في ذكراه: رجا غريب نصار

single

تَمنيتُ عليه وعلّلت النفس أن يحمل في نعشي، إذا جاء ألأجل. فأراني اليومَ، وقد تبدلت الأدوارُ أسير بين المشيعين خلف نعشه، في جنازة مهيبة. وأراني، والحزن يَلُفني أجلس ثلاثةَ أيامٍ أستقبل عزاء المعزين فيه. وأراني أكتوي على لظى جمرِ الكلماتِ، أعاني من حره ما أعاني.   ارثيه.   ترى أصحيحٌ ما قالوه ؟" إن الموتَ خبط عشواء". أم أن الذي أعطى يمارس حقهُ في ألأخذ؟ لله أمورٌ وأشياءٌ في عباده. ولنا، نحن ألأحياءَ، في الزمن المستعار، من بعده، آيةٌ وموعظةٌ في حكم السماء؟  سبحانك يا رب، أخذت حقَك فأرفق باليتيمة.

 

سماه والده " رجا"، رجاء الفقير إلى عطاء ربه. رجاء شيخ، قد بلغ من العمر مديده، " تكسرت فيه المآسي نصالاً على نصالِ". فجميع أولاده الذكور السابقين رحلوا عن الدنيا وهم في ريعان الشباب، وكل إخوته وأعمامه كذلك. كلهم لم يَعْقب منهم أحدا.  صلى الوالد ودعا ربه دعوة القنوت " يا رب أخذت مني كثيرا، فأبقِ لي – رجا- يعَمِر البيت.  يا رب أبقيه لي، يحمل اسمي ويتابع، من بعدي عبادتك وطاعتك ويرث جني عمري من هذه الدنيا. ألّلهم لا قدرة لي ولا طاقة عندي لفراق آخر، انك سميع مجيب الدعوات".

 

حملته طفلاً صغيراً، فأنا أكبره ببضع سنوات. صحبته في " شَقْوَنة الصبيان". ظلّلته، بهيبتي من " مُشاكسة" أترابه الصغار في مدرسة القرية. علمته العومَ في عين البلد و" الشطحَ" في الوادي وسفحَ الجبل والسير بين القرية وسهل البطوف ومسلخيت. درَّبته على جمع فراخ العصافير من أعشاشها وكيف يلمُ بيضَ الحجل. وماذا تفعل النحلةُ وما دور الذكر. رأيته كيف ينمو ويكبر، وأنا أنظر إليه بزهوٍ وافتخار.  لهفي عليه كيف راح؟   كيف رحل؟.

 

كان: هو والصُّبْحُ الأعشى صديقان حميمان، رفيقان لا يفترقان. دائماً وأبداً على موعدِ التلاقي. هذا يقاتل الظلام بسيف من النور فينشر ألبهاء والحياة في الوجود. وذاك يحزم زاده وأشيائه، إلى حيث رزق العيال " ع باب الله": يودع أطفالا، لهم عمر الربيع، مازالوا كسالى يموجون في فراشهم.  هذا يبَّدل الأحوال وذاك يصنع المحال.   أشكل الأمر علينا وحار اليقين. تُرى أيهما هذا؟  ومن يكون آخره؟  أسّْكب أحزاني على من غادر الدنيا وتركها، قبل أن ينعم من جني ثماره.

 

في فضاء القرية، يصّْدحُ صوت المؤذن وهو يدعو إن " الصلاة خير من النوم". تطهر وقام لفروضه واستغفر. هذا أوان صخب السُكارى المتمايلين في حانة الحي. هذا وقت نوم الكسالى وكل الخاملين. هذه لحظة أحلام المترفين المتخمين الحالمين. هذه غفوة المضطربين الحائرين القلقين على رزق يومهم الوافد. وتلك برهة الراحة في رقاد المتعبين. وهذا أوان الجد عند المجتهدين. هذا موعد البعث والنشاط عند المنتجين الراغبين. هذا زمن الكدح والعمل لدى فلاحي القرية ألأشقياء وعمالها الغلابة، فالليل عندهم هَمٌ وغَمٌ والنهار إفتضاحٌ وذل. يا حسرتي على من خرج ولم يعد، وما ودعه أحد!
كان يعمل " مخمنا زراعي"، ومن مهام وظيفته معاينة ورعاية أشجار الزيتون. رصد صحتها وسلامة نموها وتشخيص أمراضها وطرق علاجها. كذلك تقدير جودة غلالها وموعد قطافها. بينه وبين شجرة الزيتون نمى حبٌ تأصل وتغذى من قَسمٍ الهي " والتين والزيتون وطور سنين". قدم النصح والإرشاد المهني للفلاح العربي بسخاء وعلمه قنوات تسويق منتوجه الزراعي. إذن فلا عجب أن يكون عضوا في " المجلس القطري لتسويق الزيت والزيتون".

 

كان، أيضا من مهام وظيفته رعاية شؤون الفلاح العربي، الذود عن مصالحه، والدفاع عن حقوقه المغبونة والمنهوبة. لأجل ذلك كَثُرت وتعددت لقاءاته مع نواب الشعب، ومع المؤسسات الرسمية والشعبية. سَّخر العمر والهمة من أجل رفع مظالم زملائه الفلاحين لأعلى المنابر المتاحة. إن كفاحه الطويل من أجل تجفيف مستنقع " الغرق" في سهل البطوف، وعضويته في " لجنة الفلاحين" المحلية يشهدان له بذلك.

 

على أكتافه يشيل الندى والهَم.  فتبارك النَّدِيُ القدير وأعاننا على طرد الهم والغم. لرجا وعلى مسامعه تشدوا العصافير، نشيد الصباح ألأول، ترانيم وتراتيل، أنغام وموسيقى تشرح سر الكون وتعطي الوجود معان وعِبَر. من أوكارها تهرب الحيوانات مذعورة من وقع خطوات بن آدم، وقد أتخمها صيد الليل الفائت حتى تثاقلت. هذا إبن آوى قد غافل " النواطير- المهجرين- وما أفنى العناقيد". وأرنب خائف مذعور يختبئ في جحر. أرض فلسطين، جبالها ووديانها كانت ساحة عمله، لاسيما منها أملاك المهجرين.  واه حسرتها على من خرج يبغي رزق عياله فهلك!

 

هذا اللوز لأهل البروة، قال عنه سيد الكلمة من آل درويش " كزهر اللوز أو أبعد". هنا الكابري أم البطولات. وهذا صبر أهل عمقا، المهجرين، لا يزال صابراً على أهلٍ ما صبروا. وهذه بيوت دير القاصي قريبة من الروح والقلب رغم إقصاء سكانها. وهذا زيتون أهل كفر عنان زيته يملأ - خوابي – "حارس أملاك الغائبين" وسراج أهله في مخيم اللجوء شحيح. وتلك مرابع عشيرة المعجل في الغديرية والنعناعة تحن إلى نخوة شيخهم خالد. وهذا شجر التين لأهل كويكات، قد هرم من ثقل انتظار عودة الغياب.

 

يعرف كل البقايا، التي حولها الباغي " متردمات". بين الخالصة والمالحة كانت دير ياسين، قرية ثكلت جميع أولادها. بين إقرث وبرعم كانت الصفصاف. لا تزال هناك الكنائس وبيوت العبادة تنتظر من يرفع الصلاة لرب العالمين. هناك على التلال البعيدة الطيرة الشهيرة وأختها الطنطورة، ومن خلفهما تعيش إجزم الحزينة. في عمق الوادي مئذنة ومسجد من بقايا حطين، مجد صلاح الدين ومن فوقها لوبية والسَّجرة، حيث "بنى- ناجي العلى- من حصاها أربعاً، ثم انثنى ومحا ألأربع". إلى الجنوب منهما كُفُرْ سَبْت وانْدور. في طريق العودة يُمَسْي على عيلبون، حية رغم المجازر والمذابح.

 

شجر الزيتون، في بلادي يحفظ العهد لغارسيه. يئن من شدة الشوق والحنين " لحرّاثٍ كان يُكَرِبُ أرضه،  بسِكتين أو ثلاث من فدان أبطاله زوج من الثيران". تعاقب السنين وتكرار المحن حفرت في جذوع الزيتون تجاعيد وشقوق، فأصبح، سنة يعطي وأخرى يستذكر الغائبين. أما التين، فإن رأيته قد " تَفَلَعَ - فلا تظُنّْنه يبتسم"، هو ينادي أحباء ارتحلوا وما عادوا. قلبي عليهم، كيف أصبحوا؟  كيف أمسوا؟ قلبي على رجا، الذي لن يعود.

 

كان، رجا سنبلة في بطوفنا، تموج مع النسيم وتتمايل غِيَّة وزهوا. حَنت هامتها قليلا، إما تواضعاً أو من زيدٍ في خيرها. أم أن كلا الحالتين بعضٌ من شمائلك؟  يا نخلةً في الدار كانت عالية، " قطوفها دانية"، يستريح في فَيْئِها عابر السبيل ويقتات من تمرها. يا سنديانة الجبل، غاصت جذورها في باطن ألأرض فما " هزتها ريح".  يا قطعةً من كبدي! هل جاء الصيف وحان موعد الحصاد؟ أصحيحٌ ما قاله البعض " أن الموت بيدر الحياة"؟ أم تُرى " أننا نودع بعضنا بعضا"؟

 

هاجر رجا عنا وإرتحل، فازداد عنا بعداً وازددنا عليه حرقةً. ليس كهجرة الفلسطيني، الذي " سيعود وإن طال الزمن". ولا كهجرة الطيور التي ملأت حقولنا والبِطاح، والتي ستعود إلى ديارنا عندما يموت الخريف.  رجا هاجر كالفراشات الزاهيات اللاتي تعددت ألوانهن وتنوعت محاسنهن. مثلما تعود الفراشات، عودة مجازية، تعود في نسلها، أنت، يا مهجة الروح باق بيننا في نسلك وذريتك، باق عندنا كفراشة إزَّيَنَت وإكّْتَست بجمال ألوان الطبيعة، رقيقة، مثله في طبعها بسيطة في مسلكها ناعمة في معشرها.  ستظل روحك تلهمنا الحب وتمنحنا البساطة.

 

يا أولاده! غريب وأحمد ومحمد وعبد الحليم ويا أمون وقدورة وإبراهيم. سبعة " يِسْبَع الشيطان"، أطباء وصيادلة ومحامون والباقي على طريق ألعُلا يسيرون. علَّمنا نبينا أنه " إذا مات بن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةً جارية أو علماً ينتفع به أو ولداً صالحاً يدعو له". وجاء في التراث: " العلم يبني بيوتا لا عماد لها والجهل يخفض بيوت العز والكرم".  رحم الله فقيدنا وأنّْعم بالخلف الصالح عزاء لنا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الواقع فايغلين

featured

المربي شوقي حبيب .. من طلائع الجامعيين العرب - قامة تربوية خالدة

featured

من دروس ثورات الربيع العربي

featured

ليكن الاضراب شاملا ونجاحه مجلجلا !

featured

أبو الياس، حامل البوصلة

featured

الدم ما بيصير ميه

featured

لا عودة عن "مسيرة العودة"!

featured

لا تعتذر، إلا لحيفا!