*بعث الاسير السياسي محمد خلف من قرية جت المثلث للنائب د. عفو إغبارية، رسالة من سجن الجلبوع، حيث يقضي الحكم بالسجن 12 عاما، أمضى منهما حتى الآن سبع سنوات، ويطلب خلف نشر رسالته في "الاتحاد"، هذا نصّها*
صديقي الغالي عضو الكنيست عفو إغبارية: تحية ومحبة وشوق وتقدير أطيِّرها لك من بين أسوار السجن البغيضة لكي تصل إليك مخترقة كل الحواجز الاسمنتية والأسلاك الشائكة العدوانية لكي تنقل لك ولكل محبّيك من أفراد أسرتك كل الشوق.. الشوق الحارق والمحبة الصادقة، فمهما حاصرتني الأسوار جسديا فإنها عاجزة أن تحاصرني فكريا ووجدانيا.. سيبقى فكري محلقا في فضاء الحرية لكي أُعطِّر به كل الشرفاء أمثالكم.. وسيبقى وجداني مشتعلا بحب الوطن ورجاله ونسائه الصابرين الصامدين أمام آلة القتل والعدوان، متسلّحين دائما بالعقيدة والإيمان بحقّنا في هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه، وسنبقى فيه أبى من أبى ورضي من رضي، فليبلعوا مياه المحيطات، سنبقى شوكة في حلوقهم دائما مثلما قالها الشاعر والمناضل توفيق زياد أبو الأمين في قصيدته "باقون"، ففي هذا السياق أرفع لك تحياتي وأيضا لجميع الرفاق الذين زاروا بيتنا خلال أيام العيد، أشد على أياديكم لهذه اللفتة الوطنية والانسانية التضامنية مع أسرتي الصامدة والصابرة في وجه ظلم "الشاباك" وظلم الأهل من الذين يجاوروننا والذين يحاولون عن طريق المحاكم طرد أسرتي من بيتنا الساكنين فيه منذ عام 1980. لهذه الزيارة معنى خاص عندي وعند أسرتي التي عبّرت عن غبطتها أثناء زيارتها لي في السجن، فنحن جميعا نُثمِّن مثل هذه الخطوة وخصوصا في أيام مميزة مثل أيام العيد، حيث تفتقد الزوجة زوجها وتشعر بغيابه أكثر من أي يوم، وينسحب هذا على الأولاد أيضا.
عزيزي عفو: لا بد وأنك تعرف جيدا بأنني أبعث الكثير من المقالات والخواطر والقصائد إلى جريدة "الاتحاد" والتي كانت من الصحف الأولى التي قرأتها في شبابي، وعندما كنت قاصرا في المدرسة الابتدائية قمتُ بتوزيعها في جت مع بعض الرفاق من الطيبة وباقة... فأنا متواصل مع صحيفتي "الاتحاد" عن طريق الرفيق صالح ابو العبد، والذي قال لي، إن صفحات "الاتحاد" مفتوحة لقلمك وستنشر كل ما تكتب، وهذا ما أشار له أيضا العاملون في الصحيفة، إن هذا الموقف أثلج صدري فأنا بدوري أبلغهم تحياتي، كما أعايد عليك وعلى أفراد أسرتك وكل الرفاق والرفيقات بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وأعتذر على تأخر المعايدة لظروف خارجة عن إرادتي.
هذه الخاطرة التي سأكتبها، آمل أن ترسلها لرفاقي في "الاتحاد" لنشرها، وعنوانها هو:
*من داخل قبر الاحياء.. أكتب...*
أكتب للحرية... للانسانية بكلمات من نور ونار، بكلمات من تفاؤل وألم، أكتب للأُم التي تسهر على اولادها في ظل الغياب القسري لزوجها او لاحد ابنائها المتواجدين بين انياب الأسر. أكتب... عن الأُم والزوجة وكل الاحبة الذين ينتظرون الساعات الطوال يرتجفون من البرد أو يحترقون من لهيب الشمس أمام بوابات السجون البغيضة، على أمل مشاهدة ذويهم وأحبائهم من وراء حاجز الزجاج اثناء الزيارة دون أن يتمكنوا حتى من ملامستهم وشم عطر أنفاسهم... هؤلاء الأحبة الذين زج بهم المحتل خلف القضبان سنين طويلة. أكتب عن أسرى الحرية بايجابياتهم وسلبياتهم، عن لحظات فرحهم وألمهم وحزنهم الذي يغلف ويظلل حياتهم وظروفهم الصعبة، أكتب... عن حرمانهم من أبسط حقوقهم داخل هذه المقابر والعلب الإسمنتية. أكتب عن الطيور التي كانت تزورنا صباحا ومساء على مدار الساعة، ناقلة لنا رائحة الطبيعة وذكريات طفولتنا الجميلة والناعمة عندما كنا نطاردها وننقض على أعشاشها، هذه الرائحة، من رائحة الطبيعة وجمالها الخلاب، المحرومون من التمتع بها داخل قبور الاحياء. هذه الطيور التي تنعش ذاكرتنا وأرواحنا وتشعرنا بأننا أحياء من خلال زقزقاتها الموسيقية الناعمة والتي حرمتنا إدارة السجن من التغازل معها كل يوم وإطعامها من طعامنا المتوافر لدينا. أكتب للحرية... من هذا الحرمان الآخر من جملة قائمة طويلة من الحرمانات التي تسيج حياتنا داخل هذه الأسوار. أكتب... عن انعدام الضمير والوحشية والاستهتار لكل معاني الحرية والقيم الانسانية عند بعض البشر، أكتب... عن الصمود وعن مقاومة الظلم وعن الغد المشرق رغم الأجواء المشحونة بالحروب والمغرورقة بالدماء، أكتب... عن الفلاح الذي يشق باطن الارض بمحراثه لكي يستل رغيف الخبز من اجل اطعام صغاره.
أكتب... بتفاؤل وقلق عن الصغار، خوفا من آلة الحرب الفتاكة والتي أصبحت لغة التفاهم بين بني الإنسان، أكتب... عن الجوعى والفقراء من الذين يبحثون في حاويات القمامة لكي يسدوا رمق جوعهم القاتل، أكتب... عن العامل الذي ينهض قبل بزوغ الفجر ويعمل حتى غروب الشمس بل أكثر، يكدح ليل نهار وسوط الاستغلال ينهش جسده وروحه كل يوم وكل ساعة، أكتب... عن الرأسماليين مصاصي دماء الكادحين، هؤلاء الفجعين بانيابهم الضارية والتي تفترس أجساد العمال والفقراء دون رحمة ولا وازع من ضمير. أكتب... ضد الاحتلال والعنصرية وضد البارود الذي يحصد الآلاف كل يوم من البشرية في هذا الكون الخلاب والجميل. أكتب... من مكان خانق وضيق جدا يكاد يقبض على الروح، حيث كل ما فيه وما يحيطه يدعو الى الاكتئاب والذي لا نرى من خلاله الا انفسنا والسجانين والأبواب الموصدة بإحكام، غير تلك الأسوار الإسمنتية السميكة العالية والأسلاك الشائكة العدوانية، لا نسمع إلا أصوات صفارات الإنذار والأصوات المزعجة، لا نلمس الا هجمة التفتيشات الاستفزازية ونبش أغراضنا بمنتهى الدقة كل يوم وايضا الفحوصات اليومية.
من قلب هذه العتمة وهذا المكان الحالك اكتب، أكتب... لأنني أؤمن بأن ما بعد الليل، حتما ستنبلج أسارير الفجر وبأن من خلال كتاباتي وكلماتي هذه أحوِّل المكان الضيق والخانق الذي أعيش فيه الى مكان رحب وواسع بوسع الكرة الارضية، لأنني ومن خلال ما أكتب، أحلق دائما كالنسور مخترقا كل هذه الحواجز الجسدية والنفسية لأنثر من عطر كلماتي فوق سماء أحبتي وأفراد أسرتي وفوق سماء كل البائسين على هذه الارض على اختلاف بلداتهم وقومياتهم وطوائفهم، أحلِّق من خلال كلماتي متحررا من القيود وعسفها وعسف الحراس واستفزازاتهم اليومية. فما أجمل وأروع من أن يحمل أسير الحرية قلمه ويفرد أوراقه وأن يكتب لأنه مثلما قال الشيوعي والقائد الثوري لينين "أحيانا تكون الكلمة أقوى من الرصاصة"، حقا هناك كلام أقوى من الرصاص.. ولكن لم يقصد لينين أي كلام... إنه قصد فقط الكلام الذي ينبع ويجسّد الواقع الانساني، الكلام النابع من القلب والفكر النيِّر والعقل المتحرر من قيود الرجعية.
أحاول دائما أن ارسم الابتسامة على وجه كل انسان يهاجمه الحزن والبؤس وتهاجمه انياب الوحوش الضارية، وكل أمنيتي بل بالاحرى يحدوني الامل دائما أن يكون بامكاني من خلال ما أكتب أن أزرع ولو وردة في بستان الحياة الجميلة برغم ما يحيطها ويحيطني ويحيط الملايين من البشرية من حقول من الاشواك الجارحة، فلا أقبل أبدا أن أحوِّل مأساتي ومعاناتي كأسير حرية إلى كراهية، وليس إلى حقد ضد أي احد، أطمح دائما أن احوِّلها إلى شموع ومشاعل تنير لنا درب الامل والتفاؤل.. إلى غد أفضل. كلّي أمل أن اوفَّق بمسعاي هذا، متسلحا بالإرادة والصبر والتصميم على مواصلة المشوار حتى لا نترك الساحة للضباع فقط، ولكي لا نترك هذه الاجيال الحالية والقادمة فريسة لليأس والبؤس والتشاؤم ولكي لا نتركها خلفنا بعد أن ينهي كل منا رحلته مع الحياة.
*مأثورة: كلما حاصرتني الأسوار والقيود أكثر اشتد لهيب قلمي وازداد اشتعالا لكي أنير من خلاله وخلال ما أكتبه درب الحرية الشائكة الطويل.
(الكاتب هو أسير سياسي – أسير الحرية - سجن الجلبوع)
