الصورة التي أرادها وزير التربية والتعليم جدعون ساعر في خلفية مؤتمره الصحفي، أول أمس، هي رسم بياني يؤشر على ارتفاع مضطرد في نتائج "البجروت". ولأنّ من يملك المعرفة يملك القوة، كان بالإمكان تدبير رسم كهذا، وأن يكون "صحيحًا" وفق الاحتيالات الإحصائية.
فالحقيقة هي أنّ نسبة استحقاق البجروت هبطت بالمجمل من 48,3% إلى 48,1%. ولكن الارتفاع الذي يؤشر عليه الرسم البياني هو في نسبة مستحقي شهادة البجروت من بين الطلاب غير المتسرّبين. في حالة الطلاب العرب، نتحدث عن أكثر من 27 ألف طالبة وطالب في شريحة الجيل، يدرس من بينهم نحو 20 ألفًا، ويستحق منهم الشهادة 10 آلاف فقط (حوالي 38%).
أضف إلى ذلك أنّ ما نسبته 80% فقط من مستحقي شهادات البجروت العرب يمكنهم الالتحاق بمعاهد التعليم العالي. أي أنّه، في المحصلة، وبعد التسرّب والتسريب والتمييز والإهمال، يستطيع 3 فقط من بين كل 10 طلاب عرب منال التعليم العالي، هذا طبعًا قبل عوائق البسيخومتري وتحديد الجيل وغيرها من الشروط التمييزية التعجيزية. هذه الفجوات تُكرَّس لاحقًا في عالم العمل وفي شتى مناحي الحياة لتعيد إنتاج جدلية القومي والطبقي في حالة الجماهير العربية في إسرائيل.
إنّ وزارة التربية والتعليم لا تتنكّر فقط لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة التوزيعية، بل تتنكّر حتى لما اعترفت به من احتياجات، بعد سنين طويلة من المتابعة والملاحقة والمثابرة، في جهاز التعليم العربي، وتتلكأ في تطبيق توصيات اللجان المهنية المشتركة للوزارة واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية ولجنة متابعة قضايا التعليم العربي، والتي تقتضي رصد مليارات الشواقل في ساعات التدريس والصفوف والمرافق والقوى البشرية والعسر التعلّمي والبرامج التربوية وغيرها من الاحتياجات المادية والبيداغوغية.
ويزيد الوزير ساعر الطين بلةً بسياساته اليمينية المتطرّفة – من "السياحة الاستيطانية" إلى تقاليع "النشيد والعلم" إلى دسّ "الخدمة المدنية" في قبول المعلمين إلى صهينة المناهج والبرامج إلى الملاحقات المكارثية ضد التربويين النقديين – والتي تعمّق من نفور الطلاب وذويهم ومعلميهم ومجتمعهم واغترابهم عن الجهاز. فالعملية التربوية ليست الكرسي والطبشورة والمختبر فقط، بل هي، أيضًا، وأولاً، البيئة التربوية المحيطة بالطالب، والتي كثيرًا ما يكون دور بعض القربى فيها أشدّ مضاضةً.
إنّ صورة الغبن التي ترسمها معطيات البجروت للعام 2011، كما الأعوام السالفة، تؤكد حاجة التعليم العربي إلى خطة خماسية يقدّر نطاقها بثلاثة إلى أربعة مليارات شاقل، وإلى الاعتراف بخاصية التعليم العربي القومية والثقافية والتربوية وبما يترتب على هذا من تغييرات مضامينية وإدارية تضمن الإدارة الذاتية لجهاز التعليم العربي.
