بيان

single

كتبت الكثير من الخواطر في خضم حرب تموز، كتبت متضامنا مع شعب لبنان، مع أطفال ونساء لبنان، ومع مقاومة لبنان، ولكن في خضم هذا الهول من البشاعة،بشاعة تذكرنا بما فعله النازيون في الشعب اليهودي، أجد نفسي تافها... ماذا تستطيع خاطرتي المتضامنة ان تعبر؟ عن الغضب؟ عن الآلم؟ وأجد نفسي تافها أكثر عندما أقول: أنا متألم...ربما ألمي الذي أشعر به نابع عن عجزي، وعجز كل كاتب يجلس أمام الحاسوب ليبحث عن جملة شاعرية، أو عن صورة أدبية...وأنا أقول: على الأدب أن يصمت الآن، في هذه اللحظات...فليعذرني كل الأدباء والشعراء، فأنا أتكلم عن عجزي، وربما عن كفر آت...فنحن الفنانين والأدباء الذين يعيشون في رفاهية النضال هنا، والبعض منا ينتظر بداية السنة المالية ليقدم لوزير الثقافة الاسرائيلي مشاريعه الثقافية، وبرنامجه، ليحصل على الفتات...نقرر أن ندفع الضريبة الكلامية المتضامنة مع شعبنا المذبوح، وربما نجد بعد انتهاء هذه الحرب أمامنا وزيرا للثقافة، جنرالا قرر ذبح شعبنا، وسنضطر أن نقابله ونستجديه ليرمي لنا الفتات، ونخرج من مكتبه شاكرين له....لست بصدد المزاودة الآن...ولكنها خواطر...والأنكى من ذلك، أننا نحن المتضامنين اليوم مع شعبنا الفلسطيني الذبيح، سنعيد العداوة فيما بيننا في خضم لهاثنا المستقبلي وراء وزير الثقافة الاسرائيلي المستقبلي، بعد الهلوكوست الغزاوي.

 


فليعذرني القاريء! لن أطيل محاضرتي" السخيفة"، ولكن رغم قصرها فهي مشتتة...
بعد انتهاء الحرب على غزة، سيرسل الوكيل العربي في وزارة الثقافة الاسرائيلية نماذج الميزانية...ومن هذه الميزانية ، من هذا الفتات ستنبت مشاريع وطنية تتحدث عن المجازر، ويبدأ السباق بين الفنانين، الذين اجتمعوا وتضامنوا مع" شعبهم"، وتبدا الأخبار لتظهر اسم وصورة الفنان بالبنط العريض...وتعود الأزمات الشخصية، والعداوات...من هو وطني؟ ومن هو المتسلق...ورأيي هو أننا كلنا متسلقون، ولا أعفي نفسي من هذه الصفة المقيتة...وهل نتقدم للآلة العسكرية الاسرائيلية بالشكر، على أنها أجلت العداوة لعدة ايام بين الفنانين والأدباء ، الذين كادوا يقبلوا نعل الوزير، أو نعل وكيله، ليهبهم الجائزة الأدبية التعيسة، كتعاسة عجزنا؟.

 

برأيي: على المبدعين أينما كانوا أن يعيدوا حساباتهم الابداعية والسلوكية،ولن تنتهي حياتنا الابداعية اذا صمتنا قليلا بعد صمت المدافع والطائرات... للصمت وظيفة، والصمت هو لغة أيضا ، والصمت هو الفرصة أن ندخل الى أعماقنا، نحاورها،ونعترف بعقدنا، ونعترف أيضا أنه علينا أن نجد الدواء. الدواء لتغيير سلوكياتنا، وأن نتخلص من وعينا المهزوم...التخلص من الوعي المهزوم هو الذي سيوصلنا الى حوار مفقود، بل حوار ابتعدنا عنه، لكي نتقوقع في لهاثنا وراء فتات يرميه لنا وزير الثقافة الاسرائيلي...وأنا أتكلم الآن عن تجربة، وأقول ذلك لكي لا أعفي نفسي من المرض، ومن العقد التي أتكلم عنها...أتصور مبدعينا اليوم لو أنهم التقوا بأشكنازي كوزير للثقافة...ذلك الذي أعطى الأوامر المباشرة لقصف مدرسة الفاخورة في غزة ومات فيها أكثر من أربعين شهيدا، أغلبيتهم من الأطفال...سيحصلون على الفتات وينتجوا "أعمالا فنية" تعبر عن مأساة الشعب الفلسطيني من فتات ذلك النازي...فليعذرني القاريء! فأنا أتكلم مع نفسي، لأنني وقعت في هذا الفخ الديمقراطي، الليبرالي،الانساني محدود الضمان.
ربما ما أكتبه الآن هو "ظواهر مرافقة" لما عانيته من اذلال جراء اللهاث وراء "ميزانيات نستحقها"، ومثلما قلت، فأنا لا أعفي نفسي....ولكن الجريمة تنبهني الآن: أن لا يفوت الأوان.

 

ما هو مطلوب اليوم، والآن، هو حوار جدي بين " مقرري المشهد الثقافي الفلسطيني في بقعتنا الجغرافية المتبقية لنا" لكي ننقذ ما يمكن انقاذه من مشهد تقافي حضاري ،انساني، نستحقه:فعلى هذه الأرض( المتبقية لنا) ما يستحق الحياة.( محمود درويش).

قد يهمّكم أيضا..
featured

ثورة ثورة حتى النصر

featured

يحدث الآن: عن النّائب عودة، وسياط اللّوم..

featured

"الدور على مين"

featured

رباعيّة الرّحيل

featured

العدوان الغربي ــ العربي على ليبيا: صنع القرار الأميركي (2-2)

featured

الشيخ والآلام..!

featured

تعليمٌ على حافة الهاوية

featured

قوننة الأبارتهايد