هل لا يزال العمال والعاملات بحاجة الى يوم لهم؟
ليسوا بحاجة الى يوم فقط، بل إلى سنة، إلى العمر بأكمله. فعلى من سيتـّكلون في خاتمة المطاف؟ أعلى السياسيين المخصخِصين والمخصخَصين، أم على شركات تتورّم أرباح أصحابها بما يفوق القارّات، في كل لحظة استغلال؟ أعلى الكلام المعسول والوعود البلاستيكية الملوّنة، أم على البرجوازيات فصيحة النّطق عقيمة الفعل؟
لقد تفنّن المنظرون ولا يزالون، بغية إعادة هيكلة انتماء البشر. فخرج بينهم من يمجّد أسلافه دون استفادة من تاريخهم وحكمتهم المتراكمة، بينما راح بعضٌ آخر يبحث عن طهارة عرقية له في الأراشيف، وعن ظلال لها في الحاضر. كثيرون استفادوا من صناعة تضييق تعريف الإنسان وحشره في مربعات من عرق أو لون أو قبيلة. بعضهم أصابه من ذلك ثراءٌ عظيم، ومنهم من حظي بثمار "عصر الفرجة" المؤلفة من مال وبريق ومجد عابر. لكن ظلّ السّواد الأعظم هو من يدفع الثمن الأكبر. لأن هناك من جعل من مآسيه وتكريسها ومفاقمتها بل إعادة إنتاجها أسهمًا للتّضارب في بورصات النيون والعملات الصعبة الوضيعة.
عمومًا، سيبدو العالم شديد الضيق حدّ الاختناق، لو نظرنا اليه من مبعدةِ أنفٍ فقط. العالم الواسع الرحب المتعدّد المتنوّع القديم المتغيّر دومًا، سيغدو ممرّا قاتمًا حين نحشره بين ضفاف الأنانية. سواء أكانت أنانية لـ الأنا، أو القومية، أو الدين، أو العرق، أو كل شبيهات تلك الدوائر التي عادة ما يتم توارثها بكسل، دون تحكيم لإرادة أو اعتماد لخيار. أعرف وأفخر وأعرّف نفسي بكل دوائر تلك الانتماءات، ولكن بشرط أن تكون ثورية المضمون: خطوة نصنعها بها ومن خلالها نحو تكاملنا الإنساني الحُرّ. لكني أمقتها، أمقت القومية والدين وكل الانتماءات، حين تُمسخ جُحرًا مظلمًا باردًا لممارسة التعصّب؛ ووكرًا يتلاعب فيه أصحاب السطوة ومواهب الاستغلال ويعزفون منه على مشاعر الناس المكشوفة كي يجعلوهم سلمًا يدوسونه ليرتقوا في ثرائهم الماديّ أو غيره.
شعرة رفيعة فقط تفصل أحيانًا بين من استغلوا ويستغلّون الشعوب بقهرها وطمسها ونهب حقوقها، وبين من يستغلونها بتسميمها بأوهام وأمجاد من رماد، وقطعها عن أسرة الشعوب عبر تأليب هذه على تلك، وتحويلها جميعًا مطايا لهوس الهيمنة والتسلّط. أما كبار الوطنيين فهم الذين عرف كلّ منهم كيف يربط مصير شعبه بمصائر شعوب العالم قاطبة. فمصالح الشعوب، رغم تعقيدات السياسة، "بسيطة"، "أولية"، و "مفهومة ضمنًا".. مصالح الشعوب وليس مصالح المتاجرين باسمها!.. عاش العمّال وأنصارهم وحركاتهم وأحزابهم ويومهم الخالد. فالعمّال هم الشّعوب.
(هذا نص منقّح لمقالة سبق نشرها)
