الطّبقة الوسطى إلى أين؟

single

*الطبقة الوسطى يا أُسطى/ شو بعدك  ناطر/ ما تقوم تشهِّل يا أُسطى/ نوخد بالخاطر*


في أعظم الدّول الرّأسماليّة وأكبرها وعلى أنغام وكلمات أغنية "الطّبقة الوسطى" الّتي تغنّيها أميمة الخليل وهي من كلمات عبيدو باشا أكتب مقالتي هذه، وليس صدفة أن أربط بين الأغنية وكلماتها وبين أكبر الدّول الرّأسماليّة، الولايات المتّحدة. فما تراه هنا في القارّة الأمريكيّة الشّماليّة والولايات المتّحدة بالذّات يبرز دون أدنى شك تدهور وضع الطّبقة الوسطى وتحوّل أعداد كبيرة منها إلى طبقة عاملة مستضعَفة وذلك في أشرس تنافس بين الشّركات الاحتكاريّة الكبيرة ومكاتب المحاماة والحسابات الضّخمة وبين الطّبقة الوسطى من أصحاب المصالح الصّغيرة والمتوسّطة والمهن الحرّة.
أمّا في مجال الطّب فمن لا يخصّص جزءًا ملموسًا للتأمين الصّحي وهم الأكثريّة السّاحقة، يُحرَم من العلاج وهذا يؤدّي إلى موت مئات الآلاف نتيجة لهذا الوضع.
نعم صدق عبيدو باشا وصدقت أميمة الخليل فالطّبقة الوسطى في العالم الرّأسمالي كلّه آخذة بالموت البطيء، وما على المجتمع الإنساني إلا "الأخذ بالخاطر" على روح هذه الطّبقة الّتي كانت سبّاقة في إحداث التّغييرات الاجتماعيّة والسّياسيّة، صحيح أنّها في كلّ مرّة كانت تنتصر  استثمرت نتيجة تحرّكها لصالحها كطبقة كما حدث في الثّورة الفرنسيّة مثلًا حين كان الشّرط في الجمهوريّة الفرنسيّة بعد الثّورة مباشرة 1789 أن يدفع المواطن مبلغًا معيّنًا من الضّرائب كي يحقّ له الانتخاب والتّرشّح. لكنّ المجتمع أكمل مشواره متخطّيًا هذه المرحلة ووصل إلى المساواة التّامة في حقّ الانتخاب  والتّرشّح  وذلك في فترة اليعاقبة وفي فترة روبسبيير بالذّات. 
الطّبقة الوسطى كانت مع بداية الثّورة الصّناعيّة مهْد الصّراع بين الرّأسماليّة والعمّال ونتج عن هذه الصّراع فكر تقدّمي اشتراكي وضع أمام العالم خيارًا رائعًا ووصل هذا الفكر إلى الحكم في عدد كبير من دول العالم.صحيح أنّ التّجربة فشلت في عدد من هذه الدّول نتيجة أخطاء لا يمكن تجاهلها ولا إنكارها، ولكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن يكون النّظام الرّأسمالي هو البديل الإنساني الّذي يعطي المساواة الحقيقيّة للمواطنين ولا أقصد المساواة في الانتخاب والتّرشّح إنّما المساواة الاقتصاديّة، تكافؤ الفرص ومنع هيمنة الاحتكار على السّوق الاقتصادي. ففي الولايات المتحدة يحقّ لأكثر من عشرة ملايين أو أكثر ممّن يسكنون في صناديق ولا يملكون بيتًا ولو بسيطًا يؤويهم، يحقّ لهم الانتخاب فهل هذا الحقّ يغني عن بيت أو سقف يأوون إليه.
أمّا في بلادنا فأقتبس مقطعًا من مقال لي في 6.5.12 في صحيفة الاتّحاد الغرّاء تحت عنوان: "من أزال البسمة عن شفاه النّاس":
في دولة "الرّخاء" يتظاهر المعاقون والنّساء المضروبات.. أقساط التّعليم العالي تزداد وتدريجيًّا تصبح الدّراسة الجامعيّة حِكرًا على الأغنياء. سن التّقاعد يزداد وشروطه تصبح أقسى وأصعب، المصانع وورشات العمل تغلق أبوابها وترمي بعمّالها في سوق البطالة، وتدريجيًّا ينضم الآلاف ممّن كانوا حتّى الأمس من الطّبقة الوسطى إلى الطّبقة الفقيرة المستضعَفة الّتي تزداد أعدادها  ويزداد التّقاطب الطّبقي وينحصر رأس المال في نسبة مئويّة من السّكان لا تتعدّى أصابع اليد الواحدة..
(بوسطن)

قد يهمّكم أيضا..
featured

للخروج من المربع الأمريكي

featured

الخلافات على الخلافة

featured

سنبقى على العهد يا أبا نرجس

featured

أردوغان الى المجهول

featured

هَوَسُ قابيل العربي

featured

يوم انتهك حقنا في الاختلاف

featured

"الزاوية الأولى"

featured

تمثيلية نتنياهو