في خطوة غير مألوفة، لا يذكرها الكنيست في تاريخه، تقدمت وزارة الخارجية الإسرائيلية التي يسيطر عليها الوزير أفيغدور ليبرمان، بشكوى ضد النائب محمد بركة، رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، لكونه يزور دولا ويعقد لقاءات سياسية "من دون التنسيق مع وزارة الخارجية الإسرائيلية"!.
وجاءت هذه "الشكوى" بعد يوم واحد، من تقديم ما يسمى بـ "الطاقم القضائي من أجل أرض إسرائيل"، وهو حركة يمينية متطرفة بشكوى إلى لجنة السلوكيات في الكنيست ضد النائب بركة، لكونه سافر إلى بولندا هذا الشهر من دون إبلاغ الكنيست مسبقا، ومن يطلع على فحوى الشكويين، سيلمس مباشرة مدى التنسيق بين الوزارة والحركة اليمينية المذكورة.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد كشفت قبل بضعة اشهر، عن تقرير وصف بـ "السري" في وزارة الخارجية، أرسلته السفارة الإسرائيلية في العاصمة البلغارية صوفيا، ووصلت نسخة منه إلى الكنيست، و"يشكو" ذلك التقرير من أن النائب بركة عقد لقاءات سياسية في بلغاريا دون تنسيق مع الخارجية الإسرائيلية وسفارتها.
من الواضح أن لا النائب بركة، ولا أيا من نواب الجبهة الديمقراطية على مدى عشرات السنين، كان قد توجه أو سيتوجه إلى الخارجية الإسرائيلية بطلب "خدمات" و"تنسيق" لقاءات سياسية له في الخارج، ونتوقع إلى درجة التأكد، أن الطاقم المهني في الوزارة يعي تماما هذه الحقيقة، هذه القاعدة، التي من غير الممكن أن تتغير.
ولكن وزارة الخارجية، وبعد أن جعلها أفيغدور ليبرمان مقرا لحزبه العنصري، حوّلت نفسها إلى ذراع استفزازي سياسي خطير ضد النائب بركة، وضد كل من يرفض الأجواء السياسية السائدة في سدة الحكم، وبشكل خاص الحكومة الحالية.
ولكن في الأساس فإن تحركات وزارة الخارجية هي ملاحقة سياسية خطيرة من الدرجة الأولى، تنضم إلى سلسلة الإجراءات المتسارعة في المؤسسة الحاكمة نحو الفاشية المطلقة، وهذا يتضح من تكثيف سن القوانين العنصرية ذات المضامين الأشد خطورة، والقوانين التي تسعى إلى كسر ما تبقى من أدوات الديمقراطية، والجهاز القضائي، وضرب وسائل الإعلام، وقبل هذا وخلاله وبعده، استمرار الملاحقات السياسية.
إننا من هنا، ندعو الأوساط التقدمية الحقيقية في الشارع الإسرائيلي بأن لا تكتفي بالإعراب عن رفضها للقوانين المناهضة للديمقراطية، بل أن تقول كلمة واضحة ضد القوانين العنصرية التي تستهدف العرب لكونهم عربا، وضد الملاحقات السياسية لأن هذا أولا وقبل كل شيء واجب أخلاقي إنساني، وثانيا، لأن على هذه القوى أن تتعلم الدرس أيضا مما يجري في هذه الأيام، بأن ما يبدأ ضد العرب لن ينتهي عندهم.
