في العام 1996، ظفرتُ بلقاء مع الشيخ أحمد ياسين بناء على طلبي وبعد تمنع منه. في هذا اللقاء الذي لم يتكرر، وجهتُ لزعيم "حماس" ثلاثة أسئلة: لماذا انشغل الإخوان المسلمون الفلسطينيون لسنوات كثيرة في مسائل الوعظ والدعوة ومناوءة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ولم ينتقلوا إلى العمل ضد الاحتلال الإسرائيلي إلا في وقت متأخر؟ وما هو المبرر الشرعي لقيام "حماس" بما سميتُّه أنا القتل بلا تمييز واستهداف الإسرائيليين غير المحاربين، مع أن الاسلام وضع قواعد سافرة الدلالة تحظر استهدافهم؟ وما الذي يُبْقي "حماس" خارج م.ت.ف.
جدلي مع الشيخ وهو يجيب على الأسئلة أفقد الرجل ذا المكانة المعتبرة سيطرته على ردّ فعله، وحمله على التصرف في نحو يمكن احتسابه طرداً لي، أنا الذي كنتُ أزوره في منزله.
قد أعرض ذات يوم وقائع جدلي مع مؤسس "حماس" وزعيمها حول المسائل المتصلة بالسؤالين الأول والثاني. أما الآن، وهنا، فسأستحضر الجدل الذي أججه السؤال الثالث. فتأخُّر الإخوان المسلمين في العمل ضد الاحتلال لم يعد له حضور راهن ما دام أن "حماس" قد انهمكت في المواجهة مع الاحتلال منذ ما بلغ الآن ربع قرن. واستهدافُ غير المحاربين، أو القتل بلا تمييز، كفّتْ "حماس" عن ممارسة ما أعدّه أنا أبشع أشكاله، أي العمليات التفجيرية التي يصفها المفتونون بها بأنها استشهادية، وذلك منذ سنين. وقد قبلتْ "حماس" مؤخراً أن توقف أي عمليات ضد إسرائيل منذ توافقت مع الدولة المحتلة على ما حمل تسمية التهدئة، ساعدها في ذلك إخوانُها المصريّون.
أما ما له صلة بوقتنا الراهن فهو المسائل المتصلة بموقف "حماس" من الانضمام إلى م.ت.ف. أيّ المسائل التي أججها سؤالي الثالث للشيخ الذي اعتدتْ إسرائيل على حياته بأبشع طريقة يمكن تصورها. وفي إجابته على هذا السؤال، أنحى الشيخ باللائمة، كما حلا له هو أن يقول، على م.ت.ف، خصوصاً "فتح"، بدعوى أنها رفضت أن تخصص للفصيل الإسلامي ما يتصور هو أنه يستحقه من مقاعد هيئات م.ت.ف، خصوصاً مجلسها الوطني ولجنتها التنفيذية. ويبدو أن الشيخ الذي أشك في أنه سمع اسمي قبل أن أطلب اللقاء به لم يضع في حسابه أني أعرف تفاصيل الوقائع المتصلة بمحاولات اجتذاب "حماس" إلى م.ت.ف. والشروط التعجيزية التي وضعها هذا الفصيل وسماها مطاليب.
صار عليّ، إذاً، أن أجتذب انتباه الشيخ الممعن في لوم الآخرين دون حق إلى أني واحد من أهل البيت الفلسطيني. فذكرتُ الشروط التي وضعتها الحركة الإسلامية وكيف طالبت في حينه بأن تكون لها في هيئات م.ت.ف. حصة تفوق الحصة التي احتازت عليها "فتح" ذاتها، وكيف فُهم هذا السلوك بما هو سلوك تعجيزي هدفُه إيجاد المبرر لرفض الانضمام إلى المنظمة التي تضمّ الفصائل الفلسطينية، الوطنية، والقومية العربية، والماركسية جميعها.
عرضتُ فهمي أنا لهذا السلوك التعجيزي، وأمعنتُ في تفنيد ما نسبه الشيخ إلى فصيلة من نوايا طيّبة ليقول إن "فتح" أحبطتها. وقلتُ للشيخ إن م.ت.ف. هي، في جانب من جوانب حضورها، شكلٌ من أشكال التحالف بين أطراف يجمعها ما هو مشترك. ووصفتُ الإخوان المسلمين بأنهم لم يقيموا في تاريخهم كلِّه تحالفاً ثابتاً مع سواهم. وقلتُ إن هذا يشكل سمة من سمات سلوك الإخوان في فلسطين كما في كل بلد وجدوا فيه.
قولي الذي صغته في عبارات محكمة أسخط الشيخ، فاندفع الرجل ذو المكانة إلى تكذيبي دون تروِّ، وصرخ في وجهي بأني أنسب للإخوان ما ليس فيهم، وقال، بنيّة أن يثبت أني أتجنى على الإخوان، إن "حماس" قد تحالفت مع فصيل من فصائل م.ت.ف. سماه باسمه في ما وصفه هو بأنه معركة انتخاب مجلس طلبة جامعة النجاح في نابلس وخاضت المعركة في قائمة واحدة مع هذا الفصيل. وباتكاء الشيخ على هذا المثال، صار على أن أوضح ما أراه أنا ولا يراه هو، على ما بدا لي، من فارق بين التحالف الثابت وبين ممارسة نشاط مشترك.
استحضِرُ هذه الواقعة وقد تجدد الجدل الآن حول المسألة ذاتها. ومما لا شك فيه أن ظروفاً كثيرة قد تبدلت منذ 1996. لكن سلوك "حماس" والإخوان المسلمين بشأن التحالف الثابت مع أيّ آخرين لم يتبدل، ولم يفقد هذا السلوك السمة التي لازمته منذ البداية.
الحاجة إلى إنهاء الانقسام تضغط على "حماس" كما على "فتح" لتحقيق المصالحة. والموقف الآن هو هذا: قلّصت "فتح" آمالها في المصالحة، من نشدان إعادة اللحمة، إلى ما يشبه التهدئة التي تُمكّن من إدارة حالة الانقسام بأقل أضرار ممكنة. أما "حماس" فإنها تُظهر تجاوباً لا يرتقي إلى درجة القبول الفعلي، دون أن تكفّ عن المراوغة.
في ظل هذا الوضع، تُعلَن تفاهمات وتُعقَد اتفاقات ثم لا تجد طريقها إلى التطبيق، لأن "حماس" تواصل التهرب من التطبيق وتقترح تجاوز ما اتُفق عليه وصياغة تفاهمات أو اتفاقات جديدة. آخر ما حرّر في هذا المجال هو دعوة "حماس" إلى البدء بتنظيم شكل مساهمتها هي في م.ت.ف. أي شكل استحواذها هي على الحصة الأكبر في المنظمة الأم، وذلك بدل البدء بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وإجراء الانتخابات كما اتُّفق عليه من قبل.
يقيناً إن انضمام "حماس" إلى م.ت.ف. لو تحقق يُشكّل مكسباً للجميع. لكن لماذا يطرح الفصيل الإسلامي هذا المطلب وسيلةً لإلغاء تشكيل الحكومة المشتركة وإجراء الانتخابات؟ لماذا التهرّب مما تم الاتفاق عليه، مما لا يُمكن القيام بأي خطوة حقيقية لإتمام المصالحة بدون تحققه؟ لماذا لا تكون الانتخابات وتشكيل الحكومة هما الطريق إلى تنظيم مساهمة "حماس" في م.ت.ف؟
أسأل قادة "حماس" كما سألتُ قائدهم الشيخ أحمد ياسين، وأتمنى أن يتمعنوا في السؤال، بدل أن يَسْخطوا عليّ كما سخط القائد الراحل.
