لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل

single

*رنين القيد نبهني لوجوده بأرجلها ويديها، لأتنبه بواسطة عدسات نظارتي لوجود تلك الفأرة الصغيرة "ترافق" (سجانة بمصطلحات الواقع المر) تلك العزيزة لأفهم سخرية الأقدار كأنه انتقام عبثي للتافهين بالأرض بعظمائها*

 

 

 

فرحت كثيرا بولادة نور وشهد ليس فقط لأنهما أقربائي وليس لطفولتهما الجميلة وليس للولادة ذاتها بل لأن ولادتهما تبشر بقرب ولادة صداقة رائعة هي أشبه بعيش أسطورة أو على الأقل لمسها.
ما علاقة ذلك الحدث بذاك، العلاقة تقنية مملة في خضم حكايات الأساطير التي لطالما ربتني عليها أمي وأبي اللذان غرسا في أعماقي السحيقة عشق الوطن وحولت لي أمي قصة كل مناضل ومناضلة، الى اسطورة تنقلها الأمهات لأطفالهن قبيل نومهم كي تختلط بأحلامهم وتتحول لما يسميه فرويد بجزء فاعل من اللاوعي.
توجهت لي أم شهد ونور بسؤال كنت بانتظاره على أحر من الجمر، اذا ما أنا على استعداد تبديلها بعملها خلال فترة اجازة الولادة؟ ردي الايجابي حولني لانسانة غير صبورة لانهاء تلك المحادثة كي يتسنى لي مهاتفة المسؤولين عنا بالعمل لأخبرهم عن اتفاقنا، وبالرغم من اندهاشهم لحماستي رغما أنهم خبروني أنه لن تكون أية اضافة على راتبي لملء ذلك الفراغ، وانما سأعمل على نفقتي وحسابي الخاص، اللهم الا بعضا من تغطية السفريات.
ذهبت هناك الى المكان الرمادي ذي الجدران العالية المخيفة المحاط بأسوار يتوسط احدها كلاب هجينة خارجة عن قواعد الطبيعة الجميلة الى جنون الانسان بتدنيس كل ما خلق طبيعيا لينبحوا على كل من يتحرك بجنون هستيري.
التفتيشات اعتدت عليها فهي تولد مع ابن البلد في بلد سيطر عليه الغرباء وحولوه الى ثكنة عسكرية مهوَّسة.
دخلت وأدخلوني على غرفة أو هذا ما أسموها، الأمر لا يتعلق بصغر حجمها بل بحاجز زجاجي مرفق لباب زجاجي مقوى يغلق عليه بالمفتاح، لم أقوَ على البقاء في تلك "الغرفة" وقفت بالممر أتأمل السياج على سقف الساحة الصغيرة وأتساءل عن سبب وجوده، واذ بها تدخل. نعم لم أكن قد رأيت الا صورة واحدة لها من قبل، لم أعرفها من تقاسيم وجهها وانما عرفتها من مشيتها، ضعف النظر نعمة فالله لا يأخذ شيئا من أمرئ الا ويمنحه قدرة أخرى ربما أفضل من سابقتها، أميز الناس من مشيتهم، المشية تفضح صراعا بين أوجاع الظهر الجسدية وبين هيبة الكرامة والعنفوان. المشية مشية عزة. شاهدت بأم عيني قصيدة شاعر الجليل الأعلى سميح القاسم، منتصب القامة مرفوع الهامة... تتجلى أمامي، تهرب من صفحات الكتب ومن شريط الكاسيت القديم لتقف أمامي بتلك الساحة ذات السياج الفوقي، رنين القيد نبهني لوجوده بأرجلها ويديها، لأتنبه بواسطة عدسات نظارتي لوجود تلك الفأرة الصغيرة "ترافق" (سجانة بمصطلحات الواقع المر) تلك العزيزة لأفهم سخرية الأقدار كأنه انتقام عبثي للتافهين بالأرض بعظمائها.
عدت للواقع سريعا، واستوعبت موقعي في هذا العالم المقلوب، عدت لشبه الغرفة أجلست نفسي على الكرسي تصرفت كما يليق بي موقعي.

من البداية أنا، قبل ما أسهبت، بعشر سنوات، شابة طموحة مؤمنة أن السماء هي حدودي لم أكن قد شاهدت بعد سياجا فوقيا، متنبهة لكلام محاضري بالجامعة يتحدث عن حقوق الانسان خاصة في ظل وجود احتلال، واذ بي أستمع لحديث جانبي بين زملائي بالدراسة أحدهم كان قد أفصح لي عن اهتمامه بي، وقد قام بدعوتي مرارا وتكرارا لفنجان قهوة كنت قد رفضت جميع دعواته بادعاء أني لا أحب القهوة لكنه لم يكن سبب رفضي الحقيقي، "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" فكيف لي أن أقبل أن أتمرد على الآية الكريمة وأقبل دعوته وهم لم يغيروا ما بأنفسهم، تحول استراقي السمع الى اصغاء تبدل لغضب واذ بي لا أقوى على الصمت. التناقض الهائل لما تسمعه أذناي بذات اللحظة جعلني أفقد صوابي ... الأول: نعم لقد أمسكنا بها البارحة؛ الثاني: سمعت أنها "...." (يقصد جميلة لكنه استخدم كلمة نابيّة)؛ الثالث: نعم لكن واضح أنها صعبة المراس يجب كسر رأسها؛ الرابع: واخراج كافة المعلومات منها؛ الأول: نعم وتصفيتها؛ الرابع: ليس علينا تلطيخ أيدينا دعونا نجعل الأمر "شرف العائلة"؛ الأول: نعم أخوها البكر قوي البنيان يمكن ان يعمل العمل "من أجلنا"؛ الرابع: نعم اذا ما سمعت الفتيات اللاتي معها بالسجن ما فعلته سينبذنها وسيقتلنها حفظا لشرفهن؛ الثالث: نعم يجب تصفيتها؛ الثاني: أولئك العرب الأوباش يتحاربون على كل أمر تافه فلمَ علينا تلطيخ أيدينا بدمها خاصة انها ذكية جدا لا يمكن الابقاء عليها...
 يا سلام على الانسانية قطعتولي قلبي خلو شوي للمحاضر اللي بتتمسخروا عليه وبتقولوا عنه أهبل ومش فاهم الحياة الحقيقية بره مع العرب الهمجيين، مين الهمجي غير حديثكو هذا.... تطوع بالرد علي من كان يدعوني للقهوة (لا أذكر اليوم أيا منهم لكنه ليس الرابع ولا أظنه الأول) أنت أيضا ساذجة تلك خديعتها كان يمكنها أن تطالك أيضا فهي لا فرق عندها كلنا سواء بنظرها... رددت دون تردد: وذنب من ذاك؟!   فقام مرة أخرى بدعوتي للقهوة لايقاظي من سذاجتي وحماقتي.
مرت عشر سنوات نسيت أو تناسيت زيارة قبرها (ألف سلامة على قلبها) كي لا أواجه واقعنا المرير كمجتمع يصارع الاحتلال ويحرق خيراته حطبا لوقود الصراع الذي لا ينتهي.
الى أن وصلت لذلك العمل مع أم شهد ونور لاحقا، وكنت في مكتب اخصائي نفسي برام الله نتحدث عن أوضاعهن النفسية وقدرتنا على مجابهتها وما الى ذلك من تفاصيل مملة، الى أن جاءت زميلتي على ذكر اسمها واذ بذلك الاخصائي الذي كان على مدار الساعة يحاول جاهدا جذب انتباهي لكلامه قد أيقظ بكلمات معدودة كافة حواسي دفعة واحدة لأنظر مشدوهة وأسأله وأسأل زميلتي بعجب باد على كافة تقاسيم وجهي وجسدي: فعلا أما زالت حية؟ نظروا إليّ كما ينظرون لمجنونة غريبة وأومأوا برأسهم ايجابا. دون تفكير توجهت بطلب لزميلتي لزيارتها لكنها تجاهلتني، وتفهمت أن طلبي لا يليق.

بدأت جولتي لاغلاق دائرة العشر سنوات تلك، طبعا أسهل فرضية تتناقض مع الوضع الحالي، فرضية "التعاون" وادلاء بالمعلومات بشكل رضي، يتناقض مع وجودها بالمعتقل بقرار من المحكمة بحكم لا نهائي.
لذا كان عليّ البحث والتدقيق وتمحيص والسؤال، شعرت أن قراءاتي الطفولية لشارلوك هولمز ولمحققين آخرين من كتابات الكاتب المصري شريف صبري قد أفادتني بجمع وتفريغ المعلومات وتقاطعها مع بعضها البعض.
وصلت الى حقيقة جميلة لم أتوقعها في أجمل أحلامي الوردية، مفادها، شعبنا ونساؤنا وعائلاتنا أكثر وعيا وادراكا مما يظنه المستعلون الوقحون وحتى أكثر مما ظننت أنا نفسي قبل عشر سنوات خلت.
(جملة اعتراضية) نجح المستعلون بزرع بعض من بذورهم الخبيثة في بعض الصدور وبتأليب الناس على بعضهم البعض لكن جوهر شعبنا بقي صامدا قويا... تذكرت مقولة لعدة رجالات شاباك قالوها لي: الشعب الفلسطيني شعب صبور وذكي وواعٍ لكن ...." يكملون الجملة بخباثة لإمعان الفتنة في صدورنا أو في صدري بتلك الحالة.
عندها كان همي آخر وهو الرؤية والتعرف عن كثب بمن وقفوا وقفة أبطال من ورائها والى جانبها، لم يكن الأمر سهلا فأولئك قد اكتوين بالنار، استعارة أو حرفيا، من كل من يحاول التقرب منهن للأسف من هم من مهنتي أو ما نسمى الداخل (تسمية تثير بي الاشمئزاز) كأننا قطعان شردت جزءا منها ونحن علقنا بداخل الحظيرة.
الصعوبة لم تقف حاجزا في طريقي أنا، وأعوذ بالله من كلمة أنا، من لا تهاب "المتطرفين من الصهيونيين" وارهابهم المعلن "لحرية التعبير والارادة" كي ينتهي بي الأمر الى أن أخاف من أناس صادقين، خوفهم مفهوم.
ذات يوم كنت جالسة بانتظار الأسيرة التالية، في سجن غير ذاك الذي وصفته آنفا وقبل لقائي بتلك الأميرة بعدة أشهر، كان الجو حارا وكنت مرهقة وأشعر بالملل لكن ضجة ممر السجن الصاخب بحركة السجانين والجنائيين ونقل الطعام والمعدات ومصعد يطلع ومصعد ينزل بمعدات وطعام وأنا جالسة بانتظار السجانة "مرافقة" الأسيرة، اذ بكل هذا الصخب يتوقف فجأة، ومن ثم أستمع لوقع أقدام وكلام سجان مع آخر، ذلك الآخر كنت قد عرفته في السابق سآتي على ذكره لاحقا، والآخر ينهي حديثه مع السجان ويومئ له بالمغادرة، دون تفكير قام ذلك السجان بالمغادرة الفورية وساد الهدوء من جديد، بأثر رجعي أعجب أن القلق لم يخالج قلبي ولا التوتر ربما هي العادة لتلك المساءلات والاستجوابات ناهيك عن التفتيشات المذلة التي خضعت لها في السابق في ظروف أشد تعقيدا ورهبة جعلتني لا مبالية، لكن برأيي وأيضا بأثر رجعي أنني كنت قد شممت القلق والرهبة منه هو، توجه لي بسؤال وأجبته عليه ومن بعده سؤال وأجبته ومن ثم قال الجملة "الجوهرة" والتي تنتهي بعبارة: آمنة منى لا يمكن الاعتماد على كلمتها بتاتا.  ابتسمت بوجهه وسألته عن حال الأسيرة التي ما زلت بانتظارها أجاب ما أجاب وذهب.
أما عن معرفتي السابقة به، كنت حينها أيضا في انتظار احضار الأسيرات، فما كان مني الا أن أراقب عمل محامية أخرى تسأل بعض الفتية من الأسرى، أسئلة لم أستوعب الطائل من ورائها وعلى ما يبدو أيضا هم مثلي، ولم أفهم أن المحامية لا تقوم بعرض اقتراحات كيفية الاستمرار بامكانيات حقوقية للمطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم، وأنا بزخم هذا السؤال اذ به يمر ويناديه الفتية ويسألونه عن مطالبهم التي قد سألوه عنها وهو بلغته (الاحتلالية) كما تلقب من قبل نشطاء معارضين يحاورهم مستفردا بكل واحد منهم وكل هذا من أمام "محاميتهم". ذهلت من المشهد الكاريكاتيري ذاك، أظن أنها كانت المرة الأولى في حياتي التي لم أعرف كيف أتصرف وشعرت بالعجز فاذا توجهت اليهم بالكلام فهم لا يعرفونني وأنا بنظرهم كما قال ذلك (الذي كان يدعوني للقهوة مرارا وتكرارا) أنا والآخر بنظرهم سواء وربما أنا أسوأ، وأنا لا أقوى على مخاطبة المحامية كي لا أقطع شعرة معاوية بيني وبين المحامين الآخرين وكي لا يشمت السجانون بي كما شمتوا أمامي بمحامين آخرين تنازعوا على تفاهات سخيفة حينها. وما الفائدة أصلا أن أقطع شعرة معاوية وهي لن تحرك ساكنا. شعرت فعلا بالعجز وكرهت شكلي ولباسي ووضعي وظرفي، أنا موجودة بالمكان "الصحيح" بالزمن "الصحيح" لكن بهيئة "قناع" لا يمكنني أن أزيله. وأنا بحاجة له.
نعود لقصة ذلك الآخر ونصيحته لي: أمنة منى لا يمكن الاعتماد (أو بترجمة أكثر حرفية: الاتكال) على كلمتها بتاتا. ربما قد تعجبوا أنني لم أصغ لتلك النصيحة "المجانية" الكريمة فكان الاهتمام واضحا لمَ ذلك؟!
كنت أيضا جالسة بانتظار أسيرة أخرى أو للتجديد معتقلة على ذمة "التحقيق" أو قبيل بدء مهزلة المحكمية "محكمة"، فاذ بآخر غير الأول شكله مضحك بعض الشيء لكن خباثته أشد من ذاك الأول يسألني سؤالا بريئا براءة الذئب بثوب حمل، هل ستتحرر أمنة منى قريبا بالصفقة؟! كان حينها الاعتقاد السائد للمخابرات العبقرية الاسرائيلية أن المحامين يرسلون من أجل تقصِ من الداخل اذا ما هناك اتفاق سيبرم في موضوع التبادل، طبعا على حد علمي ومعرفتي بباقي المحامين ومن يرسلونهم أن الأمر عار عن الصحة تماما، لكن تعقيدات مخابراتهم لا يمكن مجاراتها، المهم فهمت ما يريده بهذا السؤال وكانت اجابتي واضحة أنني لا أعرفها بتاتا ولم أرها في حياتي ولا أعرف حتى شكلها. لكن سؤاله ذاك حفزني كي أبحث عن صورة لها في موقع على صفحات الانترنت وهي كانت الأولى والوحيدة قبل أن أراها وتدهشني مشيتها.
أدهشه ردي ولم يرق له، لذا بعده كثيرون وكثيرات حاولوا استدلال اذا ما عرفتها من قبل دون جدوى بالنسبة لهم.
لن يفهموا! لن يفهم من لم يجبل من ذويه ومن مقربيه على عشق الوطن والمناضلين والمناضلات في سبيله لن يستوعب، كما أن "قناعي" خداع.

 

(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

خربة الجعتون ومصيرها

featured

يجب فتح دفاتر ووثائق نكبة الشعب الفلسطيني عام 1947/1948م

featured

الملاحقة السياسية ضد النائب بركة

featured

المعركة ليست عسكريّة فحسب

featured

في عمق عمقها حمراء بلون الدم في عروقها

featured

في مِحراب التفاؤل

featured

الابنة السّادسة

featured

ماركس ... في مركز الحدث العالمي المعاصر