انا لست مدمنة على التشاؤم، لكن حين أتأمل الواقع العربي المنقوع بالدم وجثث القتلى والتفجيرات، والخوف والرعب، والحصار والجوع والفقر والهروب واللجوء المزنر بالذل والتوسل والمطاردة، أشعر بالذنب اذا فرحنا، لأننا لم نعد نتقن مهنة الفرح، فقط نتقن صنع فخاخ الموت، ولم تعد هناك بقعة في الأرض العربية آمنة نقف عليها ونعلن أننا اكتشفنا نظرية الحياة والتقدم الى المستقبل، بل يومًا بعد يوم نكتشف أن أعمارنا مرهونة للشقاء البائس وان الغد ليس لنا، وأن المستقبل يعيش في كوكب آخر ولن يقوم بزيارتنا .
ويبقى السؤال لماذا كُتب على شعوبنا العربية البقاء في حالة الضعف والفقر والامية والاقتتال والانقسام و و؟ حتى اصبحنا ماركات مسجلة للفشل والتبعثر والانجرار والاستسلام للدول الغربية، التي نحن في نظرها مجرد كرات قدم يسددون بواسطتها أهدافهم ، ومهما تكلم رجال السياسة والفكر عن نظرياتهم في حال الشعوب العربية وهزوا الكلمات في حضورهم المشع في الفضائيات، يستطيع أصغر مواطن عربي يعيش تحت القصف أو واقفًا في الطابور ينتظر الحصول على رغيف أو يخطط للهرب من بلده عبر البحر موتًا، أن يفقأ عيونهم ويقول لهم أنتم مهرجو الملوك والامراء والزعماء والقادة، أنتم عصابات في بدلات رسمية، لكن في داخلكم حفلات تنكرية للواقع، لا تعرفون شيئًا، تقبضون ثمن مواقفكم وثرثرتكم اللفظية.
العيد لحظات سحرية، جميلة، حيث يمر الفرح العابر، نرفع له العلم الأبيض ونكتب نص الهدنة بيننا وبين الحزن، ونقسم أننا سنفرح، ونروض الحزن الجامح، ونقدمه على شكل اعراس لقاء مع الأحباب والأطفال ونحتضن الأقارب والجيران، وننسى الخلافات، فاليوم عيد.
لكن من يستطيع سلخ جلده وينسى خارطة الوطن العربي المبلولة بالدموع، مكفنة بوجوه الشباب والشيوخ والأطفال والنساء، من ينسى ارقام القتلى، وملامح الخوف وصراخ الأمهات والآباء، والجنازات وهي تتمدد في شوارع الدول العربية.
من ينسى أننا اصبحنا نقيم في فصل الذبح والموت المفخخ، والتفجيرات ترسم لنا صورة الفصول الحقيقية التي نعيشها، فقد خرجنا من براءة فصول السنة الطبيعية، نكذب إذا قلنا أننا نعيش في فصل الصيف بل نحن نحيا الآن في فصل السيف.
من ينسى وجوه الذين يفجرون انفسهم التي تُنشر بعد تفجيرهم وهم بكامل فرحهم، وكل واحد منهم يحمل في جعبته اسمًا يلتحق بلقب " أبو" حتى كرهنا الآباء والأبناء، ونتساءل كيف يكون شعورهم وهم على حافة الموت تبعثرًا، تقطعًا، ذوبانًا، ما هي الأفكار التي تصل الى عمق قناعاتهم حتى يفجروا نفسهم؟
آه لو كنا بوسعنا الفرح بالعيد..! لو كان بوسعنا اغتيال الحزن..! لكننا مصابون بالسكتة الفرحية. مصابون بشلل في غدد السعادة.
في أيام العيد أحاول الفرح والعب لعبة التفاؤل إكرامًا للمناسبة ، لكن سرعان ما تقف العراق واليمن وسوريا وليبيا ومصر وفلسطين أمامي فأصاب بالهلع، من يعش في طقس الدم لا يحق له الفرح، حتى يتخلص من الذين وضعوا الشعوب العربية داخل مملحة على طاولة الغذاء العالمي، حيث يرشون دمنا على طعامهم حتى تفتح شهيتهم لتدميرنا.
هذه السيرة الذاتية ليوم عيد يحاول الفرح، واذا قررنا الفرح ليكن فرحنا خافتًا، لأن عدد المقابر أكثر من عدد الحدائق والملاهي في وطننا العربي.
أنا بالنسبة لي سأغلق الباب بوجه العيد، سأجلس الى جانب جدنا المتنبي الذي ردد قبل مئات السنين (عيد بأية حال عدت يا عيد).