كثيرون في حياتنا اليومية ممن نتعامل معهم يترددون كثيرا وبدون انقطاع في قول الحق، قول الصحيح، الكلمة الحرّة، أبداء رأي في موضوع معين، يحسبون يضربون ويطرحون، يبلورون من عملياتهم هذه النتيجة، والخوف يلازمهم في مجرى هذا التفكير وهذه المقايسات والاعتبارات، وأخيرا يثبتون على رأي في ظل الخوف وحساب ألف حساب، والتردد يطغى عليهم ويبقون على حالهم خائفين ولا يقولون ما يودون أن يتفوهوا به.
هذا بدون ريب أو وجل ناتج عن عدم الثقة بالنفس، عدم الثقة بالنفس في هذه الظروف ناتج عن الضعف في الشخصية، وقد يكون ناتجًا أيضا عن الإرادة الضعيفة وربما انعدامها، الأمر الذي يجعل الخوف مسيطرا على المرء كليا حتى في أمور تهمه هو نفسه أو تهم وتخص من هم من حوله، فيفقد ثقة أقرب المقربين عليه، وكذلك بعض من الأصدقاء والمعارف والمقربين، ذلك ناتج عن ضعفه، عن خوفه وحقيقة الخوف يضع الحواجز الكثيرة والمتنوعة أمام الشخص، ويلزمه أخيرا بعدم التكلم والقول حتى في مناسبات ومواضع عليه أن يقول كلمته فيها وبصراحة، فالخوف يمنعه من الصراحة، وقد يحتفظ برأيه وربما يكون هذا الرأي سديدا إلا أنّه مكبوت...!
فخطأ أيها الإنسان إذا خفت لا تقل لأنك إذا قلت لا يمكنك الدفاع عن موقفك، عن رأيك، عن إرادتك، عن كرامتك فعليه من المفضل في مثل هذا الوضع أن تحتفظ بكل ذلك لنفسك.
ومن ناحية أخرى هناك أناس عصاميون، ذوي أرادة، الخوف لا يمكنه السيطرة عليهم، بثقة بالنفس، وبادراك واضح، وبجرأة إنسانية وأدبية يقولون كلمتهم، يقولون رأيهم، يعبرون عن موقفهم بكل الصراحة، وبمنتهى الاستقامة والشجاعة الأدبية والإنسانية ويذودون عن هذا الموقف ويدافعون عنه، يناقشون، يجادلون ويقارعون الحجة بمثيلتها، ذلك من منطلق الإيمان الصادق بالإرادة الذاتية التي يمكنها تحطيم كل الحواجز الاجتماعية، ويأخذون بعين الاعتبار بعض التخوفات من خلال دراسة حكيمة وواقعية للأمور، تراهم أولا بأول يتبوأون القيادة الاجتماعية، وتأخذ مكانتهم الاجتماعية بالارتفاع وتتعزز، ويحظون بالدعم الاجتماعي والإنساني وربما المادي، ذلك لعدة أسباب أهمها: الجرأة، الاعتماد على النفس، الثقة بالنفس، الإرادة، العزيمة القوية، دراسة الأمور بجدية والأخذ بعين الاعتبار كل صغيرة وكبيرة دون التهاون في أمر من الأمور مهما كان مصدره ومهما كانت مكانته ومهما كبر حجمه.
فالذين يتّسمون بمثل هذه المواقف، تراهم أحرارا في ضمائرهم، أحرارا في إرادتهم، قياديين وبصدق، يستحقّون التقدير والدعم بمختلف أشكاله ويعتبرون في كثير من الأحيان ذخرا طيبا لذويهم بشكل خاص، وللأفراد والجماعات وسائر أفراد المجتمع بشكل عام.
فمثل هؤلاء يشكلون وبجدارة عنوانا للعزيمة، عنوانا للإنصاف، عنوانا للأمانة، بعيدين عن التخاذل والتخوف، بعيدين عن الاعوجاجات الأنانية وبعيدين عن الخيانة والمواربة.
لذا وبكل صراحة ينبغي على هؤلاء المتخوفين الذين لا يقولون إذا خافوا، وهم الذين يبقون في أماكنهم راقدين دون تقدم، دون تطور، يعيشون على السراب، على تأملات خاوية لا تجدي نفعا حتى لهم أنفسهم، وبالتأكيد لا تجدي نفعا لذويهم ولمجتمعهم أيضا، فأمثال هؤلاء لا مكان لهم في قيادة المجتمع، ولا يمكنهم تسنّم مناصب قيادية أو اجتماعية، لأن إرادتهم منذ البداية متصدّعة لا تليق برجال قياديين تهمّهم كرامتهم تعزّ عليهم مكانتهم ومكانة ذويهم، مكانة مجتمعهم، فعليهم أن يهبّوا من سباتهم ويأخذوا الأمور بجدية ليكونوا عونا لأنفسهم ولا يبقون على ما قيل " إذا خفت لا تقل " يجب ويجب ثم يجب ألا تكم الأفواه وتبقى هكذا لأن في ذلك تكمن ويلات اجتماعية لا حصر لها، وإنما يجب أن تقول ولا تخف وبحكمة وشجاعة ودراية، وكذلك باحترام لأن في ذلك يكمن النهوض بالفرد وبالمجتمع نحو الأفضل.
(أبو سنان)
