المذكرة الدولية ضد البشير سابقة في المحكمة الجنائية الدولية

single

*تمهيد*

أصدرت الهيئة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في  الرابع من آذار 2009 مذكرة دولية باعتقال الرئيس السوداني عمر أحمد البشير، استجابة لطلب الادعاء العام للمحكمة من يوم 14 تموز 2008، وذلك بادعاء ارتكابه لعدة جرائم دولية تقع ضمن صلاحية المحكمة الدولية .
وشملت لائحة الاتهام جرائم ضد الإنسانية بموجب المادة (7) لنظام روما الأساس، وكذلك جرائم حرب بموجب المادة (8) لنفس النظام، ارتكبت ضد عدد كبير من السكان المدنيين في إقليم دارفور غربي السودان، بما في ذلك القيام بتصفية مدنيين والتهجير القسري والتعذيب والقتل والاغتصاب والإبادة، حسب ما تدعيه اللائحة.
وقد صرح قضاة المحكمة الجنائية الدولية الثلاثة ان المحكمة لم تجد أدلة كافية، على الأقل في الوقت الحاضر، تكفي لاتهام الرئيس السوداني بتهمة الإبادة الجماعية وفقا للمادة (6) لنظام روما الأساس.
ومن الجدير ذكره في هذا السياق، أن المحكمة الجنائية الدولية، ولأول مرة منذ سريان نظام روما الأساس في الأول من يوليو/ تموز 2002، تصدر أمرا بالقبض على رئيس دولة ما زال يزاول مهامه كرئيس دولة، وذلك على الرغم من ادعاءات عدم صلاحية المحكمة المذكورة بمقاضاة رئيس دولة ما زال في السلطة، وما زال يتمتع بالحصانة الممنوحة لكل رئيس دولة. وقد رفضت المحكمة هذه الادعاءات بشكل قاطع استنادا على نظام روما الأساس.
بموجب قرار الهيئة التمهيدية الأولى للمحكمة بهذا الشأن، فإن منصب عمر البشير كرئيس دولة لا يعفيه من المسؤولية الجنائية الفردية، ولا يحميه من طائلة القانون الذي يحاكم بموجبه خارقو القوانين الدولية ومرتكبو الجرائم التي لها تبعية دولية، ومن ضمن صلاحيات ألمحكمة الجنائية الدولية .
جاء إصدار أمر إلقاء القبض على الرئيس السوداني خاتمة لسلسلة من أوامر مشابهة، حيث أن الهيئة التمهيدية المذكورة كانت قد أصدرت أمرين مشابهين في 12 أيار/ مايو 2007 بإلقاء القبض على وزير الشؤون الإنسانية أحمد هارون وعلى القائد المحلي لميليشيا الجنجويد علي كوشيب بتهمة ارتكابهما جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

 

*الجانب القضائي*

نظام روما الأساس يمنح المحكمة الجنائية الدولية صلاحية ملاحقة ومقاضاة كل من يرتكب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم الإبادة الجماعية، في حال امتنعت أية دولة من الدول التي انضمت إلى هذا النظام من القيام بالواجب الملقى على عاتقها، وفي حال لم تكن لهذه الدولة القدرة على القيام بهذا الواجب.
أما صلاحية المحكمة الجنائية الدولية في مقاضاة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم الأخرى ضمن صلاحية ألمحكمة في الدول التي لم تنضمّ الى نظام روما الأساس، نابعة من صلاحية مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة بتخويل هذه المحكمة الصلاحية.
ومن المعروف أن السودان ليست طرفا في نظام روما الأساس، وعليه وبما أنه لم يكن للمحكمة الدولية صلاحية مباشرة ضد أي من مواطني السودان، وأي شخص ارتكب جرائمه على ارض السودان، فإن مجلس الأمن استعمل صلاحيته بموجب المادة 13 (ب) من نظام روما بتحويل وضعية السودان لصلاحية المحكمة الجنائية بشكل مباشر، وذلك بعد أن وصل مجلس الأمن إلى قرار بأن الوضع في السودان أخذ يشكل خطرا على السلام والأمن الدوليين.
وما زالت حكومة السودان تؤكد بأنها ليست طرفا لنظام روما الأساس، وعلى هذا تفقد المحكمة الجنائية الدولية كل صلاحية، ان كان ذلك صلاحية تحقيق أو صلاحية مقاضاة بصدد أي مواطن سوداني أو اية جريمة دولية ارتكبت على أرض السودان، وعلى هذا الاساس فإن حكومة السودان لا ترى أية شرعية لهذا القرار.
وتجدر الاشارة الى أن المحكمة الدولية تفتقر الى السلطة التنفيذية، حيث أن لا جيش لها ولا شرطة لتنفيذ أوامرها وقراراتها القضائية، وهي تعتمد في ذلك بشكل عام على الدول الأعضاء الموقعة والمصدقة على نظام روما الأساس، وعلى ميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بصلاحية مجلس الأمن، بما في ذلك السودان نفسه، وكل ذلك بموجب قرار رقم 1593 الصادر عن مجلس الأمن في 31 آذار/ مارس 2005، وبموجب المادتين 25 و103 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنصّ على أن على السودان الانصياع لأوامر ولقرارات المحكمة الجنائية الدولية، حتى لو لم تكن عضوا في نظام روما الأساس، الذي أنشأ المحكمة الدولية والتي قررت بنفسها اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير.
في الوضع والظروف الحالية لم يبقَ أمام المحكمة الجنائية الدولية سوى السعي إلى تنفيذ قرارها بالقبض على الرئيس السوداني، وذلك من خلال إعلام دولة السودان رسميا بقرارها وطلب تنفيذه، ثم إبلاغ كل الدول التي وقعت وصدقت على نظام روما الأساس وعددها 108 دول، ومن ثم تبليغ كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي والطلب منها تنفيذ قرارها.
كما ذكرنا سابقا فانّ قرار المحكمة الدولية بالنسبة للرئيس السوداني يعتبر سابقة قضائية لم يسبق لها مثيل.
أثار قرار الهيئة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية مشاعر كثيرة في السودان خاصة، وفي العلم العربي عامة وسبب انقساما وشرخا جديين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وذلك فيما يتعلق بالمادة رقم 16 من نظام روما الأساس، والتي تمنح مجلس الأمن صلاحية تأجيل أو تجميد تنفيذ أمر الاعتقال لمدة عام مع إمكانية التجديد.
يشار هنا إلى أن مجلس الأمن نفسه هو الذي حّول وضعية السودان لصلاحية المحكمة الجنائية الدولية، ومن ثم فمن الصعب جدا تصوّر استعمال هذا المجلس لصلاحيته حسب المادة 16 من نظام روما الأساس، وتجميد تنفيذ قرار المحكمة الدولية باعتقال الرئيس السوداني، إلا في حالة تغيير في الظروف.

*طالب اللقب الثالث في القانون الدولي العام/ كلية الحقوق في الجامعة العبرية في القدس

قد يهمّكم أيضا..
featured

أهداف التنقلات المستمرة من قبل ادارات السجون

featured

تدخل أمريكي وقح

featured

سيبقى الرفيق عزيز زايد فخرا وذخرا لمسيرة الحزب والجبهة في أبوسنان

featured

بيان قمة الذلّ في الرياض!

featured

مني إلى كل نساء المعمورة..

featured

صورة التغابُن

featured

نهاية الصهيونية العدوانية

featured

ألهضبة سورية مش ناقصها هوية !