لله عز وجل في خلقه شؤون، فالكون الذي نعيش فيه يحوي في طيّاته أصنافًا وأنواعًا كثيرة ومتجانسة ومتغايرة من المخلوقات، حيث خصّ رب العالمين الانسان دون غيره من المخلوقات، وميّزه في كثير من الصفات والسمات والاشكال التي جعلته مجتمعة أفضل هذه المخلوقات.
وفي هذا السّياق بنو البشر يختلفون من الواحد الى الآخر، فمنهم البسيط والذكي والعبقري والنابغة وكذلك فيهم الغبي والطفيلي، المتواضع والمتسامح والمتعجرف والاناني، خفيف الظل، المتزمت، الصادق والكاذب والمراوغ، المتفائل والمتشائم والمنافق والامّعة...
ومرض هذا المجتمع وغيره من المجتمعات هو إذا بُليَ بأُناس أنانيين، يلعب عندهم " الأنا" دورًا فعّالًا حتى يكاد يسيطر على كل صفة اخرى، والأنا هذا يستبد بصاحبه وربما يستعبده ويسخّر كل مقوماته وامكانياته في الانانية، وكأنه فوق الجميع هو وفقط هو، وكأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق سواه.
وصور أخرى من بني البشر وكينونتهم في هذا الوجود لا شك انها تختلف من شخص لآخر، في البنية وفي الاخلاق، في التعامل وحسن الاداء، حسن الاسماع وحسن الاستماع، بدماثة الاخلاق ولين العريكة، في الطموح والقناعة، في الاخذ والعطاء، في اسلوب الحياة وانماطها، في النظرة الى الآخرين وكيفية احترامهم او التعامل معهم، في نظرة التفاؤل والتشاؤم، في العلياء والشموخ والتواضع، ولا شك ان المرء في حياته يتصف بأكثر من نوع مما سبق ذكره، واذا صادف المرء اناسًا طموحين في العمل في الاستقامة في الجد والكدّ في الانجاز والعطاء من أجل المجتمع وصلاحه، تراهم متواضعين قنوعين لان التواضع بدون شك ينتج عن القناعة، هذا الكنز الثمين الذي يجنّب المجتمع ويلات لا تحصى ويسهّل الحياة على الكثيرين، وخاصة هؤلاء الذين يتصفون بمثل هذه الصفات، الغالبية الساحقة من الناس تكن لهؤلاء الاحترام والتقدير، تعطيهم حقّهم في المجالس الاجتماعية واللقاءات والمناسبات، وربما تًثني عليهم في كثير من الاحيان، ذلك ليس لمنظرهم الجميل الخلّاب وانما لما يتحلون به من صفات، ومن تواضع، لهذا أحبهم الناس وتقربوا منهم حيث لا تمييز ولا تعجرف ولا نظرة ازدراء، البعيدين كل البعد عن الانانية، يتقاسمون الكرامة مع الآخرين حتى ولو كانت من صنع ايديهم ومن انتاجهم الخاص.
وفي المقابل يرقب الانسان وبسهولة أُناسًا من نوع آخر، أُناس على قدّهم وعلى قسط معين من الثقافة، ولم يتحمّلوا مسؤولية في حياتهم، اناس هُم عالة على نفسهم وعالة على اسرهم وعائلاتهم وحمائلهم ومحيطهم ومجتمعهم، طغى عليهم "الأنا" الشعور بالعلياء دون دراسة الامور على حقيقتها والوقوف بشكل موضوعي على ما هم عليه يعرفون بالضبط ماذا يريدون ولا يتحققون من تصرفاتهم، هؤلاء الناس يهوون ما لهم وما لغيرهم، يريدون ما لهم وما لغيرهم، هم الذين خُلقوا وفقط هم والغير خُلق من طينة أخرى، هم فوق الجميع ولا يمكن ان يكونوا يومًا من الايام في موضع قد يحسدون عليه، وهمهم الوحيد إبراز انفسهم وإبراز انانيتهم حتى ولو على حساب الآخرين متناسين من حولهم متناسين انهم على قدّ حالهم ومتجاهلين بتعمُد من هم، وما هي قدراتهم ويفعلون جاهدين وبدون انقطاع لافتعال الدعايات والاكاذيب خدمة لطغيان "الأنا" الذي تأصل في نفوسهم، ولا يمكن ان يتركهم في يومٍ من الايام، فقد يؤدي بهؤلاء الامر الى اختلاف الاسباب والجميع من أجل الحفاظ على انانيتهم هم وليس غيرهم، هم الذين حسب رأيهم يمكنهم صنع المستقبل الافضل، هم الذين يليق بهم التمثيل لهذه المجموعات أو تلك، هذه العائلة أو تلك، ويتابعون على هذا الاعتبار دون منازع لشراستهم ولعقمهم الاجتماعي وربما بعد كل هذا يسودون مؤقتًا وتسيطر انانيتهم عليهم، عندها يتحقق (طغيان الأنا) كليًا فيقودهم هذا الطغيان الى الهاوية التي لا يمكن الرجوع عنها بفضل الانانية القاتلة، وحبهم المبالغ فيه غير مكترثين بما حولهم من أُناس، أصدقاء وزملاء في العيش والعمل، وتطغى هذه الانانية أكثر وأكثر حتى تقودهم الى ابعد الحدود، وعندها قد يفقدون شخصيتهم وكذلك ارزاقهم واموالهم اذا وجدت، والاصعب من هذا كله انهم يفقدون انفسهم من قبل المحيطين بهم ومن قبل الاصدقاء والزملاء وحتى من ابناء اسرهم القريبين منهم، ذلك دون عناء بفضل انانيتهم القاتلة، انانيتهم التي لا تقف عند حدود، انانيتهم التي يخيّل لهم انهم فوق الجميع، وتبقيهم هذه الانانية عاجلًا ام آجلًا دون سمير، تبقيهم متخبطين لوحدهم قابعين وما من جليس، واذا اردنا أن نورد امثلة على ذلك فكما يعرف الكثيرون الامثلة متوفرة دون حدود وبين ظهرانينا، الا انه يترتب في هذا المضمار، قول الرأي الصحيح كي لا تستفحل مثل هذه الظواهر الفتّاكة في مختلف شرائح المجتمع.
وخلاصة القول ان المرء مهما شمخ في عليائه، ومهما جمّع من ثروات واموال وارزاق، ومهما تسنّم من مناصب اجتماعية، ثقافية وحتى سياسية، ومهما انجز وحقق نجاحات على صعد مختلفة وكانت هذه كلها مغموسة بالانانية بطغيان "الأنا" فلا بد الا وستزول دون سابق إنذار وستزول قبلها هذه الشخصية ايضًا.
ومن الافضل للمرء نفسه ولاسرته ولمجتمعه ان يكون بعيدًا كل البعد عن طغيان وسيطرة "الأنا" ولا يجعل لهذا الطغيان عنده سبيلًا، عندها يمكن ان ترى العديد من المشاكل والاحتكاكات الاجتماعية في طريقها الى التلاشي، وربما يسهم ذلك ايضًا في العمل المشترك وتقارب القلوب والاحترام المتبادل والنظرة الموضوعية والتساوي بالآخرين، الامر الذي دون منازع قد ينعكس ايجابيًا على المجتمع بشكل عام وعلى الافراد والأسر والمجموعات بشكل خاص.
(أبو سنان)
