قبل أربعين عاما كان لي الشّرف أن أدخل بيتا يفيض بالقوميّة وحب الأرض ويتمسّك بالقضيّة الأم، قضيّة الوطن السّليب، حين كان الثّمن الذي يُدفع باهظا، بعد أشهرٍ قليلة من سجن عميد العائلة المناضل صقر فلسطين داود تركي، أبي عايدة، لمدّة سبعة عشر عاما. دخلت بيت الشّيوعي العريق ابراهيم تركي، أبي خالد، وطيّبة الذّكر أم خالد، وكان لي الاعتزاز والفخر أن أكون صهرا لهذا الصّرح الوطني وأكون زوجا لبكر هذه العائلة غاليتي، رفيقة دربي، وضحى.
بيت دافئ كانت المحبّة فيه نبراسا لا يخبو، تربية ديمقراطيّة لابن وأربع بنات، تربية أم خالد الّتي كانت نبع حنان تغدق على فلذات أكبادها منه بلا حدود، فنمت الأشتال حرّة أبيّة شامخة، تأبى الذّل والرّضوخ والخنوع والهوان، وهنا ينطبق قول الشّاعر وبصدق على الأم الغالية أم خالد:
الأمّ مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيّب الأعراق
في الوقت الّذي كان عمّي الغالي أبو خالد، امدّ الّله في عمره، يخوض نضاله الحزبيّ والوطنيّ ويخوض معركة أخرى من أجل لقمة العيش الّتي كانت تبعده عن البيت أيّاما، كانت أم خالد تمسك بالزّمام ، وسارت إلى جانبه تدعمه وتشدّ عزيمته وإرادته على الاستمرار في طريقه الكفاحيّ على جميع الصعد.
لم تتذمر فقيدتنا الغالية على ما دفعه العم أبو خالد لتمسّكه بمبادئه وفكره التّقدّميّ من إبعاد عن أماكن العمل الّتي ادّعى الحاكم أنّها "أمنيّة"، وتحمّلت واكتفت أحيانا بالقليل ولم تُشعر أولادها يوما بالعوز أو الحاجة، فقد كانت مدبّرة ، ربّة بيت قديرة فعاشت العائلة حالة اكتفاء دائم.
لم تتوقّف العائلة عن دفع ثمن مواقفها المُشرِّفة، فقد تخرّج ابنها د.خالد من جامعات جمهوريّة تشيكوسلوفاكيا الاشتراكيّة وعاد إلى أرض الوطن وبدأ مشواره الطبي في مستشفى رمبام في حيفا، ورغم التّوصيات الّتي قدّمها رؤساء الأقسام الّتي تدرّب فيها والّتي تدلّ على قُدراته وكفاءته، إلّا أنّ أحدهم اعترف له وهو يذوب خجلا أن لا حول له ولا قوّة في تغيير ما جاء من "أعلى"، ولم يُقبل د.خالد تركي في أي تخصّص. لم يثنِ كل ذلك العائلة عن المُضي في الطّريق المُكافح الّذي يؤثر قضايا الشّعب والجماهير على المصلحة الذّاتيّة الأنانيّة الضّيّقة.
إنّ مشاركة الآلافِ العائلة مصابها بفقدان أم خالد، في الجنازة وتقديم التّعازي، لدليل على تقدير شعبنا لما قدّمته العائلة من تضحيات، فالشّكر لهم جميعا لأنّ ذلك يشدّ أزر العائلة في الاستمرار بالتّضحية والعطاء.
