جريمة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى وتداعيات واستحقاقات، جريمة يقترفها جيش الإحتلال وأجهزته الأمنية وقياداته السياسية، جريمة يستحق ضحاياها التعاطف والإسناد والتضامن المعنوي والسياسي والمادي، ويستحق مرتكبوها الإدانة والمحاكمة والعقوبة، كمجرمي حرب.
جريمة تقوم بها إسرائيل، بتخطيط مسبق وقرار منظم وإرادة واعية للنتائج والإصابات، وما تخلفه من دمار وخراب وقتل وموت للحياة، جريمة تقترفها إسرائيل بقدرات الجيش الإسرائيلي المتفوق بالتكنولوجيا والإستخبارات والإمكانات غير المحدودة لضرب قدرات متواضعة محدودة.
جريمة إسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني وقطاعه المحاصر بالتجويع وفقدان البوصلة والإستفراد والعزلة، تحت حجج وذرائع غير مقبولة عقلياً ومنطقياً وواقعياً وإنسانياً.
إسرائيل ترتكب جريمتها بسبب حركة حماس وسياستها، وكأن إسرائيل بما تقوم به، تفعله لأول مرة، وكأن مشهد التدمير والخراب والموت، الذي تخلفه إسرائيل على أرض الشعب الفلسطيني وكيانه وحياته، ترسمه بلا تراث وخبرات وتداعيات.
ما تفعله إسرائيل اليوم في غزة الفلسطينية المحكوم بقوة حركة حماس، فعلته في الأعوام القليلة الماضية في الضفة الفلسطينية في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، تلك المرحلة التي بلغت ذروتها باغتيال أبو عمار وإنهاء حياته، بعد حصاره وتدمير مقراته، وإضعاف مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية على إمتداد المدن والقرى في مناطق الإحتلال الثانية عام 1967.
ما تفعله إسرائيل اليوم في قطاع غزة، صنعته في الضفة الغربية خلال السنوات القليلة الماضية، فالسياسة نفسها والأبطال أنفسهم والمجرمون لم تتغير هوياتهم، والضحايا هم شعب فلسطين، حيث لم يسقط في كل هذه الهجمات أي مسؤول حمساوي واحـد ( حماهم الله )، بل هم رجال الشرطة وحراس السجون والمقرات والعاملون في الأنفاق، والهامشيون في الحياة.
قادة حماس ينتظرون لجني ثمار النتائج، والنتائج ما زالت مجهولة، مرتبطة بكيفية سير المعارك أحادية الجانب، وكيفية إدارة المعركة السياسية، ونتائجها ترسمها مقدمات غير مبشرة بالخير، فالذي يسعى لقطع الطريق على عدوه ويعمل على هزيمته، يقوم أولاً بتمتين جبهته الداخلية ويرص صفوفها، لا أن يبحث عن التفريق والتمزيق والتشتت ويوجه عبارات التخوين لقيادات الآخرين من شعبه، ومن يسعى لهزيمة عدوه يوسع ثانياً جبهة أصدقائه ويستنجد بأشقائه، لا أن يتهمهم بالتواطئ والتخاذل ووضعهم في خندق الأعداء الألداء.
رسالة حماس إلى السلطة الوطنية وإلى الرئيس أبو مازن وحكومة سلام فياض وإلى حركة فتح والشعبية والديمقراطية وحزب الشعب، وباقي الفصائل والشخصيات، لم تكن في واقع الأمر رسالة البحث عن القواسم المشتركة والقفز عن الخلافات والتراجع عن الإستفراد والإنقلاب وأدوات الحسم العسكري، بل كانت على العكس من ذلك بالتمام والكمال.
ورسالة حماس إلى العرب، فيها إساءة إلى مصر ودورها، وإلى الأردن وانحيازه الفطري إلى فلسطين، وإلى السعودية ومكانتها ووزنها الكبيرين، وإلى الجامعة العربية ورمزيتها القومية، وهذه رسالة أقل ما يقال فيها وعنها أنها رسالة إنعزالية، ومع ذلك لم يتصرف العرب بانفعال، ولم يردوا على الإساءة بالإساءة، بل كان الرد تعبيراً عن الإحساس بالمسؤولية والترفع عن الإيذاء، لأن العدو واحد ودم الشقيق للشقيق واحد، و" الدم لن يصير ميه ".
إسرائيل، لن تهزمها قدرات المقاومة، مهما بدت شجاعة وباسلة ولديها إستعداد عالٍ للتضحية، إسرائيل يمكن هزيمتها أخلاقياً وسياسياً وأدبياً لأنها على باطل، ولأنها عداونية وظالمة وتقترف الجرائم، وتنتهك حقوق الإنسان، ولا تلتزم بالمعايير الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ولكن هزيمتها تحتاج لفعل عقلاني وسياسة متزنة وأداء كفاحي يقبل به المجتمع الدولي، وليس من خلال التسابق على مقارفة الإنتهاكات واستهداف المدنيين بدون تمييز، أخذاً بمبدأ العين بالعين والبادئ أظلم، ذلك لأن المجتمع الدولي لا يسمع ولا يرى وجع الفقير المظلوم بيسر وسهولة، هذا يتطلب تراكمات وصبر وطول نفس وإرادة لا تلين وسياسة محنكة.
نثق أن إرادة الشعب الفلسطيني، لن تهزم، وقوة الإحتلال وتفوقه لن تنتصر، لأن الشعب الفلسطيني على حق، والإحتلال مهما بدا مدعوماً فهو على باطل، ولذلك ستنتصر العدالة على قوة الظلم وجبروته، وهذا يحتاج للوقت، والقيادة الحكيمة هي التي تختصر عوامل الزمن لنيل الإنتصار، هي التي تجنب شعبها الوجع وطول المعاناة، أما القيادة المتسرعة، فهي مثل المستسلمة، لن تصل بشعبها إلى شواطئ الأمان والإستقرار والطمأنينة.
طوبى للشهداء والجرحى والمعذبين فهم شموع الحياة ونبلها، والهزيمة والعار للمستعمرين الظالمين، لأن موقعهم ومكانتهم العزلة والإدانة ومزبلة التاريخ.
