن اللافت للنظر ان وسائل الاعلام الرسمية، ووسائل الاعلام المجندة للاجماع القومي، الصهيونية والحكومية، تقوم بحملة اعلامية محمومة هدفها اظهار اصحاب الارض الاصليين، كأنهم غزاة حرامية يسرقون "ارض الدولة" وقد صدق المثل القائل (الدار دار ابونا جاء الغُرُب يطردونا).
في الوقت الذي فيه تقوم دولة اسرائيل بسرقة ارض النقب العربية تعطي المستوطنين البيض اليهود مزارع واسعة من ارض النقب، تقدم لهم الدعم المادي والحماية وتحولهم الى كاو بوي ضد السكان الاصليين.
وفي الآونة الاخيرة قامت دولة اسرائيل "النيّرة" بهدم قرية العراقيب مرات عديدة. الا انها فشلت في ترحيل اهلها الصامدين المتشبثين بتراب الوطن رغم الظروف الصعبة للغاية.
ومع ان الدولة تعترف بوجود خلاف حول ملكية الارض، ورغم ان القضية متداولة في المحاكم الا ان دولة اسرائيل تعمل على خلق حقائق على الارض، ففي هذه الايام بدأ تنفيذ مشروع ضخم، يتمثل بانشاء خط سكة حديد يربط بين بئر السبع وعسقلان يلتهم مساحات واسعة من الارض، من ارض العراقيب.
وفي هذه الايام قامت دولة اسرائيل بعملية تحريش واسعة ليس في جبال النقب بل في ارض العراقيب.
لكن الادهى والانكى ان تصل الوقاحة بحكومة اسرائيل واذرعها ومؤسساتها ، الضحك على العالم وتضليله، باسم الحضارة وبما تسميه حماية البيئة.
في هذه الايام قامت وزارة الخارجية، أي حكومة اسرائيل، بالاعلان عن حرش جديد اسمه حرش السفراء، "ياعر هشجريريم" على الشارع الرئيسي الموصل الى بئر السبع على ارض العراقيب.
من الواضح ان وزارة خارجية اسرائيل ادعت امام هؤلاء السفراء، ان هذه الارض ارض دولة، وان الهدف من اقامة هذا الحرش انساني وحضاري يندرج تحت مسمّى حماية كوكبنا وجودة البيئة، وانه لا اهداف سياسية وراء هذا المشروع "الحضاري". ومن المعلوم ان رابطة السفراء الاجانب في اسرائيل، تضم سفراء عربا اقحاحًا، مثل سفير جمهورية مصر العربية وسفير المملكة الاردنية الهاشمية، هذا بالاضافة للمعتمدين العرب الآخرين. سفيرا مصر والاردن لهما علاقات قوية مع القوى السياسية والاسلامية من ابناء النقب. ولا بد انهما سمعا عن قرية العراقيب، وعن هدمها مرات ومرات بهدف اقتلاع اهلها وسرقة اراضيها..
نحن أي اهل النقب الصامدون، لا نريد منكم اية مساعدة في المعركة السياسية معركة البقاء على تراب الوطن. لانكما تمثلان بلدين مغلوبين على امرهما. يدوران في فلك وفي نعمة.. "دولتنا الموقرة" اسرائيل، والولايات المتحدة الامريكية الاستعمارية.
لكن نحن لا نقبل لكما ومنكما، ان تكونا مطية في يد السياسة الاسرائيلية، والا تكونا وسيلة لتبييض وجه السياسة الاسرائيلية القبيحة الغاشمة يا سفيري مصر العروبة واردن "الصمود".
(بئر السبع – ام الفحم)
