على جذعها السنديانيّ برى شعراؤنا وأدباؤنا وكتّابنا أقلامهم، وعلى أوراقها الخضراء كتب زيّاد ودرويش والقاسم وجبران قصائدهم الجميلة، وسطّر مؤرّخ القضية الفلسطينية د.إميل توما تاريخ هذا الشعب الأصيل. وكم ضحكنا وبكينا وشحذنا الهمم مع أسبوعيات حبيبي وتشاءلنا مع سعيد أبي النحس. وفي ظلها الظليل غمسنا لقمتنا بزيتها الطفاح. أرضعتنا فكراً وأدباً عربياً وعالمياً إنسانيا تقدمياً ثورياً. حافظت على تراثنا الأدبيّ الفلسطينيّ في زمن الحصار الثقافي وقدمته للجيل تعويضاً عن مناهج العدمية القومية. أحببناها فأحبّتنا وأعطيناها فأعطتنا ورافقناها فرافقتنا.
سبعة عقود صامدة في وجه التحديات والعواصف والانهيارات. محروسة من عشاقها ومحبيها وحرس خطّها الثوريّ. صحف عديدة تملكها أحزاب كبيرة ومؤسسات مالية ضخمة اختفت من الساحة ونامت في خبر كان وبقيت "الاتحاد" جريدة حزب وصحيفة شعب وما كانت لتبقى لولا هذا الحزب الثوريّ الضارب جذوره في الشعب ولولا الجنود الذين يمدّونها بوجبات الدم. الجنود العمال الذين لا يملكون سوى قوت يومهم وقوة إيمانهم وإرادتهم.
تواجه "الاتحاد" اليوم تحدياً عصرياً كبيراً شأنها شأن الصحف المكتوبة في عالمنا، عالم الاتصالات السريعة جداً والاختراعات المتطورة بوتيرة عالية، عالم صحافة الانترنت والفيسبوك واليوتيوب، عالم الكتابة بلا رقيب لغوي وبلا محرر ثقافي وبلا بوصلة فكرية، عالم مواقع " كل من ايدو الو " عالم صحافة أخبار وتعليقات ومقالات الضمير الغائب والضمير المستتر. صحافة تهدد وجود صحافة حرة ثورية ناقدة مسؤولة. صحافة تحوّل العمل الصحافيّ إلى فقّاسة اعلانية اعلامية بالونية صارخة تخدم السلطان والسماسرة وتجار السلاح ومُقامري البورصة.
من أجل المحافظة على "الاتحاد" من الواجب أن نعصرنها محافظين على روحها لأنه إذا غابت روح "الاتحاد" فلا حاجة إليها.
تعالوا اليوم في هذه الأمسية الجميلة ونحن نحتفل بعروستنا الدائمة الصبا لنهديَ وردة حمراء، برقوقة فلسطينية، قرنفلة، لروح كل واحد من كوكبة الأدباء والشعراء والصحافيين الذين عملوا في صحيفة الشعب وتركوا بصماتهم عليها وعلى الحركة الصحافية والأدبية والثقافية والفكرية. تعالوا نقف إجلالا لهؤلاء الراحلين الذين أناروا الدرب في أيام الظلام والشدة: د.إميل توما، توفيق طوبي، توفيق زيّاد، صليبا خميس، علي عاشور، عصام العباسي، إميل حبيبي، محمود درويش، أحمد سعد، سميح صباغ، ادوار الياس، سالم جبران.
لا أكشف سراً إذا قلتُ إنّ بعض مقالاتي لا تروق لبعض الرفاق وبعض الأصدقاء وتختلف عن رؤيتهم ووجهات نظرهم وعما يحبونه. أنا لا أحترف المشاغبة ولستُ ممن يكسرون مزراب العين كما أنني لستُ قلماً برجوازياً أو قلماً مأجوراً. أجتهدُ أن أفكر وأحاول أن أكون شجاعاً وأسعى لقول الحقيقة كما أراها ولا أزعم أنّ الحقيقة مُلك لي. أنا كاتب قد أصيب وقد أخطئ وقد قال الرسول العربي قبل خمسة عشر قرناً: من اجتهد وأصاب فله أجران ومن أجتهد وأخطأ فله أجر واحد. وفي هذا الحديث الشريف حثّ على الاجتهاد والتفكير وفيه دعوة لاحترام الرأي الآخر بدون تجريح.
نحن متفقون على أنّ أمريكا هي رأس الحية الجدراء وفيروس كل علة. ونحن متفقون على رفض أي تدخل عسكري أجنبي في سوريا. ونحن متفقون على أنّ قطر قاعدة أمريكية وأن أميرها تابع ذليل لسيد البيت الأبيض. ونحن متفقون على أنّ السعودية هي أم الرجعية العربية وحاضنتها وأنّ من يحرّم على المرأة قيادة السيارة والسفر بدون مُحرم لا يحق له أن يتحدث عن الحرية والديمقراطية في بيت الآخر. ونحن متفقون على محاربة الطائفية ومصرّون على وحدة الشعب السوريّ ووحدة أرضه. ونحن متفقون أننا نُريد الخير والعزة والكرامة والحرية والديمقراطية للشعب السوريّ وليس للنظام الملكيّ الدكتاتوريّ. وأما ما عدا ذلك فهناك وجهتا نظر بينهما بعد شاسع، بل بينهما سهول وصحارٍ وجبال وأنا مُصرّ على رأيي وعلى موقفي. أنا مع الشعب السوري ضد النظام الذي يذبح أبناء الشعب يومياً ولا بد لهذا النظام أن يرحل. ليس الأمر عناداً ميعارياً بل عناد المؤمن المقتنع برأيه. ورحم الله الشاعر القتيل الذي قال للجميع:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ
وسوف تبقى "الاتحاد" صحيفة الفكر التقدميّ الثوريّ وصحيفة الرأي الشجاع وصحيفة المعارك الفكرية والأدبية، شعلة وراية للعمال والطلاب والمثقفين، حاضنة للأدب والفن التقدميّ الإنساني نصير الثوار والمناضلين، سوف تبقى مدافعة أمينة عن مصالح الطبقة العاملة ومصالح هذه الأقلية القومية المنغرسة في وطنها وعن الشراكة العربية اليهودية الحقّة وعن حق شعبنا في إنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة.
تحية خالصة لإدارة "الاتحاد" ولهيئة تحريرها وللرفاق الذين يجمعون الاشتراكات وأدعو كل فرد منا أن يدعم الاتحاد مادياً ومعنوياً كي نراها تدخل إلى أكبر عدد من البيوت العربية في المدن والقرى والمضارب. من العراقيب حتى عرب العرامشة ومن الجش حتى اللقية ومن يافا حتى عكا، وعندئذ تعود "الاتحاد" إلى مجدها والى عزّها.
